صدر مؤخرا عن دار النهضة العربية في بيروت كتاب (ضدّ المسرح – كارتوغرافيا الجذام البارد) للكاتب والسينمائي العراقي محمود هدايت ، والكتاب بمجمله، نصٌّ مخيف حدّ الصدمة، كانيباليّ في تكوينه، آكلٌ لديدان الزمن. كتابةٌ انعدم فيها ما شذّ وندر في غيرها، نادرةٌ في غرابتها، سواء على مستوى التأليف أو الرؤية. اعتمد فيها الكاتب على فعل الهدم، الفتك والهرس وإعادة البناء في طرح مواضيعه، مزاوجًا بين المسرح والسينما والتشكيل والشعر، في استكشاف لجنونٍ عاقل. مخاطرة لغوية مستفزّة، تكسر كل الحدود والمعيقات، نصٌّ يمتلك قدرة مدهشة على فتح السراديب المستعصية، مُلهمٌ كخرقٍ مفتوح على الرغبة في اللا كتابة.
لُعبة التخييل:
استمتعت بقراءته، واكتشفت مدى قدرتي على تذوّق التناقض بشتى أنواعه، والإحساس به، حيث يحتضن جمال القبح وقبح الجمال، من دون حاجة إلى تصفيق، ومن دون أن يعتذر عن فوضاه. أية كتابة هذه التي صهرت الأرواح في مصادفة عجائبية فرضت وجودها بقوة الحضور؟ في زمنٍ يتكاثر فيه المهرّجون، وتعلو فيه أصوات النباح والمواء والنهيق داخل مسرح الحياة، يتّسع فضاء التمثيل بما يبتعد عن جوهر الدراما في بناء الوعي والهوية وتشكيل الصورة الذاتية؛ زمن الأقنعة كما أشار شارل بودلير. يتصاعد اللغط، وتفيض الثرثرة، بينما يحتفظ الصمت بهيبته كفعل حكمة وعمق. تتكاثر الكائنات التي تُشبه الموتى داخل حياة تُوصف بالمعجزة، ويشتدّ جمود التعبير حول الطابوهات: السياسة والدين والجسد، في اندفاع نحو تحرّر منفلت من الوعي، محكوم بثقل التفاهة والابتذال. داخل هذا المناخ، اتسعت فتحة السعادة الإبداعية في القلب الكوني : الإبداع، بيني كتشكيلة وشاعرة وناقدة، وبين نصّ المبدع محمود هدايت، حوارٌ يسبق القراءة ويوازيها.
أكل الأسلاف:
إن هذا الكتاب يقوم على “القضم والهرس”، يشيد معناه من شظايا تتجاور وتتصادم. لامس هذا الوصف أفق التلقي، فانفتح انجذابٌ نحو فيضاناتٍ وزلازل وكوارث ومبيقاتٍ ولا أخلاقيات، كوسيلة لتهييج الحساسية، مطرٍ عبثيٍّ يمتد في كل الاتجاهات الأفقية والعمودية، نحو الدم في سريان أمكنته، بهمجيةٍ ممنهجةٍ متعمدة، تحمل سحرًا مغناطيسيًا يعيد ترتيب الحساسية الداخلية. في الخلفية ينبض خيالٌ حرّ، دون جغرافيات واضحة، عبثيٌّ على نحوٍ يذكّر بمسرح اللامعقول عند صمويل بيكيت. وتتقاطع الوسائط في نسيجٍ متعدد، يحتضن وجوهًا هامشية، ومجانين قرية المؤلف، ككائنات انبثقت من عفويتها دروسًا في حرية الخيال، وصارت مرايا لانفلات المعنى من قوالبه. تتكثف الرؤية هنا ليصبح الفعل الكتابي مساحة تتقاطع فيها الدلالات: ضدّ المُسَرْحَن، حيث يفسح الشعر المشذّب المجال للمتشابك والمعقّد والمتداخل، وضدّ السُّراح، حيث يتحوّل الحبس إلى طاقة تأمل. يمتدّ المفهوم نحو أفقٍ تاريخي وثقافي، حيث تظهر مواقف رافضة للمسرح كما عند البيوريتانيين الذين رأوا فيه فضاءً للانفلات الأخلاقي، وتتقاطع مع أصوات نقدية داخل الفن ذاته تهاجم المسرح التجاري الذي يختزل التجربة في منطق الاستهلاك.
تدمير المسرح:
في المقابل، يبرز المسرح المضاد كتجربة تفكيك، يهشم بنية الشكل التقليدي، يهدم الجدار الرابع، ويعيد تشكيل العلاقة بين الممثل والمتلقي. ويتسع ليشمل تمثلاتٍ مجتمعية، حيث تظهر الماريونيت كرمز: كائنات جميلة في مظهرها، عميقة الاضطراب في جوهرها، مسلوبة الإرادة، تتحرك بخيوط خفية، وتخفي مأساتها خلف أقنعة ملوّنة. وحولها تنتشر كراكيز بشرية تتقن الواجهة وتغفل العمق، تعيد إنتاج الرداءة داخل فضاء مأزوم، حيث يغدو الإنسان مقاتل طواحين الهواء على خطى دون كيشوت، منغمسًا في صراع مع أوهامه، عالقًا بين رغبة الانفلات وثقل الواقع.
العتبة البصرية:
وفي امتداد هذا المشهد البصري، تحضر لوحة غلاف الكتاب من إبداع الفنان التشكيلي كريم سعدون، وقد أُهدي إليه هذا العمل العجائبي الرائع. لوحة بسيطة في ظاهرها، كثيفة في رمزيتها، تتشكّل من أربعة أشخاص مرسومين في تركيبة أفقية، كأنهم يصطفّون على خشبة مسرح الحياة أو داخل مشهد وجودي معلّق بين العرض والانتظار. تُنجز اللوحة بلون الـ la sanguine، بدرجة ياجورية توحي بالبناء من جهة، وبالدم من جهة أخرى، في توتر بصري يفتح المعنى على مفارقة حادة: الحياة كإنشاء مستمر، والحياة كأثر جرحٍ لا يهدأ. تبدو الشخصيات كأنها في لحظة العرض، لحظة التجلّي أمام عين غائبة، حيث يتقاطع اليومي بالمسرحي، والوجود بالفعل، في إحالة عميقة إلى “مسرح الحياة” بما يحمله من تناقض بين الظهور والانمحاء، بين الأداء والحقيقة. إنها لوحة تُكثّف الفكرة ذاتها التي يقوم عليها النص: بساطة الشكل تخفي كثافة المعنى، وهدوء السطح يُخفي اضطرابًا وجوديًا عميقًا، كأن الإنسان ليس سوى كائن يُعرض داخل مسرح أكبر منه، دون أن يعرف متى بدأ العرض، أو متى ينتهي. نصٌّ يعيد رسم الخرائط، يفتح التيه كإمكان، ويمنح الفوضى توهجها الخاص في قلبها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتبة وفنانة من المغرب.