يا واسع الدار كيف توسعها.. ونحن في صخرة نزلزلها؟
أبو فِراس؛ الحارثُ بنُ سعيدِ بنِ حمدان (320 هــ - 357 هــ)، الشاعرُ الفارسُ؛ المنعوتُ عند الثّعالبيّ (350 هــ- 429 هــ) بقوله: "كان فَردَ دهرهِ، وشمسَ عصرهِ، أدبًا وفضلًا، وكرمًا ونُبلًا، ومجدًا وبَلاغةً وبَراعةً، وفُرُوسيّةً وشَجاعةً." كان، على ذلك كلّهِ، مُرَزَّأً؛ لا ترتفعُ به الحياةُ حتّى تنحطَّ، ولا تُقبلُ عليه حتّى تُدبرَ، ولا تُذيقُه شيئًا من حَلاوتها حتّى تَسقيه ضعفَ ذلك من مَرارتها؛ وقد كان أوّلَ مَرزِئةٍ تُصيبُه مقتلُ أبيه وهو طفلٌ في الثالثةِ من عمره؛ وكان القاتلُ ابنَ عمّه، ناصرَ الدّولةِ، أخا سيفِ الدّولة، الأكبرَ؛ فنشأ وهو يسمعُ، في بيته، قصّةَ مقتلِ أبيه، وحكايةَ يُتمِه، وأنّ القاتلَ ركنٌ من أركان اُسرته لا قِبَلَ له به؛ فاستقرّ في نفسه أن لا سبيلَ للثأر، وأنّ يدَه، دون ذلك، مغلولةٌ؛ وأنّ آلَ حمدان هم قوّتُه، وهم جانبُ ضعفه، وأنّ عليه أن يُحسنَ الصحبةَ، وأن يُخفي في نفسه ما يستطيع إخفاءَه!
وإذا كانت الفروسيّةُ قَدَرًا مشتركًا بين آلِ حمدان، وإذا كان من رجالِهم من يقول الشعرَ، بنحوٍ ما، فإنّ أبا فراس، من بينهم، الشاعرُ الفارسُ الذي بلغَ بالفروسيّة والشعرِ المرتبةَ العاليةَ؛ فكان أن ألقى ذلك في نفسه شعورًا بالسمو والازدهاء، وألقى في أنفسهم أشياءَ من الضغينة المستكنّة، وجعل ما بينه وبينهم أمرًا ظاهرُه الصفو وباطنُه الكَدَر. وقد يستعلِنُ الخفيُ في الأقوالِ والأفعالِ، فيُصحرُ كلٌّ بما عنده ويُبدي بالذي يُكنُّ؛ كقوله وقد شهِد منهم مكاشفةً:
أرانـــي وقــومـــي فــرَّقَتْنــا مَــذاهــبُ... وإن جَمَعَتْنا في الأُصولِ المَناسِبُ
فأَقصاهمُ أَقصاهمُ من مَساءَتي... وأقــربُــهــم مــمّـــــا كـــــَرِهْـــتُ الأقـــــارِبُ
غريبٌ وأهلي حيثما كَرَّ ناظري... وحيدٌ وحَـولي مـــــِن رِجالـــي عَصائِبُ
وكقوله:
أيا قومَنا لا تُنْشِبوا الحربَ بيننا... أيــا قومَنـــــا لا تقطــــعوا اليـــــدَ باليـــــدِ
فيا ليتَ داني الرَّحـمِ منّا ومنّكمُ... إذا لــــــم يُقـــــــــرِّبْ بيــــننـــا لــــــمْ يُبَـــعِّــدِ
على أنّ أقربَهم إليه، وأعطفَهم عليه؛ سيفُ الدّولة، وهو ابنُ عمّه، وزوجُ أخته. وهو الذي قام عليه بالرعايةِ والعناية، وحُسنِ التنشِئةِ؛ حتّى جعل منه رجلًا من رجالِ مجلسهِ، وصاحبًا من صحبه الأقربين، وفارسًا في الصدر من فرسانِ دولته. قال الثعالبيّ في ذلك: " كان سيفُ الدّولةِ يُعجَبُ جدًّا بمحاسنِ أبي فِراس، ويُميِّزُهُ بالإكرامِ على سائرِ قومِه، ويصطنعُه لنفسِه، ويصطحبُه في غَزواتِه، ويستخلِفُه على أعمالهِ ". وكان أبو فراس يعرِف له ذلك، ويُثني عليه بأرفعِ صفاته، ويُعلي من منزلته، ويُنشِئ الشعرَ فيه. وبدا أنّ حالَهما قائمةٌ على الصفو، بعيدةٌ عمّا يشوب حتّى وقعَ أبو فِراس في أَسِر الروم، في سنة 351هــ؛ فإذا بأيّام أسره تمتدّ، وإذا بسيف الدّولة يُبطئ في مُفاداتِه، وإذا بصفوةِ أصحابه ينسَونَه واحدًا بعد واحد، وإذا بالحياةِ تتكشّف له عمّا لا يُحبّ، وإذا به لا يجدُ لياذًا يستظلّ به إلا الشّعر؛ فيأخذ في ضربٍ رفيعٍ منه، يُبينُ فيه أتمَّ البيان عن نفسه، وعن شقائِه، وعن تقلّبِ الحال، وتنكّرِ الناس، وضياع ِالودِّ القديم، وقد سُمّي ذلك، من بعدُ، بـ " الروميّات "، وهي من آثارِ الشعر العربيّ الباقيةِ على الزمن؛ لصدقِها، وصفاء لغتِها، واستقامة منحاها، ولهذا التأمّلِ الحزين في الحياة ومجراها؛ يقول في بعضها:
تَنــاســـانــيَ الأصـــحــابُ إلّا عُصَـــيْبَةٌ... ستَلْحَقُ بالأُخرى غدًا وتحولُ
ومَنْ ذا الذي يبقى على العهد؟إنّهم... وإن كَثُـــرتْ دعْـــواهُــمُ لَقــليـــلُ
ويميل إلى التأسّي والتعزّي، وأنّ ما أصابه ليس موقوفًا عليه وحده فيقول:
نعم! دعتِ الدّنيا إلى الغَدرِ دَعوةً... أجــــابَ إليــــــها عالـــــمٌ وجَـــهولُ
وفــارقَ عمـروُ بنُ الزُّبيــرِ شـقــيقَـهُ... وخلّــــى أميــــرَ المؤمنيـــنَ عقيـلُ
وهو، في أكثر روميّاته، يتوجّه إلى سيف الدولة؛ يُصرّحُ مرّةً، ويُعرّض أخرى؛ يمدحُ، ويعاتبُ، ويشكو؛ ويأسى، في كلِّ الحالات، أنْ وهَى الحبلُ، وتصرّم الودّ. ولكنّ سيفَ الدّولة كان مصروفًا عنه، لا يُريد، لأمرٍ ما، أن ينشغلَ به. ولقد كان يزيدُ في أساه، ويقضّ عليه مضجعَه لوعةُ أمّه وحزنُها المقيم:
وإنَّ وراءَ الســترِ أُمًّـــــا بكــــاؤُهــا... عــلــيَّ وإن طــالَ الزمــانُ طويــلُ
فيا أُمّتا لا تَعْدَمي الصبرَ إنّه... إلى الخيرِ والنُّجحِ القَريبِ رسولُ
فيدعوها إلى الصبر، والتأسّي، والاحتساب؛ ولكنّ الجَزَعَ يبلغ به غايتَه حين يتّصلُ به أنّها قَصَدتْ سيفَ الدولة؛ من مَنْبِج إلى حلب؛ من أجل مُفاداتِه وفكِّ أسره؛ فيردُّها بالخيبة ردًّا غيرَ كريم؛ فينشئ قصيدةً عامرةً فريدةً في الشعر العربيّ كلّه؛ مدارُها أسىً، وشكوى، وفخرٌ، وثناءٌ على سيف الدولة في طيّه لومٌ وتقريع؛ يقول في مطلعها:
يا حســـــرةً مـــــــا أكـادُ أحمِــلـُـها... آخـــرُهــا مُزعِـــــجٌ وأَوّلُـــهـــا
عَـــــليـــلــةٌ بــالشــــــآمِ مُــــفـــــــردةٌ... باتَ بأيـــدي الـعِدا معلِّلُها
تُمســكُ أحشــاءَهــا علــى حُرَقٍ... تُطفِئُــها والهمـومُ تُشعِلُها
حتّى إذا صوّر أساه، وبثّ شكاته مال إلى الفخر بما له ممّا لا يُنكرُ عليه؛ يشدُّ به أزرَه؛ فقال إنّ الحربَ والقتالَ والأسرَ منازلُ الفرسانِ ومواردهم:
يـــــا أُمّــتـــا هـــــــــذهِ منـــازلُــــنـــا... نـــترُكُــــهـا تـــارةً ونَنْــزِلُــها
يـــا أمّــتــــا هـــــــــذهِ مـــــواردُنــــا... نـــعُلّـــــُها تـــــارةً ونَنْهَـلُـــها
غيرَ أنّ مرارةَ الخذلان لا تنفكُّ عنه فتأخذُ به إليها فيقول:
أَسْــلَمَنــا قـومُنــا إلـــى نُـــوَبٍ... أَيْسـَرُها فـي القلـوبِ أَقتلُها
واسـتبدلوا بنـا رجــالَ وغــى... يَـودُّ أدنـــى عُــــلايَ أَمثـلُــها
ثمّ ينفذ من ذلك إلى مخاطبةِ سيفِ الدولة فيمدحه؛ لكي يقرّعَه بأشدّ الكلام:
ليستْ تنالُ القيودُ مِنْ قَدَمي... وفي اتّباعي رِضاكَ أَحْمِلُها
يـــا سيّدًا مــــا تُـعـدُّ مَكْــــرُمَــةٌ... إلّا وفـــي راحــتيــهِ أَكْــمَــلُــــها
...أنتَ سمــاءٌ ونحــنُ أنجمُـها... أنتَ بــــلادٌ ونـحـــنُ أجْــبُـــلُــها
...بــأيّ ِعُـــذرٍ رَدَدْتَ والــِـــهَــةً... عليــكَ دونَ الــــورى مُــعَوّلُــها
...تلكَ المـــودّاتُ كيفَ تُهمِــلُها... تلـكَ المــواعيدُ كيـفَ تُغْفِلُــها
...يا واسعَ الدارِ كيفَ توسِعُها... ونحــنُ فـــي صــخرةٍ نُزَلْزلُــها
يا ناعــمَ الثّوبِ كيـفَ تُبدِلُـهُ... ثيابُنــا الصــوفُ مـــا نبـَدِّلُـــها
ويظلُّ في هذه المعاني يُديرُها حتّى يُتِمَ القصيدة؛ ينسجُها من شكاةٍ مُرّةٍ، ومديحٍ يُكره نفسَه عليه، وتبكيتٍ مُقرِّعٍ يشفي به بعضَ ما يجِدُ. وقد وفّق غايةَ التوفيقِ إذ أجرى القصيدةَ على البحر المنسرح: (مستفعلن مفعولاتُ مستعلن... مستفعلن مفعولاتُ مستعلن). وهو بحرٌ يحكي باضطرابِ إيقاعه اضطرابَ عواطف الشاعر، وتباينَ ما ينزِع به.
وقد يلوذُ بالتعريض، وصناعةِ الأمثولةِ؛ حين يضيق المقامُ بالتصريح؛ ليقولَ لسيف الدولة كلَّ ما يعتلج في صدره. وأوضحُ أمثلةِ ذلك، وأدلُّها على منحى التعريضِ والكناية قصيدتُه التي مطلعُها:
أراكَ عصيَ الدَّمعِ شيمتُك الصَّبرُ... أمـــا للـــهوى نَهــيٌ عليــكَ ولا أمــــرُ
وقد بناها على البحرِ الطويلِ الصحيحِ الضرب؛ وهو أهدأُ البحور، وألينها، وأقدرُها على تصوير العاطفة الهادئة المستقرّة، وأفسحها في استيعاب التأمّل؛ يقولُ في مورد منها:
معلّلتــي بالوصــــلِ والـمــوتُ دونَـــهُ... إذا مِــتُّ ظَــمـــآنًا فــلا نـَـزَلَ القَــــطْرُ
حـــفِــظْــتُ وضيّـــعـتِ المــودّةَ بيــنــا... وأحسنُ من بعضِ الوفاءِ لكِ العُذْرُ
...وَفَيتُ وفـــي بعـــضِ الوفـــاءِ مـذلَّـةٌ... لإنسانةٍ فــي الحــيّ شيمتُــها الغَدْرُ
...تسائلُني مـــــن أنتَ؟ وهـــي عليمـةٌ... وهــل بفتــىً مِثْلــي علــى حالِه نُكْرُ
فقلتُ كما شاءتْ وشاءَ لها الهوى... قتيــلُــك! قـــالتْ: أيُّــهم فَـــهُمُ كُثْــرُ
فقلتُ لها: لــو شِئتِ لـــم تَتـَعَنّتـي... ولــم تسألـي عنّي وعنـدكِ بــي خُبْرُ
وإذا كانت القصيدةُ، في ظاهرها، تخاطبُ امرأةً كانت صفيّةً ودودًا، ثمّ حالت بها الحالُ فتنكّرتْ وغدرتْ؛ فإنّها في باطنها أمثولةٌ يُقيمها لسيفِ الدولةِ، بجامعِ المشابهةِ، ليرى بها نفسَه في الذي كانت عليه، والذي آلت إليه. ولكي يُسمعَه بالكنايةِ والتعريض ما لا يقوم به التصريحُ والجهرُ.
ظلّ أبو فِراس في الأسر أربعَ سنين، ثمّ قُدّرَ لأسره أن يُفكّ، وقُدّرَ له أن يرجِع إلى أهلِه في سنة 355 هــ، وفي نفسه ما فيها من ألمِ الغُربةِ والخذلان. لكنّ الرزايا لا تريدُ أن تبارحَهُ؛ وقد قال الثعالبيّ، وما أبلغَ ما قال: " ولمّا خرج قمرُ الفضلِ من سِرارِه، وأُطلِقَ أَسَدُ الحربِ عن إساره، لم تطُلْ أيامُ فَرحتِه ولم تسمَح النوائبُ بالتجافي عن مهجتِهِ." ذلك أنّ سيفَ الدولة قد تُوفّي في سنة 356 هــ فاختلّ حبلُ آلِ حمدان، وأسفرتِ المطامعُ عن نفسها، فوقعت وقعةٌ بين أبي فِراس وبعضِ موالي أسرتِه القائمين بشأنِ ابنِ سيف الدولة، وليِّ الأمر، قُتِلَ فيها أبو فِراس، في سنة 357 هــ، وهو في السابعة والثلاثين؛ فتمّ كتابُ الرزايا عليه فصولا.