قد لا يكتفي الشاعر مظفر النواب بأن يكون شاعرَ شجنٍ فقط، بل هو الأكثر تمردا على ذلك، حيث الوصف والحضور واللغة، فهو شاعرُ وعي ساخط، وعي يتمرد على اللغة والذات والزمن، يدخل الشجن في سياق تمثيل ذلك الوعي، بوصفه استعارة مفتوحة للانتماء، وشعرية البحث عن المعنى، المعنى الذي يتجاوز النمط الى الأفق، واليومي الى الوجودي، والقلق الاجتماعي الى القلق الثقافي..
خصوصية النواب الشعرية حملت معها تحيّزات الشاعر الثائر، الحالم بخرق المألوف، وبمسؤولية الشاعر/ المثقف في صناعة الوعي، وفي تحويل خطاب اللغةِ الى خطابٍ في الثورة، وخطاب الثورة الى فاعل انساني، تتوازى وظيفة الشاعر مع وظيفة الشاهد، القريب من الزمن الوطني، ومن أسئلة الشارع، ومن أحلام الناس وهي تبحث عن وجودها، وعن حريتها وحقوقها، لذا كان صوت النواب الهادر ايقاظا للزمن السياسي، والزمن الثقافي، وللضمير الوطني الذي وجد في قصيدة النواب مجسا للتعرّف عن "القوة الوطنية" وعلى الترياق الذي يُعيد صياغة وظيفة " الشاعر/ المثقف العضوي" ليكون طليعيا، يمنح الأشياء والتفاصيل قوة التعبير عن ذاتها، وعن وهج وجودها في تمثيل أسئلة الوعي الوطني والثقافي والإنساني الرافض ل"فكرة الهزيمة" بحمولتها القومية والأيديولوجية والنفسية.
كان النواب مؤمنا بثورية الخطاب الوطني، وبقدرة الشاعر على أن يكون بطلا، يشاطر اللغة انتفاضتها، اغترابها، فيكتب عن زمنه الثوري وكأنه يكتب نشيد "الثورة" ذاتها، ونشيد "الحرية" ذاتها، إذ تتحول الكتابة الى أفق شعري مفتوح على الاحزان الكونية، وعلى قيم الحق والعدالة منذ الجرح الحسيني الكبير الى جرح جيفارا الثوري، الى جراح الوطن المكشوفة على سيرة الشهداء الذين كتبوا تاريخا آخر، تاريخ المعنى والفكرة والبقاء على قيد الحلم..
لغة النواب التصويرية، وشعرية اليومي من أكثر العلامات حضورا في مشغله الشعري، وفي تمثيل قصيدته المتوهجة، في بنيتها الحكائية، وفي زخم وجودها، وتفجرها الاستعاري، على مستوى مفهوم الجدّة والتحديث، وعلى مستوى خصوصيتها الواقعية، في الإحالة الى الذاكرة والتاريخ والحكايات، والى هواجس الوجدان والغناء، فهو مهووس بقصيدة الغناء، مثلما هو قريب من قاموس الجنوبيين، ومن رائحة الماء والبردي وحساسية الحب وهو يخلط اللغة باللذة، والوطن بالأنثى، والذات بالآخر، والفكرة بالمعنى المجروح مثل بطل ملحمي..
تنوع المحطات في شعر النواب يعني تنوع مشغله، ورغبته في أن يمنح القصيدة وجودا يناظره في الوعي، وفي الاحتجاج والغضب، وفي أن يكون زمنه الشعري مفتوحا على زمانات وطنية وإنسانية، مثلما يكون حاملا لسحرية زمنه الشخصي، زمن التجربة والوعي والاغتراب والسجن، فتتحول حساسية الكتابة الى هاجس وجودي، يمنح طاقة التجاوز، بما فيها تجاوز الزمن ذاته، حيث يتسع المبنى الشعري الى مبانٍ موازية، يتجاوز فيها نمطية قصيدة الرواد، حتى تبدو وكأنها الأقرب الى "قصيدة الانسان" الذي يرى العالم من خلال الثورة، أو من خلال "الهزيمة" فكان يكتب وكأنه يواجه تلك النقائض، حاملا "وعيه الشقي" لمواجهة السجان والسلطة، ومواجهة الهزائم القومية بوعي ملحمي يدرك أن القصيدة لا تعني "الألفة" العاطلة، ولا البقاء الرتيب، بقدر ما يعني التساؤل، حيث يتحول البحث عن "الحزن بحثا عن الوطن" والبحث عن الحرية بحثا عن الذات، واختيارا للصوت الذي يحمله صاخبا، اشهاريا، فاضحا للهزائم والعورات والعيوب..
في قصائد النواب "المحكية والفصحى" نجد تفرد الشاعر الذي يعرف سحر اللغة، ويدرك اسرار بنائها المتواتر، وسر حمولاتها الرمزية والاحالية، يستبطن ما فيها من اسرار، ومن استعارات، يمنحها شهوة "التشكل" والتحقق في معان ليست بعيدة عن قضيته، فحين يكتب عن الحب نهجس عشق النواب وهو يلمس الوطن عبر الانثى، وحين يكتب عن الوطن نهجس شغف النواب وهو يؤنث اللغة على طريقة ابن عربي، غائرا فيها، متصوفا في انشداده الى ما تخفيه من سحر ومن لذة ومن معنى، وحين يكتب عن الأرض نهجسه فلاحا مسكونا بالماء، وببطولة " حجام البريس" الرافض للخنوع، و"صويحب" وهو يرفع منجله مثل استعارة كبرى تتسع للحب والثورة والحلم والحرية...