اخر الاخبار

كانت الباخرة على وشك الرسو في الميناء الكبير، حين تمت مناداتي عبر جهاز الاستدعاء، كنت أرتدي قميصاً أزرق وبنطال جينز باللون نفسه، أنظر حولي باتجاه رصيف الميناء وكأنني استعجل الميناء بالقدوم إلى الباخرة، ذهبتُ إلى قمرة القبطان الذي كان منشغلاً بتدوين بعض البيانات، ناولني البرقية من دون ان يرفع رأسه عما يشغله ومن دون أن يحرك ساكناً أو يغادر مكتبه، بسطت الورقة المطوية وقرأت:

" أحضر حالاً، والدك يحتضر " وفي أسفل الورقة، قرأت اسم المستشفى وعنوانه، وحين أتمت الباخرة رسوها، انطلقنا جميعاً خارجها ونحن نجر حقائبنا بعد أن انفقنا ستة أشهر في الإبحار عبر المحيطات، حين غادرت المنزل كان والدي في أتم صحة خاصة وأنهُ في عقدهِ الخامس ولم يتعرض يوماً لوعكة صحية، انتابني الشك ولم أشأ التفريط في وقتي، انطلقتُ من فوري إلى عنوان المشفى وأنا أجر حقيبتي معي.

حين وصلت قادتني الممرضة إلى مكان رقود والدي. جلستُ على حافة سريره، لم يستطع التكلم، ملامحهُ جامدةً وجافة ومتغضنة، لم يستطع التكلم والترحيب بي، فمهُ مغطى بجهاز الاوكسجين، نظر في وجهي، انشرحت اساريره، مد يدهُ التي انغرست فيها ابرة جهاز الإعطاء المتصل بعبوة المغذي، أمسك بيدي واستمر كذلك لساعات، ثم فارق الحياة من دون أن نتبادل كلمة واحدة، فاضت روحه أمامي، فانحدرت على خدي دمعة ساخنة، ناديت على الممرضة، نظرت إليّ وقالت:

- كان ينتظر زيارتك منذ أربعة أيام.

وأضافت وكأنها تذكرت شيء ما:

- الغريب أن احداً من أهلهِ لم يسأل عنه، لقد أحضرهُ شخص ما لكنه ذهب ولم يعد.

كانت الممرضة تثرثر عن قطع صلة الرحم، ألقت على مسامعي وابلاً من محاضرات حول نكران الجميل وغدر الأهل وقبح الزمن والناس. قاطعتها قائلاً:

- سيدتي، أنا لا أعرف هذا الرجل.

توقفت الفتاة، جمدت، صمتت ألتفتت نحوي متسائلة:

- كيف وهو يتمتم باسمك قبل أن تسوء حالته وأعطاني عنوانك، قال إنك بحار.

- صدقيني إنهُ ليس أبي أنا أراه لأول مرة.

- أنت تنكر أباك إذن.

- لا، إن والدي حيٌ يرزق.

- غريب، ولكن كيف عرف اسمك وعنوانك وأنت لماذا استجبت لندائي حين طلبتك.

- لا أعرف، لكني لم أشأ أن أفطر قلبه، شعرت بأن ثمة إنسان به حاجةٍ إلى أبن، لقد تأكدت عبر هاتفي النقال من سلامة والدي، اتصلت به وتحدثت معهُ قبل أن أحضر إلى هنا. على أية حال لقد حققتُ حلم الرجل ورغبتهُ وهذا ما يهمني الآن.

بكت الممرضة وقالت:

- لم أرَ في حياتي شيئاً كهذا.