أن يكون الشاعر شاهدا على زمنه، يعني أنه يتحول الى مغامر وثائر والى جوّال يبحث عن اسرار اللغة، وعن عشبة الخلود، وعن الوجود بوصفه وعيا، وشغفا بالتجاوز، فالكثير من الحياة يعني الكثير من الشعر..
صادق الصائغ يشبه هذا الشاعر، فهو يشاطره حدس المعرفة، وشهوة الكتابة، وحلم المناضل الذي يدرك أن للشعر قوة خلّاقة، تدفعه لتلك الحياة، والى الاحلام التي يتوق لها الفقراء والعشاق والثوار وهم يبحثون عن الحرية، تلك التي تشبه عشبة خلود كلكامش، حيث كتب الصائغ لها القصيدة وهو مسكون بروح صانع الملاحم، وخط بريشته على قراطيسها وكأنه يترك عبرها الأثر، حتى بدت الكتابة وكأنها عالمٌ يتسع للعبارة والرؤيا في آن معا..
يعرف الشاعر الصائغ أن الكتابة التزام وانتماء، وأن تدوين ذلك الأثر مسؤولية واشتباك معرفي وانساني مع الزمن، مثلما كان يؤمن أن الكتابة تجاوز، بوصفها وجودا ومعرفة وتاريخا، لذا جعل من مشغله الشعري والفني فضاء للتجريب، حيث تكون القصيدة واللوحة والقرطاس الواحا مفتوحة، وارواحا لا تطيق السكون في الامكنة الباردة، وفي يقينيات الاشكال المقفلة مثل صناديق العائلة، فانحاز مبكرا الى "الكتابة الجديدة" مندفعا الى المغايرة، مهوسا بحساسية التجاوز، متمردا على شكلها، وعلى ذاكرتها، وكأنه يبحث من خلالها عن زمنٍ آخر للقصيدة، وربما عن عشبة أخرى..
رحيل صادق الصائغ اعادني الى سيرة الشاعر الشاهد، الشاعر الذي كان يرى العالم بانوثة القصيدة، من سحر افقها، ومن شغبِ اسئلتها، إذ حمل معه عدّة المسافر، وذاكرة المؤرخ، وصاحب الاسرار المأخوذ بسرانية الكشف عمّا يتخفى في استعاراتها، أو في عشبتها..
حاورته كثيرا لأتعرف على زمنه الشعري، وعلى سر تاريخه الشخصي مع القصيدة. كان يضحك مثل ربّان قديم، وكأنه يقول لي ما زلت مسكونا بروح اوديسيوس، يمكن لي أن اتعرف على جنون البحر، وأن اشمّ رائحة جنياته، فالكتابة بالنسبة لي هي مواجهة الغرق، هي الرحيل بالقصيدة الى اقصى الماء، حيث الاتساع، وحيث التحول، وحيث تتنامى الاستعارات والمجازات مثل كائنات بحرية..
الصائغ ليس شاعرا عابرا، إنه شاعر يمنح العبور دالة المغامرة، لم ينفصل وعيه بها، عن وعيه الثوري بالتجاوز، فحمل القصيدة مثل قلقه الشعري، وفأس الحطاب الذي يعشقه، ليدخل معها غابة الوجود باحثا عن اسرارها، وعن سحرها، وعن سر عشبتها.
قصيدة الغابة ليست بعيدة عن حلم الصائغ، ولا عن رهانه على المختلف، فكلاهما ينتميان الى موروفولوجيا الأنوثة، وعلى اباحة تشهي العالم، حيث يتحول تأنّث القصيدة، الى طقوس باذخة، تتشاطر والغابة في اعادة صياغة الوجود والمعنى، وفي أن تكون الكتابة نظيرا للشهوة، تلمسا للتفاصيل، استدعاء للخصب، والضوء والاشراق والاتساع..
منذ أن كتب الصائغ كتابه الشعري "نشيد الكركدن" وهو يغامر بقصيدة نافرة، وعابرة لسياسة المعاطف الشعرية، يشاطرها القلق، والتمرد، واللا طمئنان الى السكون، فكانت قصيدته مكشوفة للتعري، وللاحتشاد بأرواح المغامرين، حيث اصواتهم الصاخبة، وحيث حكاياتهم واحلامهم واسفارهم، وحيث الشغف بالبحث عن الكائن الذي يشبهه في مواجهة نسيان كينونته، وفي المغامرة بالأسفار الى جهات اللغة المفتوحة..
رحيل الصائغ كان رحيلا لحلم تركه على الطاولة، لم يشأ أن يجعله جزءا من غيابه، ومن منافيه الموجعة، لذا كان يصنع لهذا الحلم وجودا وحكايات لم تفصله عن روح الحطاب، ولا عن روح المغامر، وحساسية الشاعر الذي يواجه محنة النسيان، في عالم المعاطف الثقيلة، والوجبات السريعة، والمنافي التي صنعها الاخرون في نوبات جنونهم وفي حروبهم الملعونة.
اتصلت به قبل رحيله باسبوع، لأطمئن على قلبه الذي كان يركض كثيرا، جاءني صوته هذه المرة مرتجفا، ضاحكا، وكأنه يقول لي سأواصل لعبة الحياة رغم كل شيء، فما دام الكلام مباحا، وغابة الحلم موجودة، والمنفى يصنع المقاهي والاصدقاء، وما دام الوطن ينام في قصيدة قديمة، فسأواصل تلك اللعبة التي اسمها الحياة ساخرا من الموت الذي يحاصرنا بالاوهام الباردة..