اخر الاخبار

يُعد الفنان محمد مهر الدين من أبرز رموز الحداثة في الفن التشكيلي العراقي والعربي. فقد كان أحد الأعضاء المؤسسين لبيان "الرؤية الجديدة" عام 1969، الذي وقّعه مع خمسة من زملائه.

وتنص مبادئ هذا البيان على الاستفادة القصوى من التجارب الفنية العالمية، التي تعرّفوا عليها خلال دراستهم في الخارج، مع الحفاظ على الهوية العربية. كان مهر الدين قد درس الرسم والكرافيك في أكاديمية الفنون الجميلة في وارسو، وحصل على شهادة الماجستير عام 1966، وهو ما جعله منسجما ومتفاعلا مع أهداف البيان.

تمسّك مهر الدين بتأصيل تجربته الفنية الشخصية، مستلهما نصوص أفكاره التشكيلية من التراث العربي، ليبلورها برؤية معاصرة وأسلوب خاص.

بعد عودته من دراسته في بولندا، استلهم مهر الدين صياغة تجربته الفنية الجديدة من تأثيرات أساتذته البولنديين، أبرزهم سامبورسكي، ولينشتاين، وكويزدي. كان هذا التأثر واضحا في معرضه الثاني ببغداد عام 1976. ومنذ ذلك الحين، واصل الفنان بحثه وصياغاته الفنية المتجددة، معمقا فهمه للفن المعاصر.

جمع مهر الدين في فنه بين عناصر التراث العراقي المحلي ومصير الإنسان المجهول، وبين تأثيرات الفن البولندي المعاصر التي كانت واضحة في بداية تجربته. من خلال هذه "المعادلة القلقة"، استطاع مهر الدين أن يمنح أعماله طابعا شخصيا فريدا، يحمل قيما فنية وإنسانية معاصرة، مما جعل له صوته وصورته الخاصة في المشهد التشكيلي المحلي والعربي.

اتخذت أشكالا تقنية متنوعة في الملمس والصورة، فيما كانت موضوعاتها الاساسية ظلت دائماً "الإنسان" بكل عالمه الغريب، المتناقض، والمرير.

وانعكس المحيط الاجتماعي والسياسي المليء بالتناقضات في مدينة البصرة، مسقط رأس الفنان مهر الدين (مواليد 1938)، على أعماله الأولى. الذي بدأ رساما تشخيصيا، تميّز بقوة التخطيط، مستفيدا من دراسته الأكاديمية على يد الفنان فائق حسن. كما درس فن النحت على يد النحات جواد سليم في معهد الفنون الجميلة ببغداد، تخرج عام 1958.

اتسمت أعماله بأسلوب "فيكوروني" (وهو مصطلح يجمع بين الأسلوب الأكاديمي والمعاصر)، حيث استخدم فن الكولاج باستخدام مواد أولية متنوعة مثل الرمل والجبس ونشارة الخشب، وقطع الحديد الصغيرة. كما استخدم مادتي الزيت والأكريليك، مما منح لوحاته نبضا حسيا خاصا في الملمس والرؤية.

ثم تحول تركيزه إلى رسم أجزاء معينة من جسم الإنسان بحركات مختلفة، مقسما سطح اللوحة إلى أجزاء متعددة. كل جزء كان يحمل رمزية ومضمونا مستقلا، لكنها كانت تلتقي جميعها في النهاية لتشكل موضوع اللوحة الأساسي.

أضاف مهر الدين إلى أعماله طابعا نفسيا عميقا، مستفيدا من مهارته في تقنيات الرسم بالأبيض والأسود، أو بالأقلام الملونة او الكولاج، حيث كان يدمج قصاصات من الصور الفوتوغرافية والصحف، مما جعل أعماله قريبة من لغة تصميم الملصقات السياسية، خاصة وأن السياسة تسيطر على حياة الإنسان وأفكاره، وحتى على طرق قتله وتشريده.

اعماله تمرّد على القوانين التقليدية للتصوير الفني. خاصة في معرضه لعام 1978، الذي حمل عنوان "غريب هذا العالم". وقد شكل نقطة تحوّل حاسمة ومهمة في مسيرته الإبداعية المعاصرة.

يقول الناقد شاكر حسن آل سعيد: "لمحمد مهر الدين وسائله الخاصة التكوينية والمضمونية والشكلية معاَ، إذ ليس هناك موضوع يتسرب اليأس إلى نفوسنا في إدراكها وإدراك تطورها المصيري فهو من ناحية ما يؤمن بوحدة الكائن البشري المفضل، إذ قلما رسم موضوعاً لم يطرح فيه قضية الإنسان، بلحمه ودمه، وهو في ذروة موقفه النضالي، إن هذا الرجل الذي يبدو لنا مهمشاً وهو يلتصق بملمس اللوحة التصويرية، لا يمكن أن يكون إلا متماسكاً مهماً، هرسته الطبيعة أو قوى البطش والتعسف في نظمها".

من هنا أصبحت لوحاته تعبر عن هموم إنسانية صارخة، مع ترسيخ نهجه الفني الشفاف من خلال مفاهيم رياضية وهندسية. وظهرت الإشارات التجريدية بلغتها الرمزية على سطح اللوحة أرقام حسابية وعلامات، وأسهم، وكتابات غامضة.

في عام 2014، أقام مهر الدين معرضا شخصيا بعنوان "حرب قذرة"، ضم (40) لوحة احتجاجية تدين الاحتلال الأمريكي في العراق. رحل محمد مهر الدين عام 2015 في منفاه بعمان بعد ان كان حل فيها عام 2006.