لم تكن مدارسنا كبيرة في مبانيها، لكنها كانت واسعة في رسالتها، عميقة في أثرها. هناك، بين الصفوف البسيطة والساحات الترابية، تشكّلت ملامح جيلٍ كامل، على أيدي معلمين يساريين آمنوا بأن التعليم ليس مجرد تلقين، بل مشروع لبناء الإنسان. علّمونا حب الوطن، وغرسوا فينا قيم الكرامة والوفاء، منذ الابتدائية وحتى الإعدادية، تاركين بصماتهم في الذاكرة التي لا تمحوها السنوات.
لم يكن تأثيرهم مقتصرًا على الدروس الأكاديمية، بل امتد إلى الفن، إلى الخط والرسم، وإلى خشبة المسرح التي أصبحت، بالنسبة لنا، فضاءً لاكتشاف الذات. منذ الطفولة، كان ولعي بالرسم والمسرح يكبر. أولى خطواتي على الخشبة كانت في المرحلة الابتدائية، عندما اختارني الأستاذ الراحل عبد علوان لأداء دور “جلوب”. تجربة صغيرة في ظاهرها، لكنها كانت الشرارة الأولى.
في المرحلة المتوسطة، تعمّق هذا الشغف، حين منحني الأستاذ الراحل أسعد مبارك دور البطولة في مسرحية “صندوق الزمان”. هناك، لم يعد المسرح مجرد تجربة عابرة، بل تحوّل إلى شغف حقيقي. ومع مجموعة من الزملاء، أسسنا أولى محاولاتنا لتشكيل فرقة مسرحية، ضمّت أسماءً مثل عبد المطلب سيد جليل، الشهيد باسم ناجي، رضا علوان، ساجد علوان، علي بلال، وحميد علي حسون، وغيرهم ممن قد تخونني الذاكرة عن ذكرهم.
في مدينة الحلة، وتحديدًا في الإعدادية المركزية، تطوّر هذا الحلم. تأسست فرقة مسرحية أكثر نضجًا، ضمّت مجموعة من الموهوبين، من بينهم محمد المرعب، أحمد عبد الصاحب، زهير شمخي، رافد عبد الخالق، مأمون الرفاعي، رزاق حسان، وجيه مظهر، وعادل عبد الأمير شلاش. كان لافتًا أن أغلب هؤلاء كانوا من أبناء التيار اليساري، في زمنٍ لم يكن فيه الانتماء السياسي أمرًا عابرًا.
لكن المسرح، كما هو شأن كل فعل ثقافي حر، لم يكن بعيدًا عن الرقابة. فقد واجهت الفرقة محاولة حلّ من قبل أحد مسؤولي الاتحاد الوطني، بحجة وجود بعض الأسماء غير المرغوب فيها، خصوصًا محمد المرعب وأحمد الناجي، اللذين شاركا في بطولة مسرحية “الجدار” للكاتب الفرنسي جان بول سارتر، والتي قمت بإخراجها آنذاك. ورغم هذه الضغوط، حققت المسرحية نجاحًا لافتًا، بفضل أداء الممثلين وإصرارهم على الاستمرار.
ومع مرور الزمن، لم تذهب تلك التجارب سدى. فقد واصل عدد من الزملاء طريقهم في الفن، حيث أكمل حميد علي حسون دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة ونال شهادة الدكتوراه، وكذلك رضا علوان، فيما أصبحت أسماء أخرى معروفة على خشبات المسرح وشاشات التلفاز وفي الوسط الأكاديمي.
لم يكن هذا كله ليحدث لولا ذلك الدعم غير المعلن الذي كان يقدمه الشيوعيون للفن والثقافة. كانوا يرون في المسرح أداة وعي، ومنبرًا للتعبير، فشجعونا، وفتحوا أمامنا الأبواب، رغم كل التحديات.
أما الرحلات إلى بغداد، فكانت جزءًا لا يُنسى من تلك المرحلة. كنا نستأجر سيارة “مرسيدس” تعود للراحل عبد الله حسن الحمد، ونتجه لمشاهدة عروض “فرقة مسرح الفن الحديث”، أو لمتابعة الأفلام السينمائية. كانت تلك الرحلات بمثابة نافذة على عالم أوسع.
لكن حتى هذه التفاصيل البسيطة لم تكن بعيدة عن أعين الرقابة. ففي إحدى المرات، فاجأنا السائق الراحل بنصيحة صريحة: التوقف عن استئجار سيارته، لأن الأجهزة الأمنية طلبت منه أسماءنا. نصيحة حملت في طياتها خوفًا صادقًا. ومنذ ذلك الحين، بدأنا نلجأ إلى وسائل نقل أبسط، نركب “النفرات” ونتجمع في علاوي الحلة، ثم نواصل طريقنا إلى المسرح، بإصرار لا يلين.
هكذا كان المسرح بالنسبة لنا… أكثر من فن. كان مساحة للحرية، ودرسًا في الشجاعة، وذاكرةً لا تزال تنبض، رغم كل ما مرّ من زمن.
ـــــــــــــــ
*كاتب ومترجم ومخرج مسرحي عراقي يقيم حالياً في طشقند.