في أصل الأنواع، لا أدري لماذا استوقف القردُ داروينَ، ليجعل بينه وبين البشر ثَمّة مقاربات، أو لعلّه أراد أن يأتي بجناسٍ جديدٍ يكشف سرّ الوجود الإنساني، مع أنّ البحوث التي استغرقته قد تكون استمالت قناعة البشر إلى هذه المقارنة أو المقاربة. لقد اكتشفتُ أنّي ارى خطأ ما في النتائج البحثية والمختبرية آنذاك عند داروين، قد ظلم القرد في بعض مفاصله؛ إذ إنّ وداعته، وحركاته الجمالية، وذكاءه في تقشير الموز، جعلت بعض الناشطين في حقوق الحيوان يوجّهون سهام النقد لنظرية داروين. وبعد فصولٍ وعقودٍ من الزمن، واكتشافاتٍ عبر التنقيب الإيكولوجي، اتّضح أنّ بعض عينات الخنازير أقربُ إلى بعض البشر.
لقد وقع الاختيار، في زمنٍ ما، على إنسانٍ بعينه، حيث رأسه الكبير، وكِبر كرشِه، وصِغر قدميه، أفضى إلى افتراض وصالٍ ما بين هذا الإنسان والخنزير. أفترض أن ابن المقفّع قد تناول إحدى الأساطير التي تتحدث عن الخنازير؛ ففي ظل هدوء الغابة ظهر خنزيرٌ، تراه وديعًا، يجذب بقية الحيوانات، حيث لقي المودّة والاحترام، وقيل حينها إنّ تلك سجيته التي اعتادها، وهي الأقرب إلى طيبته المزعومة. وما إن سادت فوضى الغابة، واستفحل دور الذئاب، حتى انتزع الخنزير طيبته، وخلق من الوشاية عنوانًا، وأخذ يمسح أقدام الحواشي، ليصل إلى مراده المرتجى، في الحصول على وثيقةٍ تجمّله، وتجعله (فطحل) زمانه.
ومع مرور الوقت، كان الخنزير يتقمّص الأدوار، بعد الإشادة المستمرة بطغيان الذئب،
بل ذهب إلى الوشاية ببقية قطيع الخنازير، حتى هرب من هرب، أو انتحر، أو قُتل. وعلى وفق دورة الأزمنة، انتفضت الحيوانات على الذئب، وجرّدته من الوصاية، لتشكّل مجموعةٌ من القوى الغاضبة مجلسًا يحكم الغابة.
وعلى حين غرّة، ظهر الخنزير، كأنّه الثائر الهمام، منتزعًا انتهازيته، ليتحوّل إلى حملٍ وديع، يتردّد على قادة الغابة بالولاء والطاعة، لأجل أن يمنح لنفسه دورًا ثوريًا. وما إن تحقّق له ذلك، حتى أظهر القباحة تجاه من كان يجالسهم في ساعة سطوة الذئب، لكن سرعان ما انكشف سرّه، وحقده، ومرضه على الآخرين؛ إذ تبيّن أن طباع الخنازير عفنةُ الروائح، شيمتها الغدر، ونكران الجميل، وهي الأشدّ ضراوةً في تكسير القوانين وتدمير سلوكيات الوداعة.