اخر الاخبار

حين دلفت للمقهى كان الداخل ضاجا بالأصوات وقرقرة الأراجيل وقرع استكانات الشاي بالصحون ومختنقا بالدخان.جلست في ركني المعتاد الذي يشرف على المدخل وأشرت للنادل فأتاني مسرعا بالشاي وغاب لبعض الوقت، ثم عاد وهو يحمل لوحة تمثل شارعا من شوارع المدينة يعود لأيام زمان،بطول متر تقريبا وقام بتثبيتها على حائط المدخل، أعلى جهاز التلفزيون على النحو الذي يتاح لرواد المقهى مشاهدتها بوضوح.

   اعلن الحاج قبل ان يلقي نظرة خاطفة على أحجار الدومينو في يده:

 جاء صاحب الفكرة..

 دخل رجل بدا نعسا بيد انه احتسى بضع رشفات من شاي ثقيل واخرج رزمة ورق وقلما من جيب بالطو من الصنف الذي يباع في دكاكين البالات تهدل طويلا حتى ركبتيه وشرع يكتب ويمزق ويكتب فتطيح مروحة السقف بالأوراق.

 وقف النادل عند رأسه وأشار الى اللوحة.

   لم يقل الرجل المكدود شيئا إنما اكتفى بهز رأسه إنْ نعم. اندفع يكتب بلا هوادة الى ان نال منه الإرهاق فأراح رأسه على اقرب طاولة وأغفى.                 

 أشغلت نفسي بتأمل اللوحة التشكيلية التي اتخذت من طريق ساحل النهر موضوعا لها والذي تخترقه السيارات قادمة من أسد بابل تاركة جسر الساعة على يمينها وعمارة قلب المدينة على يسارها فساحة نقل الركاب فدار السينما المجاورة لمعرض السيارات الأمريكية والذي حيرني لسنين كلما تطلعت للداخل وأبصرت الشفرولية جاثمة في الداخل فأتساءل كيف يتسنى لها الدخول من باب المعرض وهو أضيق من سم الإبرة؟! ثمة مارة ماضون عكس اتجاه السيارات القادمة من جهة الشرق، وراكبو دراجات يصعب تمييزهم.

  عدسة الكاميرا جعلت فضاء الصورة اشد سطوعا وانغمارا بشمس الظهيرة لاسيما المسفوح منها على جدران مبنى البريد القديم وطابق الشناشيل الفوقاني وجدران العمارة الأقرب للكاميرا التي اقتنصت ذلك المشهد بعين ملتقط بارع بالتأكيد. الجانب الأيمن للوحة  الصورة بدا غير ملفت للنظر لأنه كان مشغولا بالساحل المتواري لنهر المدينة الحاضر الغائب وأغصان اليوكالبتوس التي عبرت الشارع لتصافح شرفات مكتب البريد القديم.

 جاء صديقنا المصور القديم واحتل مكانه المعتاد بالقرب مني فوجدت الفرصة سانحة كي اسأله عن ذلك الرجل فابلغني انه ابتاع منه يوما بعض الصور ليقوم فيما بعد، كما يبدو، بتحويلها الى لوحات تشكيلية زيتية او مائية.

وحين سألته فيما اذا كانت هنالك قيمة فنية لما ينتج، هز رأسه نافيا:

انه يتقن فن النقل وحسب..

أي..

أهدافه تجارية خالصة.. يتكسب من ورائها..

اذا فهو ليس فنانا تشكيليا..

انه كاتب من فئة المتوحدين..

يكتب قصصا؟

من هذه الشاكلة.. كاتب سير.. انه عاشق كبير للأمكنة..

هل قرأت له؟

منذ عهد بعيد.. انه مسكون بالشجر..

يبدو اقرب لعلماء النبات..او لعله مجنون..

كان العقل فيما مضى ترياقا..

أتممت ملاحظته:

أما اليوم فقد حل محله الجنون!