اخر الاخبار

هل يمكن لنا أن نستعيد قراءة رواية "انهم يقتلون الجياد أليس كذلك؟" للروائي هوراس ماكاوي، التي تحكي عن مأزق الأنسان في الأزمات الاقتصادية، وعن الاغراء بالموت الذي تصنعه " قوة الرعب الرأسمالية" لنستعيد معها جريمة الحرب التي تصنعها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في المنطقة، وفي بيروت بشكل خاص، حيث تحولت حربهما الملعونة الى حفل للقتل العمومي، وحرائق مجنونة طالت الانسان والكتاب، حتى بدت وكأنها ارهاب علني يقصد محو ذاكرة الثقافات ودور النشر ومراكز البحوث، عبر الغاء زمنها ثقافي، وحذف علاماتها التي جعلت من بيروت مدينة خالصة ل"الكتاب".

جريمة هذه الحرب ليست بعيدة عن سياسات الشركات الرأسمالية، ولا عن وزارات الدفاع، ولا عن الرعب المعمداني" حيث تحولت الى  حلقات مفتوحة للقتل الجماعي، مثلما اضحت جحيما لحرق الكتب الوثائق التي دوّن فيها الانسان سردياته وحكاياته ولحظاته الحميمة، وسيرة نضاله من اجل عالم خال من الكراهية والاستغلال والاستبداد..

حروب الامبريالية هي ذاتها "صالات الرقص المميت" في الرواية، فالذي يتحكم بعبثية الصواريخ، هو نفسه الذي يتحكم بالجسد المُنتهك، والمكان المنتهك، فهو يكره الحرية، ويجعل من سياسة حرق الجسد نظيرا لسياسة حرق المكتبات، بوصفها شهادات على الاستبداد الرأسمالي، وأحسب أن جريمة الكيان الصهيوني بحرق جنوب بيروت هي الشهادة الأكثر سطوعا على هذا القتل العلني، حيث تحولت حربه التدميرية الى جنون فاضح، اختلط فيه حرق العقل بحرق البيوت والبشر والكتب.

الحرق بهذه الطريقة الاحتفائية العبثية، يشبه الاحتفاء بمذابح "الهنود الحمر" ومذابح الفيتناميين" ومذابح الغزاويين"  حيث يتحول "القتل العلني" الى اشهار بالقوة الغاشمة، والى الاستهانة بالإنسان، وبقيم الجمال والمعرفة التي يصنعها، ومنها الكتاب الذي هو "ايقونة الانسان ذاته" فهذا القتل هو اكثر أنواع الموت بشاعة، لأنه يعني قطع الدم المعرفي عن الكون، وتحويل الجسد الى خرقة لا تصلح حتى لمسح الطاولات..

دمار المكتبات وحرق كتب في بيروت الجنوبية هو فضح لقبح هذه الحرب، وفضحا للآخر الامبريالي والصهيوني المهووس بحرق المدن، وحرق ذاكراتها، حيث تكون كراهية الكتاب تمثيلا وجوديا لكراهية الوعي، وكراهية النقد والحب والفنون.

تدمير مؤسسة " المركز الثقافي للكتاب" ومؤسسة "مؤمنون بلا حدود" و"مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي"  و"مكتبة فيلوسوفيا" ومكتبة " كتاب خانه" في حارة حريك البيروتية يكشف لنا نحن ابناء الكتب عن خطورة تلك الجريمة، وعن حمولتها الرمزية، فهي تقتل البنوة والأبوة، مثلما تقتل التاريخ، وتعمل على محو الذاكرة، بوصف الكتاب ذاكرة وسيرة وزمنا وتاريخا..

هذه الخسارات/ الحرائق لا تقل توحشا عن خسارة "الشهداء" الذين تطحهنم حرب "العقل الرمادي" وكأن هناك مجانين يحملون علب الكبريت والصواريخ، يتوهمون أن حرق المدن ستُعيدهم الى اسطورة الامبراطور "نيرون" حيث حرق الذاكرة والزمن والعمران، وحيث يتحول "الحرق الثقافي" الى عنوان للطغيان والاستبداد، وأدلجة قتل الآخر، والترويج لأوهام الوعي الزائف، والرهانات السود التي تربط العنف والحرق بالفاشيات التي يُراد اعادة انتاجها من خلال "الليبراليات الجديدة" ومركزيات الشركات العابرة للقارات، تلك التي لا تنفصل عن ذاكرة "المركزية الهيغلية" التي جعلت من الامبراطور عنوانا للقوة، ومن طرد الآخر وحذفه من التاريخ جزاء من فكرة "العقل النقي" ومن المثال الذي يمارس فرضية الانتقاء والتطهير والاقصاء..

حرق مكتبات بيروت هو حرق ذاكرة الشعر، وخرس صوت فيروز، وحذف سيرة الارز، وحرق بيانات الوعي والمعرفة، هذه جرائم اخلاقية وانسانية، مثلما هي فضائح تفضح الطغاة الجدد، الحالمين ب" بنهاية التاريخ" و "الانسان الأخير" الذي يتجسد في أنموذج الطاغية والقاتل والجنرال والرئيس الشعبوي والمعتوه الصهيوني..

ما تذكره الأرقام عن حرائق بيروت يفضح تلك الحروب الملعونة، حيث يكون حرق المكتبات هو حرق لزمن المدينة، ولفضح هوية العدو الذي يكره الشرق وذاكرته، مثلما يكره لياليه وسيرة شعرائه واصحاب حكاياته وقصصه ومقاماته، حتى بات الأمر وكأن "مغولا" جدد يحضرون، يستهدفون كل شيء، الآثار والمتاحف والمكتبات وقيم التراث، وعمران المنشآت الثقافية، وهو ما يقاطع مع  قيم المجتمع الدولي، واتفاقية لاهاي لعام 1954 التي تؤكد على حماية تلك المعالم الانسانية في وقت الحروب.