حتى يتحول الذكاء الاصطناعي الى مجالٍ ثقافي، فإن تغيير موجهاته ستكون تحديا كبيرا، وخروجا على ما يمكن تسميته ب"حميمية الكتابة" إذ سيجد الكاتب نفسه إزاء عالم تسكنه اشباح الخوارزميات، بعيدا عن حمى اللغة، وحسية الانوثة، وفرادة التلمس، وهي قضايا يمكن أن تُخرج الكاتب الثقافي من صالة الذات الى صالة المشاركة الاجبارية، حيث تزحمه أدوات الذكاء الاصطناعي من جانب، وتضغط عليه احكام اللغة الجديدة من جانب آخر، فلا يجد امامه سوى أن يكتب بـ "لغة آلية" تفرض شروطها عليه، وتضعه إزاء شريك قد يتدخل في صياغة الكتابة، وفي التلصص على اسرارها.
عالم الذكاء الاصطناعي يعني شطارة فائقة، وسرعة تتقاطع مع شهوة الكاتب الذي يحرص على أن يتأمل الورقة، أو شاشة الحاسوب، وكأنه يتأمل جسدا يتوهج، يتغنج، فلا يملك ازاءه سوى المراودة، والمشاكسة، والذهاب معه الى اقصى الطقوس، حيث الشطب والحذف والاعادة والتبييض، وهي طقوس فيها من سيمياء الجنس أكثر مما فيها من التدوين، فهل سيلغي الحارس الخوارزمي هذه التشهيات الساحرة؟ وهل سيعيد تصميم العلاقة ما بين الكاتب والجسد المحذوف؟
هذه الأسئلة تبدو فارقة، وستكون مثيرة حينما يجد الكاتب أنه في غابة، وأن فرادته لم تعد صالحة لحمايته، وصيانة مشروعه من النسيان، واعادته الى زمن القراءة، ولذائذ الذكاء العاقل، بعيدا عن صخب الاستهلاك، وعن هوس العالم الذي جعل الجميع اذكاء اصطناعيين، وكأنهم جنود سحرة، يتسللون من كوكب آخر.
ما اكتبه هنا ليس دفاعا عن هذا الكاتب المثقف، أقصد الكاتب الذي يمارس الكتابة عبر التخيّل، وعبر التشهي، وليس الكاتب الذي يشتغل في صالة الاخبار، أو غرفة التحرير، فهذا الكاتب لا علاقة له بالخوف من البعبع الخوارزمي، ولا من رقابته وشروره، وتدخله في صياغة الفكرة والمعنى والجملة.
ثمة من يدافع عن مركزية الذكاء الاصطناعي، وأنا شخصيا أدافع عن سردية الذكاء، الذي يخصني، ويجعلني أعيش مع الكتابة لعبة "الشطار والعيارين" كما في حكايات الليالي، أو مع المغامرين الذين يكتبون قصص الحب، أو القصص الرومانسية والبوليسية، أو حتى القصص الواقعية التي تتحدث عن النضال الاجتماعي، وعن سيرة البطل الشعبي، وهذا ما يجعلني ارتاب من "الشطارة المضادة" التي يمارسها "الذكي الاصطناعي" الذي لا هوية له، سوى أنه يزاحمني، ويجعلني أفقد الخصوصية، وادخل في متاهة البحث عن العلامات..
ما أواجهه الان وأنا اكتب، يُصيبني بدوار، ويشعرني بالخيبة، وربما بالكآبة، فذلك "الشاطر/ اللص" تجاوز الحدود، وفرض سلطته، وجعل من مكتبته الساحرة أكثر غموضا، وأكثر قدرة على التعاطي مع تلبية غرائز القارىء العجول، وربما تلبية استحقاقات زمننا السريع، في السياسة والعلم والحب والكراهية، فكيف لي أن اطمئن الى صداقته، وأن اصطنع حوارات عقلانية معه، وأن اتجنب التعرّض لعدوى فايروساته القاتلة؟
سؤال قد يبدو ساذجا، لكنه يلح عليّ كثيرا، فالعالم الذي تحكمه المؤسسات، بما فيها مؤسسة السلطة، صار بعيدا عن المثقف الذي يخصني" لأنه صار خاضعا لأوهام الشاطر الخوارزمي، وربما سيدعوه للتدخل معي للتفكير مع صنّاع القرار بتشكيل جيش وشرطة وحراس حدود ووزراء من أولئك الشطار الذين لا يطالبون برواتب تقاعدية، ولا يمارسون الفساد السياسي والتجاري والأخلاقي..
الأمر بدا وكأنه كوميديا سوداء، وأنا الكاتب الذي أنتمي الى سلالة الوراقين، لا املك سوى أن اعيد ترتيب علاقتي بالكتاب والجسد والمؤسسة والخطاب، وبهوية "المثقف الغائب" وربما بكل ما يمكن أن يجعلني أعيش فكرة التجاوز الثقافي، والعبور الى الزمن الخوارزمي من دون خسائر، ومن دون أن أفقد قدرة اصابعي على تلمس ارتجافات الجسد الذي دخل في مجال استعمالي معقد وصعب وخارج السيطرة..
علاقة الذكاء الاصطناعي بالثقافة من أكثر العلاقات التباسا، فهي تفترض بممارسة وظائف طاردة، أو اجبارية، فالحارس الخوارزمي، لا شأن له باحلامي، ولا بفحولتي، ولا حتى بقاموسي، وأن جلّ ما يريده هو مخادعتي بأفكار يقول إنه سرقها من بنوك المعلومات العالمية، وأن رفضها سيكون حماقة مني، فهذه المعلومات مجانية، وغير خاضعة للملكية الفكرية، ولا لرقابة الحكومة، وكلّ ما عليَّ فعله أن اضغط على الزر لتهبط، أو تخرج من دون رادع أو مانع، سوى رادعي القديم الذي ترك في رأسي كثيرا من الوصايا، وكثيرا من رماد المقموعات والممنوعات..