صدرت مؤخراً لإلهام قربوص مجموعة قصصية بعنوان "للفجر وجه آخر"* تحتوي عدة نصوص قصيرة، تركز الكاتبة فيها على تصوير المشاعر الإنسانية، وتبث خلالها أسئلتها حول معنى الوجود، وأثر الغياب، من خلال لغة بسيطة مسترسلة بعيدة عن الغموض والزخارف البلاغية، متكئة على تجاربها الحياتية وخبراتها العملية في رسم الحدث وتصويره بشيء كثير من الدقة والعمق.
قصص تسمع أنين الفقراء، وترى بؤسهم، ترسم الكاتبة تلك المشاهد بحرفية وتلقائية في الوقت ذاته، ترصد وتوثق تلك اللحظات ـ لحظات الضعف الإنساني ـ بأسى يبدو في لغتها بجملها القصيرة وإيحاءاتها.
يبدو واضحاً اهتمام الكاتبة بإرساء القيم المجتمعية، والتأكيد على أن المجتمعات السوية لا تقوم إلا على أعمدة تلك القيم كالصدق والعدل والتعاون والإيثار وغيرها من القيم التي تعلي معمار المجتمع وتمنعه من السقوط في براثن الضعف والوهن، يبدو هذا واضحاً في قصة "حلاوتهم" تلك الفتاة الفقيرة التي غرر بها الشاب الثري، ثم تنصل من فعلته، فجلبت العار لأسرتها، فلم يكن أمامها إلا أن تفضحه أمام البلدة كلها:
"تسلقت السور كمن يتسلق آخر جدار في الدنيا، راحت تضرب رأسها بالحائط، تصرخ وتبكي وتضحك في آن واحد، حتى تفجر الدم من جبينها كزهرة حمراء، نبتت على جدار من رخام، ثم سقطت"
وحينما يرضخ الشاب الثري ويتزوجها أمام الضابط خوفاً من الفضيحة "وبينما كان الحبر يسيل على الورق أسلمت حلاوتهم روحها"
تلك النهاية الفاجعة نتيجة طبيعية للقهر والظلم الذي مورس على الفتاة.
وفي قصة "ظل الحماية" يتجلى الحب سلاحاً يدافع به "يوسف" العاشق المعاق هش الجسد عن حبيبته "آمال" ضد البلطجي تاجر المخدرات الذي يتربص بها وينوي قتلها لأنها أبلغت عنه الشرطة، وكأن الكاتبة أرادت أن تقول لنا بطريق غير مباشرة أن قوة الحب أقوى من قوة الجسد.
وفي قصة "ميدان رمسيس" تعالج الكاتبة فكرة الظلم الذي يقع على الإنسان لمجرد الاشتباه به، وحتى حين تتكشف الحقيقة لا يعتذرون إلى المظلوم.. مجرد اعتذار يزيل مرارة الظلم من حلقه.
وفي "نافذة لا تغلق" نرى الطبيب الشاب الذي يتعلق بلعبة إلكترونية قاتلة، تجعله ينتحر في نهاية الأمر تاركاً لأسرته الألم والحسرة.
وفي "عتق الروح" نجد السلطة الذكورية متمثلة في الأب المتسلط على ابنته "درية" التي تعيش عمرها خانعة لتلك السطوة حتى في زواجها، ولا تستطيع التخلص من قبضة الأب إلا عند موته.
تلك النماذج المجتمعية التي رصدتها الكاتبة هي عصب المجتمع وأساس مكوناته، تضفي عليها الكاتبة خلاصة ملاحظاتها في الحياة، شأنها شأن أصحاب المبادئ الذين يدافعون عن قضية ما أو مبدأ يؤمنون به، تبثها إلهام قربوص عبر نصوصها على هيئة أفكار تصنع الحياة، ففي قصة "لم يعد للفجر وجه" تناقش الكاتبة تأثير البطالة على الشباب الذي يتجه اتجاهات خاطئة بحثاً عن المال، حيث يتجه الشاب إلى جماعة إرهابية تغتال رموز الفكر الذي لا يتوافق مع أفكارهم الخبيثة، وفي النهاية يقتل تاركاً لأمه الضعيفة الهم والحسرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
*اصدار: دار الرضا- القاهرة.