إن كل شعر هو الكينونة التي تدفع المعرفة إلى ما وراء الامتلاك، أي إلى ما وراء معطيات التجربة المباشرة، مما هو مكتسب من المعرفة التعددية، والشاعر هو الذي يخلق بوساطة فرضية صورة، فيرى من الواقع علاقة لم يرها أحد من قبل، عبر مسار هو مسار الاختراع الموسيقي والخيال العلمي في آن واحد، كما لو كان موهوبًا بحاسة إضافية مجهولة، وهذا ما كنت أحاول قوله أحيانًا، وأنا اتحدث عن رادار[كشاف] الشعر.
هنا ألاحظُ كيف أن أراغون، فيما يبتعد ببطء عن هيمنة " الأغراض-المسبّبات ذات الدلالة السياسية " ا (الحزب الشيوعي الفرنسي) ويُوقف في الليل سطوة الحب المرحة (إلزا)، يتمسك بمشروعٍ مزدوج: ليس فقط الكشفَ عن عمل الشاعر الأحادي، بل أيضًا تعريف الشعر - هذا الموضوع الجديد في كتابته الذي يظل في الوقت ذاته شكله الأدبي - كتركيبةٍ فريدة تَجمع بين الفن (الموسيقى) والعلم (الخيال الخلّاق). وهكذا يكون أراغون قد نظر في مسارات الفن والعلم والحب والسياسة، وهي ما أُسمّيها في منهجي الفكري "إجراءات الحقيقة الأربع "، التي تمثل بالنسبة لي الشروط الضرورية المطلقة لكل فلسفة.
من هذا "التلامس" العابر مع التجريد، يولدُ عند أراغون يقينان: الأول: أن لذةَ العازف اللفظي يقابلها وجعٌ وجوديٌ لا يُقاس، والثاني: أن الشعرَ يتسامى لأنه يحتوي الكونَ بأسره، فيتحرر من قيود المنطق الذي يحبسُ الرغبةَ في زنازين الموضوعات.
إن أراغون، وخاصة في المرحلة الأخيرة من أعماله، تعرّض مرارًا للنقد والتجريح باعتباره شكليًا، لأن لعبة الأشكال لديه - بعد حداثته الصاخبة في تجاربه السريالية - انتظمت وفقًا لإيقاعات البحر الإلكسندري [بيت شعر فرنسي مكون من اثني عشر مقطعًا لفظيًا. والمقطع يتكون من حرف متحرك يليه حرف ساكن (أحد حروف العلة)] والمقاطع والقوافي التي اعتُبرت قديمة أو ميتة. وكان الحكم الجاهز أن أراغون ليس مُبتكرًا، بل كان موهوبًا. لقد سمع هذا الحكم، وهذا ما يقوله في مجموعة "الشعراء" المعنون على نحو دال "خطاب المتكلم بصيغة المفرد"، وبأقصى قدر من السخرية، يأخذ شكل الاعترافات النقدية الذاتية التي كانت سائدة:
أعترف اليوم أعترف،
لكنني لا أطلب الصفح من أحد الصفح هكذا.
اعتبروني إن شئتم بهلوانًا في بهلوانية غريبة.
إذا كان لدي ما ألوم به نفسي فهو أنني لم أُليّن مفاصلي بما يكفي حتى تتمكن هذه العضلة شبه المنحرفة من العمل
أنني لم أؤمّن بشكل صحيح منصة القفز إنني اكتسبت القليل جدًا من تلك البراعة اللفظية التي يعتبرونها أحيانًا جريمة ضدي لعدم التأكد في كل مرة من النجاح الآلي ودقة الدورة من كمال الإيماءة من مرونة المقذوف والعودة إلى التوازن
بارعٌ، أجل.. لكنْ لم أبلغْ الكفايةَ أبدًا! ففي مملكةِ الشعرِ، يظلُّ الكمالُ صعب المنال: وجريمة اراغون - في نظره ــــــ ربما قد تكون مهارةً من الدرجةِ الثانيةَ، نصبًا لفظيًا، كذبةً تزيِّنُها الحقيقةُ ـــــــ كان قد أخفى ببراعةٍ فشله في بلوغِ مراده!
لقد تظاهرتُ غالبًا وغالبًا ما أخفيتُ الفشل تحت ستارٍ زائف. إن الترميم ليس دائمًا سهلاً بين الصورة والكلمة والصورة وأن المرء ليضيع فيها
وأن هذه الأساور الجلدية تخفي آلامًا لا تفهمونها.
هذا المقطع يفتح الباب أمام ثيمة أساسية ثانية في مرحلة أراغون الأخيرة، والمكرسة كلياً للشعر: يجب أن تُفهم الذاتية الشعرية الفاعلة على أنها ألم، بل تعذيب، وذلك بالتحديد لأنها معلقة بين البراعة الحقيقية والمظهر الزائف، بين التقاط جوهر الأشياء في الكلمات وبين البراعة الفارغة، بين سحر اللغة واستخدامها النفعي. ولهذا السبب، يحمل أحد الفصول عنوان "مأساة الشعراء". نرى فيه الشاعر غارقاً في نوع من استقلالية اللغة التي هو مسؤول عنها في الوقت ذاته، عاجزاً عن كبح هذه الاستقلالية، لدرجة أن كلمة "شعر" لم تعد قادرة على تسمية ما يُراد التعبير عنه. إن الشخصية التي تتحدث في هذا السياق (في المجموعة الكاملة "الشعراء" المصممة على شكل أوبرا أو أوراتوريو [عمل موسيقي درامي ضخم])، هي "الراوي"، وسرعان ما توصف، وفقاً لهذه المازوشية التصويرية التي يستخدمها أراغون بكثافة، على أنها "رجل عجوز في غرفة من غرف إسبانيا [...] حيث الأسقف المقسمة بالذهب الباهت مرتفعة [...] بينما تتعلق الخفافيش بالمظلات". ويقول هذا الراوي الذي هو أراغون المتخفّي شعرياً في هيئة رجل عجوز من إسبانيا القديمة:
وليس لي بعدُ سيطرةٌ على لغتي هذا السيل الجارف وما يحملهُ في تدفقهِ
لم يعد لي خيارٌ في ألا أنطق بهذه الأصوات المُثقلة بالنشوة كحباتِ عنبٍ أسود
لا أملكُ إلا أن أقولها وقد نطقتُها
بكل عنفوان البيانِ الذي يفوق القدرات البشرية الذي يقلبني ويدور بي ويطرحني أرضاً
بينما أنتم تفسرونها بكل ضعف بكلمة شعر البائسة هذه
التي تحملنا على أن نرى فيها كل الألوان
وبعد ذلك بقليل، وكأنه تعليق جانبي أو إرشاد مسرحي، يأتي هذا المقطع الرائع:
وغياب النار يُلمَسُ في انعدامِ البريق على الأثاث الثّقيل الأصمّ فما فائدة الكلام إذن وهذا تأنيب الظلمات المنمق لكن ما حيلتك
تستأنف الكلام تستأنف وكأن شيئاً لم يكن وكأن لا شيء في العالم سواها وانسياب كلامها ولا سبيل لإيقافها
إن الشاعرُ عندَ أراغون يظلُّ دائمًا مُهدَّدًا بوظيفتهِ الوسيطة تلكَ التي تحاولُ كلمةُ 'شعر' أن تُسمِّيها، بينَ عَجزِ الزخرفةِ اللفظيةِ وحقيقةِ أنَّ الكلام بمجرد أن يُلقى حتّى يستولِيَ على السُّلطةِ ولا يكفُّ عن ممارستِها.
أجرؤ هنا على مقارنة قد تبدو غريبة: رؤية الشاعر هذه الذي تخترقه اللغة ويعجز عن احتوائها بطريقة مرضية حقًا، تذكرنا بـصموئيل بيكيت، الذي يؤكد بدوره أن تدفق الكلام لا ينبع من الذات، بل ما يمر من خلاله بطريق يجعل إلحاحه - القريب جدًا مما قاله أراغون في 'مأساة الشعراء' - وهو: 'يجب أن أستمر (في الكتابة، في الكلام)، لا أستطيع أن أستمر، لكنني سأستمر.
هذا الشكل من أشكال العجز القسري، هذا الواجب الذي لا يفي بالغرض، هو ما سبق ووصفه أراغون بمعاناته في مقدمة كتاب "الشعراء". أراغون نفسه الذي يقول، في لحظة من الحذر في بداية القسم الكبير من المجموعة المسمى بروميثيوس:” لا، لا، لن أبدأ باستدعاء الوزن ذي الثماني مقاطع؛ الذي حدد بمهارة على صيغةِ الأَمْر: (انبذ رهابك من الأوزان أيها الشعر الفرنسي)، بل إن أراغون قدم إيقاعه المفضل على نحو واضح في المجموعة نفسها في المقدمة تكريماً للمعاناة التي تلحقها الكلمات بالشاعر:
ليس الدم وحده هو ما يُراق
وليس الغناء وحده هو ما يُفقد
سواء متنا في باريس أو في فارس
هو الحَيَّ الذي نأسى
وأغنيته تخترق قلب المغني
اراغون.. فنانُ إحياءِ الأشكالِ البائدة! انظروا إلى المدى الذي يمنحُه لوزنِه الثمانيِّ الأثير على نفسه! وانظروا إلى الطريق التي يستحوذ بها على البنية اللغوية لخدمةِ هذا الإيقاعِ "الرهاب"، عازما على التكافؤ بينَ باريسَ وفارس، مقابِلَ مهارةٍ بهلوانيةٍ في ثلاثيةِ القوافي: يُراق, فارس، تخترق.
إن الشعراء يُعبّرون، بكذبتهم الصادقة، عن الثمن الذي يدفعه الشاعرُ ليحمّل اللغةَ، دائمةَ الهروب، ثقلاً ذاتياً لا تعرف له حاجة.
مَنْ يغني يُعَذِّبُ نَفْسَهُ
مَا هَذِهِ الصَّرَخَاتُ فِي أَحْشَائِي؟ أَيُّ وَحْشٍ
أَقْتُلُ؟ أَوْ أَيَّةَ كَائِنَاتٍ
بِاسْمِ الخَيْرِ وَالشَّرِّ
لَا يَعْرِفُ الحَقِيقَةَ إِلَّا الصَّامِتُونَ
لَا أَدْرِي مَا الَّذِي يَسْتَبِدُّ بِي
وَيَحُثُّنِي عَلَى النُّطْقِ جَهْرًا
لَيْسَ طَلَبًا لِلرَّحْمَةِ أَوِ لعُون
وَلَا لِلاعْتِرَافِ بِالزَّلَّاتِ
بَلْ ذَاكَ الشَّيءُ الَّذِي يَسْكُنُنِي وَيستبدني
انها دعوة الى قوة الكلمات وضدها - كل إنسانٍ إلى دخول عرين الذات. حيث سيكون كل قادم، حسب الشعر، موضع ترحاب كالمسيح الأخوي للكلمة:
أشُقُّ بَطْنِي وَقَصِيدَتِي
اِدْخُلُوا فِي مَغَارَتِي وَمُتْحَفِي
هَذِا جُرْحِي وَالمِسْحُ المَقْدَسُ
هَذِهِ أُغْنِيَتِي الَّتِي أَكْتَشِفُهَا
اِدْخُلُوا مَعِي فِي أَعْمَاقِ ذَاتِي
ان الشاعر هنا يُخفي هذه المأساة الذاتية المسيحية، أو يصرف النظر عنها لبعض الوقت، بعيدًا عن وظيفته الحقيقية التي هي - إذا استعرنا تعبير لاكان - صراعُ التدوين الذاتي مع قوانين الدال. إنه يعرف أيضًا، كأراغون، أن يغنّي "من دون سبب"، أي عن كل شيء. إنه يعرف كيف يمتدح العالم برقة، وكيف يحتك به بلغة مرنة، لغة مُهَذَّبة، من دون عناء. إنه يعرف كيف يقود القصيدة نحو تهليل الليل للمدن. كما في هذا المقطع المُستَلّ من 'اضواء باريس'، حيث تُرصَّع تلك الاضواء- ببراعة - في وزننا الثماني المفضل الآن. فالقصيدة تُسحر، في وسطها، نزهة ليلية بين ضفاف النهر والأشجار، حيث يتسلل نوع من إيروتيكا الإضاءة:
اخْلَعْ عَنِ اللَّيْلِ قُفَّازَيْهِ الطَّوِيلَيْنِ السَّوْدَاوَيْنِ
وَضَعِ الحَجَرَ عَلَى ذَاكِرَتِكَ
وَاقْدُمْ بِقَدَمِكَ عَلَى بَيَاضِ العِظَامِ
أَعْرِضْ عَنْ هَذَا النَّوْمِ
ارْفَعْ مِصْبَاحَكَ عَالِيًا وَأَيْقِظْ
أَشْجَارَ الحِبْرِ وَطُيُورَهَا
في هذا التحول؛ يُعرّي باريس تحت تأثير أضوائها الذاتية، بعدما أمكن القول:
لم يعدْ هذا الليلُ سوى تعرٍّ بطيء
خرقةً سوداءَ أو قميصًا
يحلقُ فوق جسدٍ عارٍ
إن براءة القصيدة تحاكي غنائية الأضواء التي تكاد تكون عنيفة، وتقدم اعتذاراً للإنسانية وَعَمَّا يُمْكِنُهَا أَنْ تَبْقى قَادِرَةً عَلَيْهِ، كما لو أن أراغون الأول فِي لَيْلِ "اضواء باريس":
ضوء ساطع على الرجلِ والمرأةِ
على اللوفرِ ونوتردامِ
من كنيسة القلب الأقدس حتى البانتيونِ
ضوء ساطع يمتد من [ساحة] الكونكوردَ حتى [محطة مترو] تارنِ
ضوء ساطع على الكون الحديثِ
الضوء الساطع على أرواحنا بضوء النيونِ
يا أيها الضوء الساطع على اِسْوِداد الأحلامِ
يا أيها الضوء الساطع على أفانينِ الكذب
أَضِئْ صيفا دائما
وتوهج من شعلة إنسانيتنا
والتعُدْ أيادينا تحملُ في كلِّ مكانٍ
شمسَ الحقيقة
كان القديس بولس يسأل، باسم الدين: "أيها الموت، أين انتصارك؟" أما أراغون، باسم الشعر، فيسأل: "أيتها اللغة، أيتها الصورة، أين انتصاركما؟"
وعلى القصيدةِ أن تشهدَ، عابرةً خلالَ هواجسِ الشاعرِ، أنَّ هذا النصرَ - نعم - قد يكونُ موجودًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*رئيس تحرير مجلة "الثقافة الاجنبية".