اخر الاخبار

لعل العلاقة بين الصورة والذاكرة، تتأكد في كونها سجـّل يـُمنح لتاريخ الأشياء والظواهر ــ المنسية ــ حيويتها بعد أن عزلها العقل الفردي بسبب زحمة الحياة، وتراكم أحداثها، لكن العقل الجمعي وذاكرة أمكنة المدينة احتفظت بتفاصيلها. من هنا يكون دور الفن الفوتغرافي أو سواه من الأجناس فاعلا ً من خلال الاستعادة الممكنة لمثل هذه المفردات التي تعتمد أكثر ما تعتمد على الصفاء والشفافية الشعرية التي تتحلى فيها الذاكرة، بوصفها الوعاء أو السجـّل الذي من خلال صفحاته تتجسد الصورة، مستحضرة كل التفاصيل من خلال مجموعة المشاهد. وهنا لابد من القول أن هذه الاستعادة التي تبدو ساكنة من منطلق سكونية الصورة الظاهرة، تتوجب صيرورتها أن يتم البحث من خلال ما تضمره من تفاصيل في طبقاتها السفلى، لعل أهم ما يبرز على سطحها الزمان والمكان، ذلك لأنهما يشكـّلان الحواضن التي تحتوي كل الفعاليات والنشاطات وأشكال الظواهر والحالات الإنسانية على كامل فتوتها.

 من نظرة لـ ( ميرلو ــ بونتي ) لفن التصوير التي خص بها الرؤية والجسد ، كمحورين أساسيين في أنتاج الصورة ؛ يمكننا الدخول إلى  عالم الفوتو ،الذي امتزجت فيه المعرفة مع الحرفة ، فأنتجت رؤى صافية للواقع وفق مجرياته المتقدمة . وقبل الخوض في تجربة إنتاج الصورة، لابد من كشف الرؤى المتعددة لإنتاجها التي هي بمثابة الفن الموازي والمتعاشق مع فن التشكيل والفنون الأخرى كالسينما والمسرح والشعر والسرد. فالتدقيق بقول (فاليري) الذي أكد على الجسد وخاصة اليد، ونعني بها يد الفنان، ثم عينه الرائية، سوف يوصلنا إلى الإشارة الممكنة لتكثيف رؤية الإنسان لفن الصورة. فالمصوّر وهو يلتقط المشهد، إنما يتعامل مع شيء مادي محسوس، يمكن رؤيته بالعين، وليس روحاً هلامية. فثمة حركة أنتجت رؤية، وبهذا يكون الامتزاج بين هذين المتشكلين يعني الاستعانة بالجسد وملحقاته كالعين واليد. وهذه الاستعانة تعني أن الفنان إنما يهب جسده وهو يمارس فن التقاط صورة الواقع. فما يصل إليه المصوّر؛ أنه يقوم بتكييف حسه، بحيث ينتج الأشياء. ومن شأن هذا التفتح أن يتم التواصل من خلاله بين ما هو أمامه وما هو وراءه. إذ يتم فعله بموجب اليد والعين، حيث يكون ثمة تضافر مستمر قائم بين الرؤية والحركة. فأنا أرى ما أتحرك نحوه، وأتحرك نحو ما أراه.. (1) فالإدراك للعالم يبدأ بالرؤية ، فهي تسير من السطح إلى العمق من العالم . فالفنان يبدأ من المحسوس إلى المخفي .  والسؤال المهم في هذا : هل أن الفنان وهو ينوي ذلك ، يحاول عكس الواقع كما يراه ماثلاً أمامه  ..؟ هنا تكون الإجابة : ليس كما هو متصور هكذا ، فإذا كان كذلك فأنه يؤدي فعلاً ناقلاً  على العكس مما تعكسه المرآة لصورة الشخص . إنه يتعامل وفق منظور ما يرى خلف صورة الواقع ، فالمرآة تعكس الصورة وتغيّر الأبعاد والرؤى بما يُثير حواراً بين الذات المُصَورة والآخر الذي هو ضمن كادر المرآة . هذا الحوار يُسفر بطبيعة الحال عن ظاهرة كاشفة لخصوصيات الذات ، والذات التي أصبحت آخر بالنسبة إلى الرائي الذي هو الذات الأولى المُصَورة . من هذا نقف على ثلاث ذوات متحاورة . هكذا يعمل الفنان وهو يرصد صورة الواقع ، يرى ما لا يراه الآخر الذي يتحول أمام اللقطة إلى ذات تحاور جديدٍ مشتبك مع الدلالة ، ابتداء من سؤال : لماذا اختيرت هذه اللقطة دون سواها ..؟ بمعنى لابد من وجود سر ما يتوجب  كشفه . هذه الحوارية ما بعد الإنتاج هي التي تُشير إلى عمل الفنان الإبداعي وهو يمسك الكاميرا مراقباً صورة الواقع . فهو يمارس فعل إنشاء حراك شعري لاقتناص المشهد الحافل بسردية عالية تضاف إلى اللقطة من هذا المشهد أو ذاك .  فالذي يهم الفنان هو التقاط الواقع في اشد حراكه ونشاطه ، اضطرابه وهدوئه من أجل الوقوف على صورته ضمن جدلية صراع الوجود وعدمه . فالصورة ضمن هذا التصور تُساهم في صياغة الموقف . أي أنها وسيلة إبداعية تتعامل مع الجسد من باب كونه ذات عليا لها خصائصها وفعالياتها ، والآخر كونه ذات أخرى . هذه الرؤية تـُبلور النظرة إلى أن الصورة عاكسة وممارسة لفعل الإبداع من خلال الجسد بكل مرفقاته ، بينما الشعر يتعامل مع الروح . ولعل اقتراب الأجناس من بعضها ، يُعطي الدور للصورة على أن تنهل من رؤية الشعر من خلال اختيار زاوية اللقطة . فالفنان الفوتغرافي لم يعد ذلك المصوّرالذي يلتقط المشهد بشكل عشوائي ، وإنما غدا الفنان يستجيب للجوّاني من إحساسه . وبهذا فهو يستجيب للذات الشعرية التي تسكنه . فالصورة كما قال ( ميريولوبونتي ) يسكنها الفنان وتسكنه . وهذه إشارة إلى أن ثمة تعشيق بين الذات والمشهد الذي ينتج بوسيلة عدسة الكاميرا صورة تحاكي الواقع ، وتفترق عنه في الرؤية . والفنان بطبيعة الحال لا يتعامل مع الكاميرا على أنها وسيلة   للتقنية ، بقدر ما يؤسس نمطاً من العلاقة التي تعتبر أن الآلة هذه واعية ومساعدة في جمع الرؤى بين عين الفنان وعين الكاميرا ــ العدسة ــ . إن فن التصوير هو الفلسفة الحقة التي تتناول العالم بهذا الأسلوب . فالمصوّر  وحده هو الذي يُدرك العالم ويجعلنا نُدرك العالم معه . (2)  وهذا الإدراك متأتي من الحرية التي تتحلى بها الفنون من باب التكيّف للظواهر . فوظيفة الأدب مثلاً تكون في كونه يطرح وجهة النظر معتمداً على المحاكاة ومن هذا تزدهر في النص الحياة وتتكشف أسرارها الخفية . فالأدب وظيفياً يُساهم في كشف الحياة ومن ثم اقتراح صورة لترميم ما هُدم منها ، والعمل على تصعيد وتيرة بناء المعمار العام لها . بينما نجد الصورة تعتمد المنظور ، في كونها تتعامل بواسطة شيء للنظر إلى العالم وهو العدسة ، من هذا تتوقف الرؤية وتصعيدها على درجة حساسية العدسة التي تتجاوب مع حساسية عين المصوّر . فهي ــ أي الصورة ــ ناقلة لمشهد الحياة ، ولكن برؤية فاحصة وشعرية كما ذكرنا . فالأدب كان قد استعار عين الكاميرا لرصد الظواهر والأشياء ، وهذا ما تجسّد في القصة الشيئية على سبيل المثال . فالوصف التمثيلي للأشياء كان المراد منه الإشارة بالصورة البصرية  من خلال السرد البصري المكثف . (3) أو كما قال ( ستندال ) .. من أن الرواية تُمسك بمرآة أمام الطبيعة .. وهذا يدل على استعارة الأدب لحيثيات فن الكاميرا ، لا سيّما استخدام المرايا كدالة ومنظور يوصل إلى تبويب الرؤية والسير بها باتجاه بلورة ما هو مضمر في المشهد . على اعتبار الصورة تُعيد بناء الحياة شأنها شأن الفنون والآداب الأخرى ، خصوصاً ما أنهدم من جدار يفصل بين هذه الأجناس ، عبر الاستعارة من بعضها . فما زال الخيال هو الفيصل الذي يربط العين بالمشهد ، والذي يُحيل كل شيء إلى العقل ، إذاً فالصورة هي الأخرى كبقية الفنون تستعير الخيال ، بل تنصهر معه لبلورة الصورة الأمثل تعبيراً عن الواقع ، أو كما ذكرنا أنها ــ أي الصورة ــ لم تعد ناقلة للمشهد بل أنها تتضمن عمليات بناء وتركيب. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1 ـ العين والعقل / موريس ميرلوبونتي ـ ترجمة د. حبيب الشاروني ـ

منشأة بالإسكندرية .ص9

2 ـ نفسه ص25 المعارف

3 ـ عصر الصورة .. السلبيات والإيجابيات / د. شاكر عبد الحميد / عالم المعرفة العدد 311في 2005