منذ ثلاثة عقود، شهد أراغون تلاشي قوة الجاذبية ببطء، سواء في رغبته أو في قصائده، تجاه موضوعين رئيسين: أولًا الحزب الشيوعي الفرنسي، ثم لاحقًا إلزا نفسها. وفي خضمّ هذا التلاشي، الذي كان فيه، في كثير من الأحيان حزينًا ووحيدًا، ظهر إلى الواجهة شيء آخر، شيء تعامل معه أراغون بلا مواربة، بل كأنه أصبح موضوع رغبته الجديد: إنه الشعر نفسه، والذات الشاعرة التي كان عليها، أراغون.
وكان كل جهد أراغون، في هذه السنوات الصعبة، يهدف إلى ألا تتحول الخيبة أبدًا، في سياق القصيدة، إلى إنكار. وألا يكون عدم اليقين في الحاضر الجديد، سواء كان ذلك في السياسة أو الحب، ذريعة لخيانة الماضي.
بقي اراغون عضوًا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الفرنسي حتى وفاته. وهناك نص أساسي لفهم الفكر الحقيقي لهذا الشاعر-المناضل بين منتصف الخمسينيات ووفاته، وهو الخاتمة التي كتبها لديوان الشعراء، الذي نُشر في سبتمبر/أيلول 1960، عندما كان أراغون في الثالثة والستين من عمره. في هذا النص، نجد بلا شك تحررًا دقيقًا من تأثير الرغبة المرتبط بالحزب بوصفه موضوعًا مسببًا. لكن هذا التحرر ليس انتقاصًا أو نقدًا صريحًا. إنه يمر عبر قناعة موجهة للشباب، مفادها أن الفعل لا يجب أن يُصوّر نفسه في إطار النصر المطلق. في الأساس، يتبين إن الموضوع - الرغبة الذي كان يمثله الحزب الشيوعي الفرنسي ليس سوى هدف مشروع لمرحلة تاريخية معينة، وليس لتاريخ مطلق، ليحفز الورثة من الشباب، على التمسك بالموضوعات الجديدة التي ستقترحها عليهم المرحلة التاريخية القادمة ليشبعوا رغباتهم.
يجب أن نتأمل في الدقة والموهبة الشكلية التي صاغ بها أراغون خطابه الموجه إلى الشباب، حيث نجح في الجمع بين الوفاء والتخلي والوعد، أو بين النصر وحتمية البدء من جديد. ولتحقيق ذلك ابتكر إيقاعًا بطيئًا، وهو بيت شعري يتكون من عشرين تفعيلة تتأخر قافيته التي تحدد الإيقاع، بثلاثة أبيات وستين مقطعًا [المقطع: حرف صحيح يليه حرف ساكن، وهو ما يساوي التفعيلة]، كما هو الحال في أزمنة (الإيقاع) الجديدة. هذا الشعر المتباطئ إلى أقصى حد ينطوي على درس جوهري: إن نفاد الصبر هو الذي يؤدي إلى الإنكار. فالإيقاع يدوم طويلًا جدًا، وبطؤه يجب أن يكون جزءًا من القناعة التي تحرك الأفعال. لنقرأ:
وَيَأْتِي يَوْمٌ تَعلو فوقكم شمسُ النَّصْرِ شمس الجنون
تَذَكَّرُوا أَنَّنَا قَدْ عِشْنَا هَذَا، وَأَنَّ آخَرِينَ قَدْ صَعِدُوا
لِيَنْتَزِعُوا رَايَةَ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ أَكْرُوبُولِيسَ، وَأَنَّهُمْ قَدْ رُمُوا
فِي مَقْبَرَةِ التَّارِيخِ الْجَمَاعِيَّةِ هُمْ وَمَجْدُهُمْ يَلْهَثُونَ:
تَذَكَّرُوا أَنَّ الْقِتَالَ لَا يَنْقَضِي، وَأَنَّ النَّصْرَ لَيْسَ بِشَيْءٍ يُذْكَر
وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُعَادُ النَّظَرُ فِيهِ، مَادَامَ الْإِنْسَانُ عَنِ الْإِنْسَانِ مَسْؤُولًا
لَقَدْ رَأَيْنَا أُمُورًا عَظِيمَةً تُرتكب، وَلَكِنْ كَانَ هُنَاكَ مَا هُوَ أكثر أهوالا
فَلَيْسَ مِنْ سَهْلٍ دَائِمًا أَنْ نَعْرِفَ أَيْنَ الْخَيْرُ وَأَيْنَ الشَّر.
سَتَمُرُّونَ حَيْثُ مَرَرْنَا، اقرأ فيكم كما لو كنْتُمْ كِتَابا يشاء
أَسْمَعُ فيكم وجيب هذا القَلْب، كَقَلْبٍ فِيَّ كَانَ يوما بكم يهذي
سَتُبْلُونَهُ، أَدْرِي كَيْفَ، وَكَيْفَ فِيكُمْ هذا الشَّيْءُ يصمت ويَذْوِي
كَيْفَ الْخَرِيفُ يَتَلاشَى، وكيف يلف َالصَّمْتُ وَرْدَةِ الشِّتَاءِ.
من المدهش حقًا أن نرى كيف يوظف الشاعر شيخوخته بالذات، في الوقت الذي فيه يتخلى عما يجب التخلي عنه، من دون أن يتنكر لأي شيء. إنه يدرك أن هذه الحكمة – الصبر هو فضيلة الثائر الأساسية– لا يجب أن تُفهم على أنها رسالة إحباط، بل على العكس، فهي تفتح الباب أمام امتداد واعٍ لمجال العمل وزمانه:
لَسْتُ أَقُولُ هَذَا لِتَثْبِيطِ الْهِمَمِ، بَلْ لِنَنْظُرَ إِلَى الفناء
مُوَاجَهَة لِكَيْ نَعْرف كَيْفَ نَنْتَصِرُ، فَالنَّشِيدُ لا يفقد جَمَاله حِينَ يَخمد
يَجِبُ أَنْ نَعْرِفَ كيف نَسْمَعَهُ فِي مَكَانٍ آخَرَ يُبْعَثُ، كَالصَّدَى بين التِّلَالِ
لَسْنَا وَحْدَنَا فِي الْعَالَمِ نُغَنِّي، فالْمَأْسَاةُ هِيَ كل الْأَغَانِي.
إن القول: “لسنا وحدنا في العالم" يؤكد أن الصبر السياسي لا يتحول إلى انهزامية مارقة. وهذا ما يقودني إلى مصير موضوع الحب: في هذه الحكمة الأممية، التي تهدف إلى الحفاظ ذاتيًا على المستقبل، ماذا يبقى من قوة الحب؟ لا شك في أنه من الصواب في السياسة، ومن السمو الشعري، القول:" المأساة هِيَ كل الْأَغَانِي". أما العشاق، أليسوا هم أيضًا "وحيدون في العالم"؟ فإذا كان الزمن التاريخي يُقاس ببطء المواعظ، فماذا يبقى لإلزا، موضوعة الحب والسبب؟
في مجموعة "الشعراء"، نجد قسمًا كاملًا بعنوان "إلزا تدخل القصيدة" لكن هذا "الدخول" هو في جوهره مُنعطفٌ شعريٌّ بالغُ الدقة، لأن الشعر هنا يخوض – بوضوح مع إلزا، لكن في الخفاء ضدها أيضًا – نوعًا من المعركة اللغوية.
وإذا جاز التعبير بقفل بكلمة “إلزا"، تلك الدالّة السيدة التي تتحكم برغبة أراغون. في المقطع الافتتاحي، فإننا سنجد قصيدةً تُحيي دخول إلزا-الشمس التي يتوسد أمامها أراغون-الأسد، مُقدمًا نفسه كقربانٍ شعريٍّ لمُلهِمته. هنا نجد الذروة المُجسَّدة شعراً عبر سلسلة من أبيات على وزن البحر الإلكسندري المقفّاة، التي تُصوّر ما يعنيه قدوم المرأة من دلالة بوصفها حدثاً رومانسياً:
تعالي واجلسي أيتها الشمس وعند قدميك مستلق
ليث الغضب كان ينطلق من فمي
قد أسمع فقط هذا القلب المروض بداخلي
اجلسي إنه المساء وابتسمي إنه الصيف
يا موسيقى حياتي، يا عطري، يا امرأتي
خذيني إلى أعماق روحي
أدخلي قصيدتي، يا شغفي الوحيد
ولتكُنْ انَفَاسُكِ هي الأوَحد فيها
وهكذا تُختزل القصيدة في أنفاس الحبيبة، وتصبح هذه الحبيبة هي مقياس الشاعر نفسه ومالكها، في الماضي والحاضر على السواء:
كُلُّ مَا أَمْلِكُ، هُوَ لَكِ، وَأَنَا كُلِّي مِلْكُ يَدَيْكِ
ذَاكِرَتِي لَكِ وَحْدَكِ، أَنْتِ فِيهَا تتنزهين
أَنْتِ وَحْدَكِ من سيسلك دُرُوبِي الْمَطْمُوسَةَ
أَحْلَامِي وَغِزْلَانِي تَنْظُرُ إِلَيْكِ وَأَنْتِ تمرين.
وفي نهاية الفصل " تدخل إلزا القصيدة"، يُستخلص درس من هذا الاندماج، من هذا تداخل إلزا في الذات-أراغون، بتأكيد قاطع، يتجسد في مقطع نموذجي من "الأسلوب الأخير" لأراغون: خمسة أبيات من سبعة تفاعيل ("ولهذا يفضل الأحادي"، كما يقول فيرلين)، منظمة بالقافية بنمط أ-ب-أ-ب-أ، وكأنها بالفعل مقدمة للتلحين، للتعبير الخارجي عن الأغنية التي تحتويها:
الحب لمن به ثملُ
اينبغي لمن به يشعر بالخجلِ
كنت سأعيش وبي أملُ
وحياتي في الختام بالمجملِ
باسم الزا تتجملُ
في هذه الأبيات الخمسة، يغني أراغون وحيدًا من دون موسيقى، لنسمع بالفعل كل أولئك الذين تحدثت عنهم، وعلى رأسهم جان فيرا، الذين أنشدوا ديوان "الشعراء"، وحولوا أراغون إلى أول كاتب كلمات في الأغنية الفرنسية. وبذلك، حقق بطريقته الخاصة، من دون التخلي عن الدقة القصوى في البنى والأفكار والأشكال، شعار توجيه الفن نحو الجمهور.
وتأتي هذه الابيات مباشرة قبل الخاتمة التي تتناول الحياة السياسية وآمال التاريخ. فهل يُمكن القول إن حياة أراغون "تتلخص باسم إلزا".. وهل يجب أن نستنتج أن موضوع الحب قد انتصر في النهاية، في لاوعي أراغون الشعري، على موضوع – السبب السياسي؟ هذا يعني عدم رؤية أن كامل البنية العروضية في فصل "الزا تدخل القصيدة"، والذي يتمحور تحديدًا، ليس حول إلزا، حارسة مداخل ومخارج النص، بل حول العمل الشعري نفسه. إذ نشهد ولادة صعبة لأبيات رباعية، في عمل شاق ووحيد – - بينما توشك إلزا على الاستغراق في النوم – الذي تفرضه عجينة اللغة المكثفة. وتكتسب هذه الولادة دلالة أكبر لأن الرباعية، كانت نتيجة تركيز ذاتي وإبداعي شاق، مكرسة في الواقع للشعر، ولقوة الكلمات، وللكلمات، وحدها.
ان نثرية الكتابة وشعرية النتيجة في هذا النص تقف عند النقطة التي يكتفي فيها الشاعر بالمقطعين الأولين من البيتين الأولين_ من بحر الاسكندري- اللذين يؤكدان ان الشاعر، هو بالفعل سيد الواقع بفضل الكلمات:
لقد شطبتُ بالكلمات على الواقعِ
العالمُ لوحٌ أردوازيٌّ والكلماتُ فيه أرقامُ
يتابع أراغون في مناورته المبدعة المستمرة، حيث تختفي فيها الفواصل والنقاط:
العالمُ لَوْحٌ أَرْدَوَازِيٌّ وَالْكَلِمَاتُ فِيهِ أَرْقَامُ
أمْحُو وأُعِيدُ الْكِتَابَةَ"
كلا، اللوح الأردوازي يبقى عليه دائمًا قليلًا من الشيء الممحو. والأمر نفسه ينطبق على الأبيات، هناك شيء من الكلمات الممحوة يبقى في خلفية تلك التي أحتفظ بها أخيرًا، أختارها. أشطب، أمحو، أعيد الكتابة. أعيد الكتابة."
مهما حاولت محوها تترك ظلها
فاستوقفتني هذه. لأنني لم أكن أتوقع أن تأتي القافية لتستقر في هذا البيت. لم أفكر في القافية، بل في هذا الظل الذي تسلل مع المعنى وليس الصوت أنا الذي كنت أظن إن ذلك يلقي في نفسي شكًا ظلًا على آلية ما أفكر فيه فأصحح.
مهما حاولتُ مَحْوَهَا تَتْرُكُ ظِلَّهَا
أَبْيَضَ كَالنَّدَمِ
كلاَ
أَبْيَضَ كالحَصَاة
لا يوجد شبحٌ أبيض. كلا بما أن هناك ظِلَّهُا، وفجأةً يتشكلُ البيتُ على وقع البيت الأول، على القافية البسيطة التي هربت يفتح الخفاش منقاره ويعمل الرادار [الكاشف]
شاحبٌ كموتٍ قبلَ أنْ يكونَ
تبدو لي الرباعية كشيء بديهي فأعيد قراءتها بارتياح.
شطبتُ بالكلماتِ على الواقعِ
العالمُ لوحٌ أردوازيٌّ والكلماتُ فيه أرقامُ
مهما حاولتُ محوَها تتركُ ظِلَّها
شاحبًا كموتٍ قبلَ الأوان.
يتبع أراغون هذه "الاكتفاء" بحكاية مفادها أن إلزا كتبت على قصاصة ورق "ونظرتُ في المرآة فرأيتُ الموت شاحبًا". فيعلق: "إلزا يا حبيبتي، هناك ما يدعو للمرح". هذا الإقحام المحسوب لإلزا؛ لا يمكن أن يمحو استقلالية "الاكتفاء" الشعري، عندما نعلم أنه بعد وصول إلزا في الصباح، يبدأ العمل على الرباعية على وجه التحديد كصراع ضد النوم الذي تستسلم له إلزا. ذلك النوم البغيض، الذي يسميه الشاعر "النوم الذي يسرقك مني".
ويضيف: "سأخبرك كيف تتشكل القصيدة، آملًا ربما في منافسة الليل". نحن بعيدون كل البعد عن مرح العشاق المتواطئين، في التأمل الذي يلي ذلك مباشرة والذي في الواقع لا يحمل أي طابع ليلي، بل هو مثال نادر لأراغون التصوري، المُتَكَثِّف، والجدي إلى أقصى حد.