ما يطرحه سلافوي جيجك من افكار وتنظيرات تثير شكوكا حول علاقة المفاهيم بأطر الفلسفة، وبالسياق الذي تتحرك فيه، إذ يتجاوز الفلسفي والثقافي ليضع رهاناته على اساس أن العالم هكذا محكوم بالاساطير، وأن الارض واللغة والهوية ليسا بعيدين عن تلك الاساطير.
يبدو جيجك في هذا التوصيف وكأنه المثقف اللامطمئن، فهو المسائل والشكّاك والساخر والمناور والمخادع احيانا، فحين يتحدث عن القضية الفلسطينية مثلا يتغاضى عن الحقائق التاريخية والوجودية ويذهب الى الاساطير، ليس عبر قناع الانثربولوجي، بل عبر قناع اليساري الخارج من المعطف الرمادي للشيوعي القديم، فيتحدث عن السلام والمفاوضات باسترخاء، دون أن يستدرك أن الثنائية الملتبسة بين القاتل والمقتول أو بين "المُستعمِر والمُستعمَر" لا علاقة لها بالاخلاق والثقافة، قدر علاقتها بالحقوق والحقائق والمسؤوليات، وعن علاقتها بـ "اسرائيل" كجهاز ايديولوجي يقوم على سياسة الفصل العنصري، وعلى التلغيم الاسطوري.
حديث جيجك عن الأصوليات المتصارعة يعكس اشكالية موقفه "اليساري" الذي يجعل من الايديولوجي اكثر تعمية في التعبير عن الانساني والتاريخي، فرغم أن الصراع المفتوح في الاراضي المحتلة ليس بعيدا عن تلك الأصوليات، الا أن توظيف سردياتها هو الذي بات أكثر تمثيلا للأوهام الاسطورية، وللمخيال المؤسسي الذي يسوّق خطابه على اساس الاصوليات، وليس على اساس وجود الاحتلال الاسود للأرض.
اعتماد جيجك على افكار عالمِ التحليل النفسي جاك لاكان يعكس طبيعة تشكل خطابه الثقافي، وعلاقة هذا الخطاب بأزمة الذات وقلقها، وبأزمة العقل الأوربي في مرحلة الرأسمالية المتقدمة، تلك التي جعلت من سياساتها الاقتصادية والثقافية أكثر تطرفا، واكثر تمثيلا للاغتراب الوجودي، وغلو نظرتها لمفاهيم الصراع الذي يخص الهوية والفكر والجنس والعصاب، فضلا عمّا يخص ازمات معاصرة تخص الهجنة والهجرة واللجوء، حتى وجدت المركزية الغربية نفسها امام تحديات كبرى، واوهام كبرى، وأن ازمة الانسان فيها خرجت عن تمثلها الهوياتية والجنسية، لتبدو ازمة وجودية، تتبدى عبرها ازمات ادارة السياسة والاقتصاد، فضلا عن ازمة العلاقة مع الآخر، الذي سماه لاكان ب"الآخر الكبير"
علاقة جيجك بعيادة لاكان ذات طابع مفاهيمي، لا سيما ما يتعلق بالجانب الرمزي، إذ وجد لاكان في الرموز مجالا مهما لتطبيق اجراءاته في التحليل النفسي، من خلال اللغة والعلامة، إذ يستعملها في سياق التعرّف على تشكل الرموز، ومظاهر السيطرة والهوية، وهذا ما وجد فيه جيجك مشغلا ثقافياً واسع الطيف، لتوظيف "الطريقة اللاكانية" في التحليل الثقافي، وفي الكشف عن ازمة الشخصية العصابية، وقراءة تمثلاتها في الاعمال الادبية وفي السينما، فضلا عن الايديولوجيا.
جيجك اللاكاني ليس بعيدا عن جيجك الماركسي، وحتى الهيغلي، فهو يدرك اهمية أن يكون التحليل جزءا من الجدل والحوار، ومن الفضاء الثقافي "العمومي" الذي وجد فيه هابرماس مجالا لتوسيع اشتغالات منظومته التواصلية، فأزمة الانسان الغربي تحمل معها ازمة "القياس الارسطي" حول النوع والذات المتعالية، وحول المكان المحصّن بأسوار المتخيل الاثيني، لذا باتت اكثر رعبا ازاء الحاضر، حيث الهجنة واللجوء والخرق، وحيث أزمات القوة التي اخذت بالتضخم، وبإتجاه الوقوع في أزمات وصراعات موازية تخص الدين والمكان والاقتصاد والمركزية، السياسية والنفسية والثقافية، لكن الأخطر في هذه الازمات هي الايديولوجيا، بوصفها المسؤولة عن صناعة الزيف والأوهام والتناقضات، فضلا عن رؤيتها الاشكالية بأنها " تعمل من خلال اللغة والرموز التي يحددها لاكان، وأن الذات تتشكل عبر هذه البنية الرمزية، مما يجعلها قادرة على إنتاج الرغبة والخضوع ومشاركة الافراد فيها لا شعوريا"
مفهوم "الأخ الكبير" من وجهة نظر لاكان لا يعيدنا الى فكرة جورج اورويل عن "الاخ الأكبر" الدوغمائي بتمثيله الجدانوفي، بل إنه يضعها في سياق مخفف، لكنه قاسٍ، فبقدر ما يكون هذا "الأخ" جامعا ل" المؤسسات الاجتماعية، القانون، اللغة" فإنه يجد فيه انموذجه "الاميركي البشع" أو الانموذج الرمزي للنظام الرأسمالي وللضبط الاجتماعي، وللسيطرة على تناقضات الشخصية والمجتمع.
تغوّل هذا "الأخ" مع تغول الرأسمالية المتأخرة، فبدا أكثر اغترابا، وتمثيلا "للجوهر الفائق" كما سماه لاكان، هو كناية للرمز الفائق، والقوة الفائقة، وللقمع والخضوع، والذي جرت مقاربته في تمثلات التحليل عبر سلسلة من الاجراءات، والمكاشفات، التي تخص النظر في مفاهيم الهوية والمركزية، والعلاقة مع الآخر المختلف.