يمثّل اتجاه "التاريخ من أسفل" أحد أهم التحولات المنهجية في دراسة الماضي، لأنه يحرّر عملية كتابة التاريخ من احتكار الوثيقة الرسمية، ويوسّع مفهوم المصدر ليشمل كل ما تركه الإنسان من أثر، سواء كان كلمةً أو صورةً أو فعلاً اجتماعياً أو شكلاً فنياً. ان الوثيقة البديلة التي تُعدّ جوهر هذا الاتجاه، لا تُعنى بتسجيل قرارات الدولة أو وقائع المراسلات الحكومية، بل تسعى إلى التقاط الوعي الشعبي وتمثيلاته، والبحث عن الصوت الذي ظلّ مهمشاً في السرديات الكبرى. ومن بين أبرز هذه الوثائق البديلة تأتي الأعمال الفنية البصرية، خاصة النحت والرسم، بما تحمله من رموز وقدرة على تدوين الحالة الجماعية في لحظة تاريخية معينة. فالفن ليس زينة زمنه، بل سجلّ بصري ينقل ما لا تستطيع الوثيقة الرسمية الإمساك به، ويحفظ ما يشعر به الناس وما يحلمون به وما يخافون منه. وفي العراق، شكّلت التحولات التي أعقبت ثورة 14 تموز 1958 فضاءً خصباً لهذا النوع من التوثيق البصري، ولا سيما عبر عملين مركزيين أصبحا من أهم مصادر فهم تلك اللحظة: نصب الحرية لجواد سليم في ساحة الحرية، وجدارية فائق حسن في ساحة الطيران. هذان العملان لا يقرآن بوصفهما منجزين فنيين حسب، بل بوصفهما وثيقتين تاريخيتين مكثفتين، تسجلان حركة المجتمع، وتوجّهات النخبة الفنية، ورؤية الشعب لذاته في زمن التحوّل.
لقد أدرك جواد سليم، وهو يصمّم نصب الحرية في قلب بغداد، أنّ الثورة ليست مجرد حدث سياسي، بل هي انبعاث اجتماعي طويل الجذور، وأن توثيقها لا يمكن أن يعتمد على بيانٍ أو مرسومٍ حكومي، بل يحتاج إلى لغة رمزية تستعيد مسار الظلم ومخاض التحرّر ودور الجماعة في صناعة التغيير. لذلك جاءت الجدارية النحتية مؤلّفة من اربعة عشر عنصراً برونزياً -تمثل ثورة 14 تموز- تتحرك من اليمين إلى اليسار، في سرد بصري يبدأ بحصانٍ يرمز للأصالة والقوة بعد إسقاط الفارس الملكي، ورجال الثورة يحملون لافتاتهم في انتفاضة شاملة. الطفل يمثل المستقبل، والمرأة الباكية تعكس الحزن والتضحية، والسجين والجندي يرمزان للصمود والتحرر والحرية والسلام، ونهر دجلة والفرات والزراعة والثور والصناعة تختتم لوحة النصب، مجسدة جهود العراقيين لبناء وطن جديد. هذا الترتيب ليس زخرفة فنية، بل تاريخٌ مشروح بصمت البرونز. فالمرأة الباكية ليست تفصيلًا عاطفياً، بل تأريخ لمعاناة اجتماعية، والمتظاهرون ليسوا تجميلاً شكلياً، بل إعادة لتثبيت الدور الشعبي في الثورة بعيداً عن السردية الرسمية التي حصرت الفعل في الجيش وحده. إن نصب الحرية يُظهر الثورة بوصفها حركة مجتمع قبل أن تكون حركة ضباط، ويعيد كتابة الحدث من منظور الناس الذين دفعوا أثمانه، والذين ظلّوا مستبعدين في الوثيقة السياسية التقليدية. كما أنّ استدعاء جواد سليم للتراث الرافديني في صياغة الوجوه والأجساد يحمل بعداً تاريخياً يربط الثورة بعمق حضاري، فيبدو التحرر امتداداً لذلك الإرث الطويل في مقاومة الظلم، لا مجرد انقلاب سياسي طارئ.
وفي سياق متصل، جاءت جدارية فائق حسن في ساحة الطيران لتقدّم جانباً آخر من الوثيقة البصرية، فاختار الفنان أن يملأ الجدارية بأشخاص في حركة مستمرة: تجسد الأمل والتحرر وبداية عهد جديد. في مركزها امرأة شابة ترفع يديها مطلقة حمامتين بيضاوين رمزاً للحرية والبهجة، محاطة بفلاح وعامل وجندي يمثلون شرائح المجتمع العراقي المشاركة في الثورة والتغيير. أسفل الجدارية يظهر قفص مفتوح يشير إلى التحرر من القيود، بينما تبرز الألوان القوية والمتناغمة الحيوية والفرح في التكوين. الجدارية ليست مجرد عمل فني، بل رمز للاحتفاء بالقيم الوطنية والتحرر. إن ازدحام الجدارية بالأجساد والحركة ليس اعتباطياً، بل هو رؤية فنية تعكس اعتقاد النخبة الثقافية بأن الثورة ليست نهاية الطريق، بل بدايته، وأنّ الإنسان هو محور البناء الحقيقي. فالجدارية هنا ليست تصويراً لأشخاص، بل توثيق لفكرة: أن العراق بعد ثورة 1958 كان يرى مستقبله في العمل والنهضة، وأن المجتمع تحرك آنذاك بطاقة جماعية فسّرها الفن بطريقته الخاصة.
واللافت أنّ جدارية فائق حسن تجمع بين موقفين تاريخيين متداخلين: موقف الشعب الذي يعيش لحظة إعادة البناء، وموقف الفنان المثقف الذي يريد تأكيد أهمية الإنسان في مشروع الدولة الحديثة. ولأن الجدارية خالية من الرموز السياسية المباشرة، فإنها تصبح وثيقة عن الحياة اليومية، عن حركة الشارع، عن صورة المجتمع التي غالباً ما يغفلها المؤرخ حين ينشغل بالانقلابات والصراعات. وهنا تتجلّى قوة الوثيقة البصرية في توسيع مجال الرؤية، لأنها تضع الحدث السياسي ضمن سياقه الاجتماعي، وتبرز ما يحدث في الأطراف وفي قلب الحياة المدنية. كما تكشف القراءة التاريخية لهذه الأعمال أنّ الفن قادر على تسجيل ما لا تلتقطه الوثيقة الرسمية: الشعور الجمعي، الخوف، الأمل، وتوتر الانتظار. فالسلطة تكتب الحدث، لكن الفنان يكتب روحه. وفي اللحظة التي تتجمد فيها الحقائق السياسية، تبقى الحقائق الرمزية مرنة وقابلة لإعادة التفسير. لهذا يُعدّ النحت والرسم من أقوى الوسائط في حفظ الذاكرة، لأنهما يقدّمان التاريخ ليس بوصفه سلسلة وقائع، بل بوصفه تجربة إنسانية شاملة. وهنا تتقاطع وظيفة الفن مع وظيفة المؤرخ الذي يقرأ الوثيقة البديلة بحثاً عن معنى لا عن معلومة فقط، وعن روح العصر لا عن تفاصيله الإجرائية.
وفي هذه المقاربة، يمكن القول إن نصب الحرية وجدارية ساحة الطيران يشكّلان أحد المصادر لفهم العراق في سنوات ما بعد 1958، لأنهما يقدّمان التاريخ كما عاشه الناس، لا كما كتبته الدولة. فالأول يسجل ثورةً لا تزال آثارها حاضرة في الذاكرة، والثاني يسجل حلم النهضة المدنية قبل أن تُربكها التحولات السياسية. وبين هذين العملين تتشكل رواية بصرية كاملة تعيد الاعتبار للإنسان في قلب الحدث. وهكذا يصبح الفن، عن طريق هذين النموذجين العراقيين، من أهم أدوات "التاريخ من أسفل" في قراءة زمن الثورة والبناء، لأنه يعيد صياغة علاقة الإنسان بالحدث، ويحوّل العمل الفني إلى أرشيف حيّ يتجاوز حدود اللحظة، ويستمر في إنتاج المعنى جيلاً بعد جيل. وإذا كان المؤرخ يقرأ الأوراق بحثاً عن الوقائع، فإنه في مثل هذه الأعمال يقرأ ما هو أثمن: ملامح الناس، وأياديهم التي ترفع الراية وخطواتهم التي تشي بحلم المدينة، ووجوههم التي تنظر إلى المستقبل كما لو أنها تراه. وبذلك يتحول الفن إلى ذاكرة الجماعة وديوان تاريخها، وإلى وثيقة بديلة لا تُكمل السجل الرسمي حسب، بل تصحّحه وتعارضه أحياناً، وتضيء مسارب جديدة لفهم ما حدث وكيف فُهم وكيف بقي في الوعي العام.