اخر الاخبار

لكل شيء في الوجود لحظة ميلاد، وكل شيء في الوجود عندما يولد أسباب نموه وتطوره، وكل شيء نام في الوجود له علاقاته السلبية، والايجابية. إذن كل شيء له لحظة مسجلة في التاريخ يتشكل بارتباطاته مع آخرين لهم لحظات مسجلة أيضا بزمن محدد ومكان محدد، فيكون عند ذلك الشيء وغيره محسوبا على ذلك التاريخ المسجل فيه، فلا يمكن الفصل بينهما. فعندما نذكر ذلك الشيء يتبادر الى الذهن الشيء الآخر الذي سجل بنقطة بداية واحدة مع هذا الشيء.

ولو نظر أي شخص من خارج نقطة التسجيل المحددة  الى هذه الأشياء، الشيء، والآخر، فإنه لا يملك الحق في محاسبة أو قراءة هذا الشيء لأن زمنه يختلف عن زمن الشيء والآخر، وكل شيء مرتبط بزمنه وكذلك بمكانه.

إذن هذا الشيء له وجود حقيقي وواقعي أي أنه قد وجد فعلا وجودا تاريخيا وقد تحدد بالزمان، والمكان، ومعنى ذلك انه ليس مجرد وجود افتراضي أو وجود أسطوري ولا حتى وجود خرافي.

والتاريخية طبقت على الإنسان أما غيره، مثل الطبيعة، فلا وجود لها لأن لا تاريخ لها، وتاريخية الإنسان تعني انه يتقدم في الزمن حتى لو كان في مكان واحد لهذا فهو يعي وجوده التاريخي، ووحده الذي يعي ذلك ومعنى ذلك ان كل ما في الماضي هو لا يعني الذين أتوا بعده، ولا قيمة له في الحاضر، ولا في المستقبل.

لهذا فان أي نص مضى على كتابته فترة زمنية هو نص ماضوي، ولا يمكن اتخاذه نصا نؤكد فاعليته فينا. انه ارتبط بالظروف التاريخية التي دعت لكتابته، إذن هو كنص معرفي نسبي المعرفة.

فعند النظر لمسألة الوجود الحقيقي، والواقعي،  يتبادر الى الأذهان مصطلح "تاريخية النص القرآني" الذي يبرز في وقتنا المعاصر عند بعض المفكرين العرب مثل محمد عابد الجابري، و نصر حامد أبو زيد، وغيرهما، عند الحديث عن نزول سور وآيات القرآن، فهم ينظرون الى الآيات نظرة ذات بعد تاريخي فيما بعض المسلمين، وخاصة السلفيين، يكفرون هؤلاء، وغيرهم الذين يستخدمون مصطلح آخر غير بعيد عن مصطلح "تاريخية النص القرآن"، وهو مصطلح "أسباب النزول" الذي أراه غير بعيد عن مصطلح التاريخية بل هو يماثله في الهدف، والغاية. أقول هذا، وعيني على الموروث السردي العربي الذي ورثناه من الأجداد، وكيفية النظر اليه، وهل ننظر اليه من خلال مصطلح تاريخية النص الأدبي، أم ننظر له على انه مستمر فيما يطرحه من أمور، وما زال تأثيرها علينا باقيا كما كتب أوّل مرة؟

عند دراسة روايات الموروث السردي العربي مثل: ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، وحي بن يقظان، ومقامات الحريري، ورسالة الغفران، ورسالة التوابع والزوابع، يتبين ان ما قيل فيها هو كيل اللوم لزمنه الذي كتبت فيه، بمعنى انها ضمن دائرة مصطلح "تاريخية النص الأدبي"، ولا يمكن استمرار التأثر بما طرح في متن كل رواية.

ومثال على ذلك نحن أبناء هذا العصر والذين سبقونا والذين جاؤوا بعد زمن كتابة ذلك الموروث السردي، غير معنيين بما طرح في هذا الموروث  من أفكار وتصورات، وما يطرحه مخيال هذا  الكاتب لأننا جميعا لسنا معنيين بها.

صحيح ان الخيانة الزوجية الى الآن قائمة، ومنتشرة بين النساء، وليست خاصة بفترة حكي قصة شهريار، وزوجته التي تخونه، إلا ان الحل ليس هو الحل الأمثل الذي قدمته شهرزاد بإيقاف قتل بنات جنسها، وفي الوقت نفسه ليس الحل هو ما أقدم عليه شهريار من قتل للنساء بعد ليلة "الدخلة" بهن، الحل متروك لابناء عصرنا والعصور الأخرى التي جاءت بعد رواية "ألف ليلة وليلة".

اما التجارب الحسية والتفكر العقلي الذي قام به "حي بن يقظان" لتشريح الانسان، ومعرفة الأداة التي تعطي القدرة للكائن الحي على الحياة، وكذلك أسباب الموت، فإن كل ذلك غير معني به أبناء القرون التي أتت بعد زمن كتابة هذه الرواية، وكذلك أبناء عصرنا، فقد تطورت الآليات التكنولوجية التي تتوصل الى أفضل ما توصل به "حي".

وكذلك روايات الموروث السردي العربي وما فيها من أفكار وفعاليات وممارسات وسلوك وأخلاق.

إذن فمصطلح "تاريخية النص الأدبي" يجد قبولا مرضيا عند النظر الى ذلك الموروث. كما إن نتاجات الفترة الزمنية الحالية، بكل تجلياتها، غير مسؤول عنها أبناء العصور القادمة وانما الأدباء والقراء والمتعة التي تأتي هي متعة الكتابة والاطلاع.