الكاتب والقارىء ثنائية حميمة، يرهنان وجودهما بتبادل المنافع الثقافية، وبالتسلل الى عالم الآخر، حيث تتحول الكتابة الى تشفير والى خطاب، والقراءة الى مفتاح السحري يمكنه تفكيك ما يخفيه الكاتب من اساطير واسرار..

هذا ما يجعل حساسية القارىء ليست بعيدة عمّا يقترحه، أو يتخيله الكاتب، فللقراءة سحر لا يقل عن سحر الكتابة، وأن المكوث في المكتبة، أو النوم بين أصابع الكتّاب يُثير غواية الفضول، التي لا تختلف كثيرا عن غواية الجلوس الى الطاولة، حيث الورق أو الكيبورت، أو رائحة الكلمات، فالكلُّ يمارس الاباحة بالتشهي، واستثارة ما لا يمكن تعطيل اسئلته وتمرده، حتى تبدو القراءة وكأنها العتبة التي تمنح الكاتب سلطته في إعادة تدوين سيرة العالم.

ما قاله بورخس عن حارق مكتبة الإسكندرية يُعيدنا الى ثنائية القراءة والكتابة، فبقدر ما أنه اهدى له قصيدته، فإنه كان حريصا على أن يجعله قريبا من الفكرة الفلسفية التي اثارها نيتشه حول "العود الأبدي" حيث يستعيد الكاتب وظيفته الخارقة، وهوسه بإعادة تأهيل العالم "المحروق" من خلال الكتابة، بوصفها نوعا من الصيانة المتعالية، أو ممارسة في التدريب على حماية الذاكرة، أو أنسنة العلاقة مع  "اشباح الكتب" أو ملائكتها داخل فردوس المكتبة، حيث يمارس القارىء شغفه بلذائذ  النظر للعالم عبر الكتب، بوصفها مرايا كبيرة، أو غرف لا نهاية لها، أو ترياقات تمنح الوجود لذة فائقة، أو معنىً سائلا، أو سحرا من الصعب الفكاك عن غوايته..

علاقة بورخس بالمكتبة يمكن أن تكون تمثيلا لعلاقة القارىء " العمدة" بتوصيف ريفاتير بها، أو لعلاقة الكاتب الذي تجعله المكتبة مسكونا بما يشبه هستيريا البحث عن آثار الغائب، حيث يمارس وظيفة "المحقق" أو "المحرر" هاجسه الكبير التخيّل والتعرّف، والتشهي بفتح طلاسم العالم، حيث يهبط اشباح الكتب الى الطاولات، وكأنهم يمارسون طقسا غرائبيا، فيه من التحريض ما فيه من اللذة، وفيه من التذكر ما فيه من الغواية..

القارىء في المكتبة مشروعُ كاتبٍ يتخيّل، أو يبحث في عالم الكتب عن ذاته. هو يفكّر في الكتابة، لكنه لا يمارسها لأنها عملية "فيزياوية" رغم ما فيها من التمثيل، ومن الدربة التي تمنح الكاتب إحساسا بالمناكدة، أو بالتعالي، وهو ما لا يرغب به القارىء الذي يكتفي بلمس الكتاب، والتلذذ بما يُثيره، وكأنه جسد، يتحسس ما فيه من الأنوثة، ومن العلامات التي تُخفي سحرا غامضا كما في " اسم الوردة" أو خوفا غامضا كما "الكلب الأبلق الراكض على حافة البحر" أو أسئلة فلسفية كما في "الغثيان" أو جسدا ينتظر المغامرة كما في رواية "برهان العسل" والخيارات مفتوحة على كتب تتوهج بحمولات "ثقيلة" وشهوات تصنع حضورا مضادا للغياب.

ثنائية القارىء والكاتب لا تعني سوى الاكتمال، وتحويل الكتب بوصفها "خرافا مهضومة" بتوصيف بول فاليري الى أسد يمارس الحضور والقوة، والى تمثيل سلطة الكتاب، واحسب أن استعمال كلمة "الأسد" هي دليل فاعل على سحر وغموض القوة، وعلى دهشة التحوّل، وعلى أن الأفكار التي تصطخب في المكتبة، وفي الرؤوس تجد في ذلك التحول نوعا من الكيمياء التي تمنح العناصر طاقة ضافية، تفتح لها مجالا لنقلها من زمن القارىء الى زمن الكاتب.

يمكن للكتابة أن تكون تمركزا حول الزمن، وحول الذات كما يقول باشلار، وهو يقصد هنا الفلسفة، بوصفها محاولة في ادراك الزمن والعالم، والتعرف على حقائقه، وعلى نحوٍ تمارس من خلالها سلطتها على القارىء، الذي  يحمل معه شفرات مواجهة تمركز ذات الكاتب، عبر غموض المقروء، أو التشظي في الأفكار التشظي، وفي توسيع مساحة الوعي، حتى في العلاقة التي تبدو بينهما وكأنها "تزوير صلاحيات" أو في تحويل الحوار بينهما الى لعبة تلصص، ومواربة، ومكر، وأحسب أن هذا هو ما يمنح القارىء فعاليته في أن يكون صانع اسئلة، أو فاعلا في تجديد اطروحة القراءة التلقي، على المشاركة والتفاعل وكسر التوقع، أو على مستوى الفراغات التي يمكن أن يتركها الكاتب تبحث عن ذلك القارىء الفعال و"العمدة" كما سماه ريفاتير..