اخر الاخبار

يشبه عملنا  في استرجاع بعض النصوص في رحلتها الدائرية بين مرسل ومستقبل ما يسمى بالإنجليزية :reverse engineering  الهندسة العكسية. وهي عملية تلجأ اليها في العادة شركات ومؤسسات في أمم نامية من أجل تحليل وتفكيك لمنتج أو نظام علمي صنعه آخرون لفهم مكوناته الداخلية، وطريقة عمله، ومبادئه التقنية، بهدف استخلاص معلومات التصميم منه. وتستخدم هذه التقنية لإعادة إنتاج المنتَج، أو تحسينه، أو إصلاحه، أو لفهم نقاط ضعفه، وتتضمن العمل بشكل معكوس مقارنة بعملية التصميم الأصلية، سالكة ثلاث مراحل:

1-المرحلة الأولى، التفكيك والتحليل: حيث يتم تفكيك المنتج أو النظام إلى مكوناته أو أجزائه الفردية، مع تكوين معرفة محددة بالتقنيات المستخدمة في صنعه .

2- الثانية، فهم البنية والوظيفة: يهدف المهندسون العاملون في هذا النوع من الهندسة إلى اكتساب فهم عملي للتصميم الأصلي من خلال تحليل كيفية ارتباط مكوناته ببعضها وفهم وظائفها.

3-الثالثة: إعادة الإنشاء: يتم استخدام هذه المعرفة لإعادة إنشاء المنتج أو أجزاء منه، أو لإنتاج بديل له، أو حتى لتطوير نسخة محسنة منه . ومع أن هذه التقنية تستخدم كما قلنا في فهم كيفية عمل برنامج ما على الصعيد الهندسي والتقني من أجل اكتشاف ثغرات أمنية، أو تحسين الأداء أو حتى مجرد إعادة الإنتاج، فإن ما يجري في عالم الأدب لصنع نصوص مشابهة، أو إعادة اعتبار مقابلة للنصوص المنجزة، أو التي أعيد إليها الاعتبار من قبل الآخرين، يبقى غيرَ بعيد عن ذلك. أما إذا كانت العملية تتصل بنص سبق لنا إنتاجه في مرحلة زمنية أخرى، وباعد الزمن بيننا وبينه حتى بدا وكأنه غريب أو منسي في بيئته وصانعيه الأصليين، وقام هؤلاء الآخرون بترجمته وتبنيه وإدخال التغيير عليه ليبدو كما لو كان جديدا أو مختلفا، فإنها تبدو كما لو كانت إعادة فهم مزدوجة للذات والآخر في آن معا، لأنها ترتبط بتاريخين وزمنين ثقافيين مركّبين، هما زمن العلاقة مع الذات، وزمن العلاقة مع الآخر، أي مع حاضر النص وماضيه الذي يعاود ظهوره عبر النص نفسه بطريقة مختلفة في كل مرة. وهي عملية يلعب الآخر الغربي الذي ساعد في إعادة الروح لذلك المنتج أو النص دورَ الوسيط المتأثر والمؤثْر، في آن معا.

وهكذا، يمكن النظر إلى العلاقة بين التأثر العكسي في الأدب وهذا النوع من الهندسة العكسية الخاصة بالتكنلوجيا والعلوم المرتبطة بها على أنها تقوم على مبدأ واحد هو التفكيك وإعادة التركيب، وإن اختلفت الوسائل والمقاصد. ففي الأدب المقارن نعني بالتأثر العكسي حركة النصوص وانتقالها بين الثقافات في مسار دائري متقدم ومتراجع، حيث تخرج من بيئتها الأصلية إلى بيئة أخرى، فيعاد النظر فيها وتأويلها وصياغتها بما يتناسب مع الذائقة الجديدة، ثم تعود ثانية إلى بيئتها الأولى وقد ارتدت ثوبًا آخر مصنوعا من خيوط نسيجها القديم والجديد المضاف، فتبدو مدجّنة احتفظت بالأصل أو غيّرت فيه وأضافت إليه. ومثال ذلك رباعيات الخيام التي كتبت بالفارسية، ثم نقلها فيتزجرالد إلى الإنجليزية بأسلوب شعري يختلف في شكله ومحتواه عن أصله الفارسي، فانتشرت انتشارا عالميًا، لتعود بعد ذلك إلى الشرق وقد استحالت إلى نص غنائي موسيقي في ترجمة أحمد رامي وغناء أم كلثوم، أي أنها عادت بصورة تختلف عن أصلها، وإن حافظت على نواتها الفلسفية، ونغمتها الأصلية التي تمزج الشجى بالرغبة في اهتبال اللذات المتوفرة والفرص السانحة في عمر الإنسان القصير. وكذلك مثال ألف ليلة وليلة التي اتخذت صورة نص (فرنسي) بعد ترجمة أنطوان كالان لها في القرن الثامن عشر.

ووجه الشبه بين الظاهرتين يكمن في أن كلا من التأثّر العكسي والهندسة العكسية يقوم على أساس كشف البنية الكامنة وراء النص أو الجهاز، ثم إعادة تشكيلها على وفق رؤية جديدة أو غاية محددة. فكما أن الناقد أو المترجم الغربي قد أعاد صياغة رباعيات الخيام على وفق معايير شعرية وفكرية غربية قبل أن تعود لتؤثر في الإيرانيين والعرب وغير الإيرانيين والعرب في صورتها الجديدة، يقوم المهندس كذلك بتفكيك الآلة لمعرفة أسرار عملها ثم يبني منها نسخة أخرى قد تكون محسنة أو مطابقة، كما يحدث الآن في دول مثل اليابان والصين التي وطّنت التكنلوجيا الغربية عبر هذه التقنية وزادت عليها أحيانا.

والاختلاف يتجلى في المقصد والنتيجة: فالأدب يسعى إلى التبادل والإغناء الثقافي وإنتاج وسائل دلالات جديدة، وقد يغير النص الأدبي الأصلي جذرياً من حيث النغمة والروح، في حين تهدف الهندسة إلى الاستفادة العملية وضمان استمرار الوظيفة الأساسية للجهاز، وإن أضيفت إليه تحسينات وقدرات أخرى.

وبهذا يمكن القول إن التأثر العكسي في الأدب هو "هندسة عكسية ثقافية" للنصوص، بينما الهندسة العكسية في العلوم تمثّل صورةً مشابهة للعملية الفكرية نفسها في صورتها التقنية المادية. وكلاهما يؤكد أن حركة الإبداع والمعرفة العلمية لا تسيران دائما في خط مستقيم، بل في دائرة من الحوار، والتبادل المشترك، حيث لا يظل الأصل هو السيد المطلق دائما، بل يُعاد إنتاجه وتطويره ضمن حركة تفاعل تحكمها الحاجة الإنسانية العملية، والمتخيلة إلى ما عند الآخر، وانتظار ما يأتي منه مع أن هذا الذي يأتي قد لا يخلو من صور انتهاك وعنف قد تصل حدّ "البربرية". وقد لا تختلف في بعض أشكالها وانتظار الناس المستقبلة لها بوصفها نوعا من "الحل" الذي يشبه ما كان الشاعر اليوناني قسطنطين كفافي يطلق عليه (في انتظار البرابرة) في صورته الرمزية التي سنحاول إلقاء الضوء عليها في الفقرة التالية، بوصفها حاجة مؤرّقة إلى الآخر، يفرضها في أطوار تاريخيّة معينة ركودُ الحياة، وتراجع عوامل الإبداع داخل بعض المجتمعات البشرية التي تشعر بالحاجة إلى التغيير، ومفارقة الوضع الراهن بأي ثمن.