اخر الاخبار

من رافق الشاعر موفق محمد طيلة رحلته الابداعية وامتطائه صهوة الشعر التي امتدت قرابة الخمسين عاما منذ منتصف الستينيات وحتى وفاته منتصف عام 2025 سيجد أن موفقَ كان ينزف ألمه شعرا وحتى فرحه ونكاته في جلساته فقد كان ضحكا كالبكاء يفطّر القلب ويستدر الدموع التي تختلط بالقهقهات الجريحة. موفق محمد ظاهرة شعرية فريدة اجتمعت عدة عوامل لتصوغ تركيبتها البنيوية والنفسية، حين يكتب الشعر تتداخل في قصيدته كل الأجناس الشعرية من الكلاسيك والحر والنثر والعامي أحدهما يعين الآخر كي يوصل ما يريد أن يقوله الشاعر بمفردات يفهمها الجميع وباللغة المتداولة المحكية، يصور ما يعتمل في داخله من ألم وفجيعة وهذا ما ميز قصيدة موفق محمد وأشر فرادتها وأفرز اسلوبه الخاص به عن كل مجايليه من الشعراء العراقيين والعرب. لم تكن قصيدته نتاج بطر أو ترف حياتي بل تخرج ساخنة شهية من تنوره الداخلي الذي تديم اشتعاله المصائب، هذا الاحتراق لم يخبو أو ينطفأ من يوم تفتحت عيناه على هذه الدنيا المدلهمة بالكوارث. لقد عرف اليتم في بداية حياته حين غادرهم الوالد الى مقبرة السلام في النجف وهم صغارا، الى شظف العيش ووقوع المسؤولية على عاتقه فقد كان كبير الذكور، صراعه مع ملاك الموت الذي لم يكن يفارقهم وواقف على حائط بيتهم ينتظر الغفلة حتى ينقض على أحد أفراد عائلتهم، فلم يشف قلب موفق من جرح فقدان أخيه علي الشاب الانيق في مقتبل العمر الذي لا يضاهيه أحد من أقرانه في الوسامة والخلق النبيل وقد وافته المنية بحادث سير، النكبة العظمى التي وقعت على رأسه استشهاد ولده البكر عدي طالب كلية الهندسة في انتفاضة آذار عام 1991 لم يجد له قبرا حتى اليوم ( إن كان انت بلا كبر آني كبر يتمشى ) فما كان يخرج من مقلاة حتى يقع في مقلاة أشد وأقسى. لم تكن حياة العراقيين رخية هادئة بل تزدحم بالاحداث السياسية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي والانقلابات الدموية العديدة التي حصلت نتيجة الصراع على السلطة. كان موفق شاهدا عليها وعلى المجازر والفضائع التي أرتكبت من قبل البعثيين الشوفينيين تجاه القوى الوطنية وخاصة الشيوعيين منهم وتركت في نفسه انطباعات سوداء يلمسها المواطن وتتسخم روحه بالأسى حين يقرأ قصائده أو يسمعها وهو يلقيها باسلوبه الخاص وصوته المتخم بالأنين لتصبح محنته محنة مجتمع بأكمله، تتفطر القلوب من حرارة حروفها وكلماتها، تستدر الدموع من عيون المتلقين بعد أن جفت في عيني موفق لكثرة ما صادف من ويلات وآلام..امتدت علاقتي بالشاعر قرابة الثلاثين عاما، كان يطرد شبح الموت الذي يلاصق ظله بالسخرية اللاذعة وابداعه ليس كشاعر متفرد بأدائه فقط بل بالضحك الدائم من كل ما يمر به من أحزان وفواجع، كانت لديه القدرة على اعادة سرد الحدث البسيط واخراجه بزي كوميدي بطريقة عجيبه يجعل المستمعين له في جلساته الاعتيادية مع الأصدقاء والليلية منها تكاد أن تتشقق بطونهم من فرط الضحك وربما روح الدعابة والمرح والابتسام الزائف بوجه الدنيا كي تغطي لوعته وأساه وجروحه الروحية العميقة هي من أطالت عمره وأوصلته عمرا الى مشارف السابعة والسبعين. لم يكن دعيا ولم يلبس قناعا يوما ما، كان صريحا ما يفكر به تجده سائلا على لسانه حتى وان كانت أحيانا أمورا شخصية أو ما يحصل لقريبين منه ولا يجد حرجا ينقلها الى مسامع الآخرين دون تردد وان كانت تتقاطع مع الطبائع الاجتماعية أو الأعراف العشائرية السائدة في المجتمع، حتى مظهره كان بسيطا ولا يتحرج من ارتداء أي ملبس أو الظهور بغير تكلف في لقاءاته التلفزيونية أو في الملتقيات الأدبية والشعرية التي يُدعى اليها. في سنينه الأخيرة كان يشعر بثقل الحياة ورتابتها وقد أفرغت معانيها السامية من قبل حكومات طارئة لا تقيم لشعبها وزنا، تذيقه كل يوم الويلات والمآسي وتربع شعيط ومعيط على صدور العراقيين، كان دائما ما يخبرني بأن الموت لم يزره وهو في انتظاره كل ليلة فقد سئم العيش مع وجوه مسخ جاءت مع الدبابة الامريكية تطل عليه كل حين في وسائل الاعلام وفي أحاديث الناس ولونت جسد المجتمع ووجهه وسماءه بأبشع جرائم الفساد والقتل على الهوية والتخريب الممنهج لكل مفاصل الحياة. مرة وفي جلساتنا الليلية الطويلة قال لي: أتذكر ياسلام حين ذهبنا الى المقبرة الجماعية في المحاويل حين سقط نظام صدام حسين في عام 2003 على يد الاحتلال الامريكي للبحث عن ولدي عدي الذي دفن هناك في انتفاضة اذار عام عام 1991 ..

قلت له: نعم أذكر ذلك..

قال: أنت ياسلام بحثت عن ولدي في مئات الحفر والاف الهياكل العظمية عسى أن تجد خيطا أو أثرا له ولكنك فشلت، قلت لي أنه غير موجود بين رفات الشهداء وأنا كنت جالسا على تل ترابي أتأمل هذه المجزرة البشرية وفم هذا القبر الذي ضم خمسة عشر الف شهيد وكنت على يقين أنك لن تجده..

قلت له: نعم أتذكر تلك اللحظات وكأنها حصلت الآن أمامي وأنت جالس على التل الترابي، وجهك شاحب شمعي حتى خيل لي أنك ستفارق الحياة في أية لحظة..

قال لي: كنت آمل ما بعد عام 2003 أن يتغير الوضع السياسي والحياتي وتعيش الناس بحرية وكرامة ويُنزع الخوف عن جلودها عندها كنت أشعر أن ولدي عدي لم يمت وبعث حيا بيننا في ضمائر الناس وعيونهم ونبضات قلوبهم، لكن ما عملوه هؤلاء الفاسدين وحكوماتهم الطائفية والعرقية السافلة قتلت كل حلم وشعرت أن ابني الذي لم أجد قبره ويعيش حيا في مخيلتي وذاكرتي ويراودني حلم طفولي ساذج قد يبعث الى الحياة من جديد حين يخضر الوطن بالعدالة، أخذ نفسا عميقا واحمرت عيناه بالدموع، سلام إن ولدي عدي قتلته الحكومات الظالمة ما بعد 2003 وقبره أحمله على ظهري آنى أذهب.. أجهشنا سوية ببكاء مر أسود، لم تكن الخسارة لوحده فقط بل ما قبضت يداي وكل أيادي المجتمع خراب مرّ أدمى الأكف والأرواح وشعرنا جميعا بأننا فقدنا طعم الحياة وسر خلودها وعنفوانها على يد عصابة غاشمة ما زالت تسقينا كل يوم زرنيخ الموت والعلقم.. ما ربحه موفق من هذه الحياة شوط واحد فقط من هذا النزال الغير متكافىء، ربح حب الناس له بأن أقاموا له تمثالا في وسط مدينة الحلة وهو مازال حيا يرزق وهذه أول مرة تحصل لشاعر أو انسان عظيم على مر تأريخ النصب والتماثيل. البابليون حين خلدوا موفقَ بهذا التمثال فقد خلدوا مدينتهم العظيمة التي لا تقهر رغم كل المآسي والانهيارات والنكبات، خلدوا العراقيين الذي يبعثون أكثر قوة وعزم وثقة من رماد الامتحانات القاسية. رحل موفق ولكنه بقي حيا في عقول العراقيين، خطواته تتنقل في أزقة ودروب وساحات ومقاهي مدينة الحلة، ضحكاته ترقص على أنغامها النوارس وأمواج شط الحلة الذي ولد موفق على بعد موجتين منه. موفق شهيد الكلمة والموقف والشهداء خالدون الى الأبد...