اخر الاخبار

كلنا نحتفي بالسرد، ونصدّق كثيرا من حكاياته، ومتخيلة، إذ لا يمكن أن نحيا بدون الحكي بتوصيفه السردي، حيث التخيل والشخصية والزمن، وحيث ينفتح المنبر على الحكواتي، الذي يفرض "مركزيته" على الاخرين، وهي استعارة يتجاوز من خلالها السارد، أو الحكاء زمنه الشخصي المستلب، ليكون ازاء ازمنة مفتوحة، بعضها يخصه، والبعض الآخر يستشرف ما يأتي، وعلى نحو يمنح اللعبة السردية ضرورتها في التأليف، وفي استدعاء العالم الى اللغة، ليس بوصفه مجالا غاويا للتناص، أو للتحول عنوان رئيسي، في تمثيل الحدث الروائي، أو في تمثيل الغائب من التاريخ.

الأخطر في هذا الموضوع، هو تحول السرد الى تاريخ، والى طرد التاريخ الذي تكتبه السلطة أو المتن المركزي، في وقت تبين أن السرد تكتبه السلطة والهامش، حيث يكون المتخيل اداة خارج السيطرة، وغير خاضعة لرقابة السلطة..

قد يكون حديث السرديات حديثا كنائيا عن المخفي من الواقع، حيث تدخل في صناعة المعرفة وصناعة الخطاب، وحتى في صناعة السياسة الضد التي يمكن أن تحرك الهامش، وتدفع "متخيلها التاريخي" لأن يكون سلطة في وظيفته، وفي تمثيل تلك السرديات، عبر الوجود والهوية، وعبر كتابة سرديات ضدية، لا يملك اصحابها سوى القبول بالتخفي، لأنهم ينسحبون من التاريخ العمومي، من مدوناته، أو من سردياته الكبرى عن "الأمة والقومية والعروبة والتاريخ" الى "مدونات صغرى" هي مدونات الجماعات المتشظي، التي خضعت طوال قرون طويلة الى مركزيات سردية السلطة..

الكتابة في هذا المجال رهان صعب، وربما دخول في حقل فخاخ مفتوحة، فما صنعته "السرديات الكبرى" حول قضايا اشكالية، تحول الى وقائع واحداث غامضة، وحتى الى "عقائد" وادلجات ضاغطة، ليس من السهل تجاوزها أو طردها، وبقدر ما عمد البعض الى كتابة سرديات ضدية أو روايات أعادت انتاج، أو قراءة التاريخ بوصفه مجالا سرديا، فإنها وقعت في المحظور أيضا، أي انها لم تتخلص من عقدة الايديولوجيا، ولا من التخيل اللاواعي للشخصيات، وللزمن والمكان، وعلاقة ذلك بصياغة الحكايات الاطارية التي تُخفي أكثر مما تفضح، وصولا الى تقديم "الرواية الجديدة" ذات المنزع التاريخي وكأنها محاولة في تجريد المؤرخ القديم من سلطته المركزية، ونظرته للاحداث والاخبار، وإعطاء هذه السلطة الى الروائي، صانع السرديات المتعالي الذي يعمد الى وضع العالم داخل مختبره السردي، وعلى وفق رؤيته التي تقوم أساسا على الشك بالتاريخ، وبمدونيه الذين تركوا هذا التاريخ في المكتبة، أو في خزانة السلطة السياسية أو السلطة الفقهية..

الرواية الجديدة في تمثيلها السردي لم تصنع مجتمعا قرائيا، ولا سوقا، ولا مؤسسة يمكن الثقة بمرجعياتها، وبمتخيلها السردي، بل إن كثيرا من كتّابها ظل يتعاطى مع خيارات الكتابة بحساسية مفرطة، بعضها يذهب الى السخرية، والى التجاوز على الزمن، وبعضها الآخر يجعل منها بديلا غامضا لتمثلاته الأيديولوجية والثقافية وحتى القومية والطائفية، لكن الاخطر في ذلك هو التعمد الى تشويه مدونات الآخر عن التاريخ، وبالتالي فإن لعبة السرد ستفتح المجال لتقاطعات يدخل فيها الممنوع والمقموع، وصولا الى قيام أجهزة الرقابة بمنع طبع هذه الرواية أو تلك، أو منعها من المشاركة في هذا المعرض أو ذلك، والسبب يكمن في الحساسية التي تملكها المؤسسة المسؤولة عن الطبع والعرض إزاء ما تضمنته تلك الروايات من حمولات رمزية في السياسة أو الدين أو الجنس أو التاريخ..

تغييب أهمية صناعة السرد عن واقعنا المؤسساتي يعكس طبيعة الرعب الذي تحمله المركزيات المهيمنة، وعن علاقة هذه المركزيات بالسلطة والايديولوجيا، وعلى نحو يجعل من حديث السرديات خارج "السياق" وبعيدا عن أهميته الوظائفية والنقدية، لأن توسيع "مجتمع السرد" و"مؤسسات السرد" سيكون باعثا على اثارة أسئلة انطولوجية كبرى، نحتاجها في مواجهة علاقتنا المأزومة مع التاريخ، ومع ما يحمله من عنف واكراهات وكراهيات وقتول رمزية، وكذلك في تأطير العلاقة المعرفية مع الآخر، بوصفه صانعا خطيرا لسرديات مضادة، ومعقدة، بدءا من سردية الحروب الصليبية الى سردية الاستعمار وأخيرا الى سردية الصهيونية، إذ ظلت هذه السرديات عالقة وضاغطة ومفتوحة على صناعة سرديات مشوشة وشائهة، وعاطلة عن أن تصنع خطابا يمكن أن يوازي ما نعيشه من أزمات وهزائم ومتاهات وخضوع غرائبي الى أوهام سرديات ما بعد الكولنيالية..