برحيل النحات البصري العراقي مكي حسين (1947-2025) لايمكن للمتتبع اغفال ما كتبه الفنان يحيى الشيخ في صفحته على الفيسبوك بعنوان "اوجاع مكي حسين مكي"( هكذا وجد نفسه اعرجا يغزل الأرض في مشيته ويختلف عن اقرانه والناس بما يميزه شكلا وقواما... غير أنه لم يتأخر عن عمل مهما كانت صعوبته، فهو نحات! وهل هناك اقوى من نحات؟)ان الشيخ ينبهنا الى عنصر الارادة التي تقهر العجز وتتجاوزه نحو الابداع فهو يشيد بقدرته على الاختلاف في كل شئ اضافة الى منجزه اللافت بحداثته وامتداد تاثيره على مجايليه ومن جاء بعدهم ,سيما في ثيمة استخدام المربع وحركة الانسان في ديمومة غير مستقرة وكأن منحوتاته تهرب دائما من مصير محتوم محاط بالرعب وكذلك حمل الهموم على شكل الكرة الارضية الوشيكة على السقوط والتدهور. ان الارادة النحتية اذا جاز التعبير تستدعي قوة بدنية ومطاولة لكيان انساني متين ,اذن كيف استطاع النحات مكي حسين تجاوز هذا الجزء الذي لا يتوفر في كيانه الجسدي؟ الاجابة بسيطة جدا لانها تتوافر في قدرته الفكرية على فهم العالم كونه عالم غالب ومغلوب. نحن ازاء مكي بفهمه للوجود الانساني ازاء سلطة قامعة , فيما هو يرتكن الى الحياة بيسارها وانطلاقها في عالم رحب من الحرية المنشودة التي حرم منها رغم تفوقه في التخرج من (معهد الفنون الجميلة 1968 ) ووجوده المجتمعي والمهني في جمعية التشكيليين كفنان فاعل ومؤثر(1971) وبعدها بدأت رحلة الهروب من النظام السابق(1979) حيث التحق بحركة الانصار التي تعرضت الى حصار وعملية ابادة فانتقل الى سوريا ثم الى منفاه الاخير في المانيا ,وهنا يبزغ السؤال : كيف اصبح مؤثرا ؟الجواب يذهب الى المنطقة التي اشتغل فيها باقتدار لأنه يريد لحياته معنى فيه من التأثير الذي يتجاوز العيش كانسان ياكل فقط كي يبقى على قيد الحياة بل فنان يبقى على قيد الانجاز والتجاوز فصنع لنا منحوتات رشيقة تتمتع بالحركة والابهار الذي لا يشبه الدرس النحتي العراقي الدارج ,وكانه يتجاوز المالوف الى التعبيرية النحتية باختزالاتها دون ان يتخلى عن الوجود الانساني كجسد فاعل وقوي لا تعيقه اية قوة خارجية ,نحن هنا ازاء قوة هائلة من الانجاز وتخليق الرموز الحداثوية المبهرة لانسان اولا وفنان يسعى لتخليق اشكال جديدة لا تأبه بالاشكال التقليدية التي تطابق الواقع بصورة التمثل النحتي ,التي يقول عنها الناقد جمال العتابي في صحيفة "القدس العربي" عام 2021(لم يكن ممكنا أن تستمد الاشكال النحتية للفنان مكي حسين ديمومتها من محيط التأثر، لكنها رغم رغم ذلك صارت قناة إيصال أعادت حالة التوازن مع العالم، ومنحتها روح الألفة الحميمة بالإنسان، وهذا هو السر في ديمومة فن مكي حسين، لأنه يحمل روح الزمن الراهن، ومعطيات الزمن الآتي. وقد أدركه الغياب عن الوطن، وبعدَ عنه، عندما تغوّل الكابوس ليزرع الخوف والرعب في البيوت)وهذا يؤكد ان الالتزام بالكفاح ضد الدكتاتورية لا يلغي ثيمة الابداع المتميز ومواصلة الدرس الحداثوي والوصول الى ابعاد لا تتوقف عن حد معين. فيما يربط الناقد عادل كامل في مسيرة النحات مكي حسين بين الماضي واثره النحتي وبين جيل مكي حسين( الحوار المتمدن 2016)( أن الفترة التي نشأ فيها مكي حسين، ودرس الفن، وعرض أولى تجاربه النحتية، في ستينيات القرن الماضي، كانت بمثابة تكملة لجيل الرواد، ممثلا ببزوغ ثلاث جماعات فنية سرعان ما تحولت إلى مشاغل أتاحت بلورة تقاليد فنية نتذكرها ـ بعد أكثر من ستين عاما ـ بحنين لذكراها بعد اندثارها، فيما تعد حاضرة إزاء مفاهيم التحديث، والحداثة، بعد أن تحول الوطن إلى منفى، أو سرداب لحفظ ما تبقى من المخلوقات البشرية). اننا نقف ازاء تجربة نحتية نظيفة وغير ملوثة بيافطة تماثيل تحت الطلب او حتى تحت القهر ,حيث تمثل منحوتات مكي حسين انطلاقة فاعلة ومؤثرة فيها الكثير من الابتكار ولا تخلو من وجود بطله الاثير –الانسان- باوضاعه المنقلبة والاستطالات الواضحة سيما في اليد الفاعلة وسط مربعه الاثير ,والعين الفاحصة لا تخطئ التأثرات للفنانين العراقيين والذين يمثلون الاجيال الحاضرة حتى وان اشتغلوا بخامات اخرى غير البرونز وخاصة الاجساد البشرية المنقلبة التي تنقلنا الى التشظي في محيط قلق محصور في مربع ضيق تنهال عليه اكداس من العصي لتخفي وجه التمثال ,ولان النحات مكي حسين ظل امينا لاشتغالاته فانه ظل يبتكر متسلحا بذاكرة عصية على النسيان فبطله عراقي عانى من ويلات اجهزة قمعية مما يتيح لنا ان نطلق على مسيرته الفنية مصطلح (متعة الالم البرونزي)لانك لن تعثر على ثيمة مفرحة او تشي بالسعادة ,بل ان هناك الكثير من المساعي لنحت جسد بشري يتوازن بقدم واحدة وهو في حركة راكضة نحو الامام ,او جسدا بشريا يمسك بسلم يشبه السلالم المعلقة بالسفن – ترى هل هي نبوءة للهروب عبر البحر ؟- لان النحات مكي حسين يرتبط بجذوره بقوة وكما يوجز الكاتب نصير عواد في موقع ناس (2018)( من سرداب ببغداد الى سرداب بمدينة كوتكن الالمانية يعمل الفنان مكي حسين بصمت وتواضع لافتين ,اشبه بالصوفيين الذين نقرأعنهم في كتب التاريخ ,تكشف تماثيله عن رؤية فنية محملة بمفردات رافدينية تمد خيوطها الى فن النحت العراقي منتصف القرن الماضي)وفي هذا المعرض في المانيا -2018- الذي نستطيع ان نقول انه المعرض الشامل لألم مكي حسين فهو لم يغفل اية مرحلة عاشها وخاصة مجزرة بشتاشان عام 1983 انجز نحتا بعنوان ( صرخة من عمق الجبل ) وبقي وفيا لمفرداته الاولى من مربعات واستطالات واوضاع قلقة تتأرجح في فضاء الوجود الانساني الذي اصبح اكثر خشونة ورعبا لا يحتمل ,وكأنه يجسد مقولة الناقد مالك المطلبي في كتابه "حفريات في اللاوعي المهمل" (ما ان تتوقف عملية الانتاج المرتبطة بالاقتصاد الزراعي ,حتى يصبح الاغنياء والفقراء نحتا بارزا فوق جدارية الطبيعة ,بعد ان كانا ذائبين في وجودهما الانساني ص190) وهذا يجسد الحقبة التي عاشاها سوية تحت القدر العراقي الغاشم الذي دفع الذين لم يغادروا الى الانكفاء والذين غادروا الى المنافي اكثر حزنا واحساسا بالفقدان فكلما بعد الفنان عن حاضنته اصبح اكثر احساسا بالفجيعة سيما وانها تتجدد باشكال اخرى ولكنها متشابهة في القصد. ان اعماله وحياته لا يمكن الفصل بينهما فهو ان تفرغ للحياة، ينحت في فضاء اسباب وجوده كانسان يبحث عن الحرية برأس مرفوع وان تفرغ للنحت فهو يجسد افكاره في الحياة والشخوص الذين مروا بحياته مكتسحا اسباب الضعف ببأس شديد لا توقفه عوامل الضعف البشرية علماً بأنه عاش بسيطا ومتواضعا لكن التاريخ الفني يحتفط له بسجل هائل من الانجازات الباهرة ضمن مسيرة الفن العراقي المتميز.