تعّرفت على الفنان النحات مكي حسين عن بُعد، حينما اخترته أن يكون فنان العدد لمجلة "الأديب العراقي" الصادرة عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين، عام 2020 وهذه أولى التجارب التي تكون فيها القطع النحتية بدلأً عن التخطيطات المرسومة أو اللوحات تزّين النصوص الأدبية.
وجاء اختيار مكي حسين بوصفه تجربة فنية تنحاز إلى الإنسان، وتتعامل مع النحت بوصفه فعلاً ثقافياً ومعرفياً، لا مجرد إشتغال شكلي على المادة. فمنحوتاته تنطلق من وعي اجتماعي واضح، وتسعى لتحويل الكتلة الصامتة إلى خطاب بصري يعكس صراع الإنسان مع واقعه.
ينتمي مكي حسين إلى جيل فني تشكّل وعيه وسط تحولات سياسية وإجتماعية عميقة شهدها العراق، وهو ما ترك أثره الواضح على منجزه النحتي. فثيمات الإنسان، والفقد، والصمود، والبحث عن المعنى، تشكّل محاور أساسية في أعماله، وتمنحها بعداً يتجاوز الجمالي إلى الإنساني. لا تظهر منحوتاته بوصفها كماليات بصرية، بل شهادات فنية على زمن مضطرب، ومحاولة لقراءة هذا الزمن بلغة الفن.
يتسم أسلوب مكي حسين بنزعة تعبيرية واضحة، تميل إلى الإختزال والتركيز على الجوهر. فهو لا يسعى لمحاكاة الواقع أو تجميله، بل يعمل على تفكيكه وإعادة تركيبه بصرياً. الأجساد التي يقدمها غالباً ما تبدو مشدودة، أو منكسرة، أو في حالة ترقّب دائم، وكأنها محاصرة بأسئلة وجودية مفتوحة. هذا التوتر يمنح المنحوتة طاقة درامية، ويجعلها أقرب إلى صورة للإنسان العراقي المثقل بالهموم، والمقاوم في الوقت نفسه. ومن السمات اللافتة في منجزه قدرته على الربط بين المحلي والإنساني العام. فبرغم أن أعماله تنطلق من بيئة عراقية واضحة، إلا أنها لا تنغلق على خصوصية ضيقة، بل تلامس هموماً إنسانية مشتركة، مثل الخوف، والعزلة، والرغبة في الخلاص. والإنسان في منحوتات مكي حسين ليس رمزاً محلياً فقط، بل كائناً كونياً يواجه مصيره، مّما يمنح أعماله قابلية للتلقي خارج السياق الجغرافي المباشر. وعندما يفكر يستكشف بالضرورة مساحات جديدة ومتجددة في تجربته النضالية والفنية معا ، إنّ من يتأمل اعماله النحتية ومراحل تطورها سيكتشف أنه فنان مفكّر في حالة بحث فني وفكري دائم لتطوير تجربته التشكلية والبصرية ،وهو في حالة إنتباه وتفاعل مع مايدور ويحدث من حوله في هذا العالم المضطرب.
على مستوى التكوين، تميل منحوتاته إلى الصرامة الشكلية والبناء المتماسك، مع حضور لافت للخطوط القوية والحركات المختزلة. غير أن هذه الصرامة تخفي وراءها حركة داخلية واضحة، توحي بالتحول أو المقاومة. فالشخصيات تبدو أحياناً وكأنها على حافة الانكسار، وأحياناً أخرى على وشك النهوض، في تعبير بصري عن جدلية القهر والأمل.
في المحصلة، تشكّل تجربة النحات العراقي مكي حسين إضافة نوعية لمسار النحت العراقي المعاصر. فهي تجربة تنحاز إلى الإنسان، وتستثمر إمكانات المادة والشكل لإنتاج خطاب بصري صادق، يعبّر عن هموم الناس وأسئلتهم. وبين الكتلة والفراغ، وبين الصمت والبوح، يواصل مكي حسين نحت أسئلته في جسد المادة، تاركاً للمتلقي فرصة التأمل والبحث عن ذاته في ملامح تلك الأجساد الصامتة.
يضع النحات مكي حسين الوطن في قلب تجربته الفنية، بوصفه الموضوع الذي لم يتخلَّ عنه منذ بداياته الأولى. غير أن مسيرته، شأنها شأن كثير من تجارب المبدعين العراقيين، اصطدمت بانقطاع قسري عن العمل، وبإهمال مؤسسات الداخل، وضعف الصلة بما يجري في المنافي، وتحولت مشاريع الشتات إلى تجمعات معزولة، بالرغم مّما وفرته ثورة الاتصالات من إمكانات للتواصل وكسر الحدود.
هذا الواقع أسهم في تعميق أزمة تشتيت الكيانات الإبداعية ورموزها، إذ لم تُولِ المؤسسات الثقافية في الداخل إهتماماً حقيقياً بآلاف الفنانين والمثقفين الذين هُجّروا قسراً، و لم تدرك تجمعات الخارج أن المنفى لم يكن خياراً طوعياً، بل نتيجة مباشرة لانهيارات سياسية وإجتماعية بدأت من داخل الوطن نفسه. وبهذا وجد النسيان، المقصود والعفوي معا،ً طريقه ليصوغ ملامح وطن مرتبك، يعاني من فقدان الهوية، في ظل تخلف حضاري وسياسات إقصاء طويلة الأمد.
ويرى مكي حسين الوطن بوصفه جسداً حياً، يتجسد في العراق بوصفه مركزاً رمزياً وتاريخي. وهو مثقل بالجراح، يظل حاملًا لذاكرة الحضارات الأولى، وللرسالة التي انطلقت منها الفنون والكتابة والقوانين. ولأن الفنان لم يفصل بين الجمال والمعرفة، فقد انشغلت أعماله بالجسد الإنساني بوصفه ساحة للصراع اليومي، ومرآة لانتهاكات حقوق الإنسان، لاسيما في العقود الأخيرة من القرن العشرين. لقد استعاد مكي حسين الجسد من مدافن التاريخ، من أور وغيرها، ليمنحه حضوراً معاصراً، يعكس ما تعرض له الإنسان من تشويه وفقدان للملامح، حتى بدأ في كثير من الأحيان شبحا ًبلا هوية.
تبدو منحوتاته وكأنها قراءة جديدة لأقدم القوانين الإنسانية، في مواجهة التدمير المنظم للجسد، لا بوصفه شعاراً سياسياً، بل كائناً حياً له حق الحياة والكرامة. ومع ذلك، لم يتحول القيد في أعماله إلى رمز لتجميل السلطة أو تبرير العنف، بل إلى علامة احتجاج، ووسيلة لكشف آليات القهر والسعي لتفكيكها.
إن وعي مكي حسين الفني تشكّل في مواجهة واقع بلدان حُرمت من حقها في التنمية، ومن القدرة على إنتاج غذائها أو بناء صناعاتها الأساسية، فيما أُغرقت بخطابات وشعارات لم تفضِ إلى تغيير فعلي. في عالم تحولت فيه العواصم إلى ساحات صراع، بدت القيم الإنسانية، التي قامت عليها الحضارة، مهددة أكثر من أي وقت مضى.
من هنا، لا تنفصل تجربة مكي حسين النحتية عن سؤال العدالة الاجتماعية، ولا عن الدفاع عن الإنسان بوصفه جوهر أي مشروع حضاري. فهي تجربة تقف ضد تحويل البشر إلى ضحايا دائمين، وضد تقسيم العالم إلى قوى مهيمنة وأجساد مسحوقة، مؤكدة أن الفن، في جوهره، موقف أخلاقي وإنساني، قبل أن يكون شكلًا جماليًا.
رحل مكي ولم يحقق حلمه في تنفيذ نصب شهداء مجزرة بشتاشان الذي شغله كثيراً، وكلفته العالية لإنجازه، مستعينا برفاقه من حركة الأنصار لسد جزء من تكاليفه الباهضة، طالباً مني ان أخّط أسماء الشهداء ليضعها على قاعدة النصب .. الآن وبعد معاناة الهجرة القسرية عن بغداد والبصرة اللتان أحبهما، وجبال كردستان التي ناضل فيها لبناء وطن حر سعيد والمرض والوحدة، لنرفع أكفنا عن بُعدّ مودعينه ونلقي على روحه السلام .