على الرغم من هجرته المبكرة من مدينة ولادته (البصرة) وصعوده الى فضاءات أُخرى، إلا أن الفنان (مكي حسين) المولود العام 1947 إحتفظ بدفء المدينة ورطوبة هوائها بالرغم من كل المحطات الباردة التي تجاوزفيها خطوط الطول والعرض ليس على صعيد الجغرافيا وقساوة الأمكنة أو فتنتها، بل بوصفها محطات للسيرة الذاتية، سيرة العمر والموقف وخلاصة الحياة. من البصرة الى بغداد – الأعظمية ودراسة المرحلة المتوسطة فيها، ومن ثم معهد الفنون الجميلة وتوجيه استاذه الفنان صالح القرةغولي لدراسة النحت بالرغم من نبوغه في الرسم، وقد ظلت هذه الأسئلة ماثلة في ذهنه حتى اللحظة الأخيرة التي شكلت منعرجاً خطيراً في حياته الشخصية ومسيرته الفنية على مستوى النحت. ذلك التفكر وتلك الموهبة التي تم صقلها بالدراسة والمشاهدات والمشاركات في بغداد وألمانيا ليتسم بها أُسلوبه وثيماته التي استمدها من نسغ الحياة ومجريات أحداثها التي لا تتوقف بالنسبة له، ‘ذ غادر الوطن مجبراً ليس للمسرات، بل للأسى والموت في أحيان أُخرى عندما دعاه موقفه الوطني والإنساني للإلتحاق بالعمل النضالي المسلح في شمال الوطن وإكمال رحلة الصراع مع النظام الشمولي القمعي.
وبعد هذه الرحلة التي خرج منها بموقف إنساني يُحسب له حاول ترميم ما قوضته سنين الحرب والقتال ليعود مرة أُخرى الى المصاهر ورائحة البرونز المعتقة التي يستحضرها لحظة تمثيل الأثر العياني وتجسيد ما خطته الذاكرة من أحداث ووقائع صقلت تجربته الإنسانية والفنية على السواء، ليخرج منها أكثر قوة، منخذاً من هجرة الأمكنة واستعاضتها باخرى علامة مهيمنة في تلك التجربة بعدما ترك له أثراً يدل على اسمه في وطنه العراق، ليهاجر الى سوريا واليمن ومن ثم ألمانيا مستقره الأخير في تلك الرحلة. ومن هناك بدأ صقل تجربته التي بدأت هنا وظل يراقب ويتأمل ما يحدث لوطنه من بعيد محاولاً استثمار هذه الأحداث والسيرورات التي مربها ويمر بها الإنسان العراقي ليجسدها في خطابه الفني.ولكنه في الوقت ذاته لم يهجر البصرة مدينة الأولى وظل متواصلاً معها، محاولاً الترميز لها في بعض أعماله بصورة نحلة يتكئ عليها في محنته، أو عند الصراع الأزلي القائم على خلع الموانع والحواجز وتخطيها.
ولعل تلك الأسئلة التي أحاطت به منذ الشياب هي التي ألهمته في ما بعد ليؤسس خطابه الجمالي إنطلاقاً منها، إذ أن أزمة الإنسان المحاصر هي شاغله الأكبر وكل الأزمات والأشياء الأُخرى تمر به ومن خلاله. وهنا استطاع أن يمسك رأس الخيط الذي يتحرك منه ضمن تصوراته الوجودية الكبرى التي شغلت جيلاً بكامله وليس على الصعيد الشخصي. الإنسان المحاصر من كل الجهات، أو المتسمر أمام النافذة المربعة أو ذلك الإطار متعدد الإستخدامات الذي يحاول منعه من المواصلة مع الآخر أو الأشياء المحببة، فتنمو الأغصان وتنشطر الى أجساد مقطوعة الرؤوس، وتلك الفكرة واحدة من إشتغالاته التي حاول تسمية مجموعة من أعماله بها. الإطار أو المربع الذي يستمد دلالته المتعددة من مضمونين مختلفين أو متقابلين، فالإطار هو الحاجز التي لا يمكن تجاوزه إلا بتهشيمه وعندها تتكاثر الأطر أو النوافذ وتصبح شبكة من القوالب والمعرقلات تطيح بقدرة الإنسان على المقاومة على الرغم من الآمال التي يرسمها مرات عدة من خلال صورة المرأة التي حاول تغريب ملامحها، وجعل خصلات شعرها تتطاير في الهواء الطلق، أو حين يمسك حمامة أو طائر يتسم بالألفة على كفي يديه، وهنا يحاول أن يبعث الأمل ضمن هذا المسار، بيد إن الظروف والمحبطات تحيط به كما أحاطت بحياته، فيصور جسد إنساني موثق بأغلال حديدية وكف يمسك بطائر حد الموت وهنا يشير الى تقويض الآمال العريضة التي كانت تحيط به ويرمي إليها لعله يصل، لكن الأثقال التي يحملها حالت دون ذلك مثل صخرة حجرية كبيرة مدورة حاول أن يحركها، ولكنه لم يستطع ذلك. وهذه الصخرة المدورة هي لعبة الحياة بكامل مآسيها وفتنتها وإرهاصاتها. ولعل هذا التمثيل متعدد الإشتغالات هو ما إتسمت به تجربة (مكي حسين) النحتية.
وعلى الرغم من تداولية فن الرسم وسهولة وصوله الى المتلقي واقتناءه، وكونه فناناً متفرغاً، عليه أن يجد ضالته بفن يصل الآخر، من هنا جاءت مقاومته وتصديه للظروف التي أحاطت به وظل متواصلاً على صعيد المشاركات الجماعية أو المعارض الفردية والمسابقات التي أمنت له استمرارية عمله وحياته أيضاً. فقد أمسك بفكرته الرئيسة التي أضحت علامته الفارقة وأتقن تقانات النحت على المستويين التقليدي والتركيبي، التقليدي القائم على التمرحلات التي تتصير بها المنحوتة، والتركيبية الآنية من خلال استخدام مواد وخامات مهملة ويومية مثل الحديد والخشب وغيرها ، لتصبح في ما بعد أعمالاً نحتية تسهم في التعددية والإختلاف الذي إقترن بتجربة (حسين) منذ البداية، الإختلاف الذي صاغ أُسلوبه النحتي ونمط حياته أيضاً حين هجر جماليات الحياة وإلتحق بالكفاح المسلح من أجل موقف أخلاقي ذاتي يتسق مع رؤى جمعية. لذلك إرتضى أن يعيش حياة الكفاف مثل كل المناضلين ويموت وحيداً في النهاية بغرفة من مدن قصية تحمل برودة شمال المعمورة بعيداً عن دفء البصرة والأهل والأحبة، لكنه ترك أثراً إنسانياً وفنياً كبيراً وحجز اسمه بقوة العارف على صخرة الحياة والمشهد النحتي العراقي.