مكي..أيها المعلّم الذي علّم البرونز كيف يصحو، ثم رحل وحده، كما يرحل النبلاء بلا ضجيج؟
أعتذرُ لك، ليس لأن الكتابة تأخرت عنك، بل لأن الموت كان فادحاً في أربعاء الحزن 24 ديسمبر، يوم انكسر القلب مرتين، وأربكنا الرحيل حين أخذَ ناجح المعموري فجر ذلك اليوم، ثم التَحقْتَ به عند مسائه. اعتذر لك صديقي، يوم انطفأت روحك.. أكاد لا أصدق ما يحصل، كانت صدمة عنيفة، ما زلتُ لم أستوعب وقعها بعد، موت ناجح، لم يمهلنا القدر كي نكفكف دموعنا حزناً عليك يا أبا وهب، حتى غدر بالعزيز مكي، واقتنصه مساء ذلك اليوم، كأن الموت يتربص بنا، ينتظر غفلتنا، أن نخفض رؤوسنا للحظة، ليضرب ثانيةً.. بلا رحمة.
يا لهذا اليوم الثقيل، كيف اتّسعَ فضاءه لرحيلين؟ كيف احتملنا أن يُسدل الستار مرتين على وجوه كانت تضيء عتمتنا. كأنكما اتفقتما سراً أن لا تتركا لنا وقتاً للحداد، أن تختبرا قدرتنا على الصبر، وعلى الإيمان بأن الخسارة ليست في الموت، بل في هذا العالم الذي لا يعرف كيف يصون ابناءه.
في المدن الألمانية الباردة لم تبرد يداك، ظلت تصوغ البرونز كما لو أنه كائن حي، توقظه من سباته، تجبره على الاعتراف بأن الفن أقوى من المنفى، وأن الغياب لا يُلغي المعنى.
"يقظة البرونز" كتابي الصادر عن جمعية التشكيليين العراقيين، لم يكن توثيقاً لتجربتك الإبداعية فحسب، بل الشاهد الوحيد على عنادك الجميل، على صبرك، على وحدتك الثقيلة، وصبرك الطويل، وأنت تشتغل في مواجهة النسيان.
مكي أيها الصديق الطيب، واجهت المصائب بصمت الكبار، لم تشتك، ولم تساوم، ولم تغير نبرتك الإنسانية على الرغم من الخيبات والمنفى وطول الانتظار.لم تكن نحاتاً فحسب، كنت إنساناً وموقفاً نادراً، حمل روحه على كتفه حين ضاق الفن بالقيود، رحت إلى كردستان لا حباً بالسلاح والعنف، بل دفاعاً عن معنى الحياة، كنت مع فصائل الأنصار في أوائل ثمانينات القرن الماضيتحمل البندقية كما تحمل إزميل النحت، وتعرف أن بمقدورك نحت الحرية أحياناً من صخرٍ قاسٍ.
لم أنس تلك الليلة الباردة، حين ودّعتكم أنتم الثلاثة: أنت وشقيقي صفاء، والشاب معتصم عبد الكريم، ثلاثة فنانين قرروا المضي نحو الجبال، نحو المجهول، بين خوف مكتوم، وأمل لا يقال، الوطن مصادر محبوس، والسيف صار اللغة المفضّلة، والليالي تغادر أسحارها، يحاصرها الطغاة.
كانت الريح قاسية والصمت أثقل من الكلام، لم يكن الخوف أقسى ما في المشهد، بل وجه أمّي، كانت تحتضن ابنها صفاء، متشبثة بمعطفه، تمسك بيده، تسحبه إلى صدرها بقوة، كما لو أنها تمسك بالحياة نفسها لم تبكِ، لم ترفع صوتاً، الصمت أبلغ من العويل ـ كانت تعرف أن الطريق طويل ومحتشد بطوابير الأفاعي. وتعلم، بحدس الأمهات، أن هذا وداعها الأخير، وأن ابنها قد يذهب ولا يعود، عيناها تقولان كل شيء. على صفاء ان يواجه ما هو أقسى من الخطر، أمّاً تعرف ولا تقول، احتضنته لا لتمنعه من المغامرات، بل لتؤجل الفاجعة لحظة أخرى. وهذا هو العذاب بعينه، أنها تمسك بيد (ولِيدْهَا) للمرة الأخيرة.
لم يكن الوداع واحداً لدى المجموعة، ولا الخسارات متساوية. أم مكي، لا تنتظره عند العتبة، غادرت الحياة غير مطمئنة، كان هذا الفقد على قسوته، نوعاً من الإعفاء المسبق من مشهد الوداع، فخفّ عنه العناء منذ زمن، لم تكن هناك يدٌ تشدّ على معطفه، ولا عين تتوسل أن يبقى، مضى وحيداً، خفيفاً من عبء الوداع، مثقلاً بالأسئلة فقط.
معتصم.. كان الأكثر براءة، الأقرب إلى الوهم الجميل ـ تطوّع أن يكون سائق سيارة "البيكاب" لنقل رفاقه، ثلاثة مصائر، وثلاثة اوجاع، جيل حالم يعتقد أن الحياة ستكون أجمل، وأن البلاد، يوماً ما، ستصحو على عدالة اجتماعية، لكن البلاد كانت أقسى من أحلامهم. معتصم سقط شهيداً على صخرة من جبال كردستان، حزامه مثقل بالرصاص، وقلبه مثقل بأوهام نبيلة. كان يظن أن تلك الرصاصات قادرة على إسقاط النظام. ظلّت الصخرة شاهدة على براءة الحلم.
نجا صفاء من الموت، لكنه لم ينج من البرد والوحدة في أقصى بلدان الثلج، في النرويج.. فهناك منفى أبيض يطحن العظام.
بعده، واصل مكي الرحلة حتى المنفى، هناك بدأ يشيّد عالمه الخاص، كان منذ بداية تجربته الفنية قد سعى إلى إثبات وجوده المتميز في الحركة التشكيلية العراقية المعاصرة، بمزيد من الاجتهاد الصامت، والبحث الجاد في امتلاك مقومات التفرد وعناصره على صعيد الشكل والتقانة، أو على صعيد الموضوع والطروحات الفكرية والفلسفية التي تملّكت صاحبها، فاختطّ لنفسه توجّهاً وأسلوباً متميزاً في النحت.
ظلت هناك، يداه تصوغ البرونز كما لو أنه كائن حي، توقظه من سباته، لم يبق لي منك يا صديقي سوى حكايات ورسائل كانت تصل كتحايا دافئة من منفى بعيد، وضحكات ظننتها قادرة على ردّ الوحشة، فإذا بها تتلاشى واحدة إثر أخرى.
رحلت وحيداً، كأن الوحدة قدرك الأخير ـ في مشغلك بين أدواتك ومنحوتاتكالتي تعرفك، لكنها لا تجيد النداء أو البكاء، تأبى أن تمضي بلا وداع، لم يحتمل البرونز فكرة رحيلك، فانحنى عليك حزناً، وكسر صمته. اتّشح بالسواد وأعلن حداده عليك.. كنت توقظه، تعلّمه الوقوف في مواجهة عالم لا يحتمل.فمنحته الجسارة والحياة.
نم مطمئناَ يا مكي، يا رفيق الطريق، يا ابن البصرة الحزينة، المدينة التي أنهكتها الحروب والحضارات، غادرتها وأنت تحمل طين الجنوب وملح الشطّ، وصبر الأمهات، لقد انتظرت بلا جدوى، وفي المنافي البعيدة ظلت كفّاك الجميلتان دافئتين، تعيدان صياغة البرونز، كما لو أنك تعيد بناء وطن صغير تقيم فيه.
سلام عليك في رقدتك الأخيرة..
سلام على وجهك المنير.. وعلى يديك اللتين علّمتا المعدن كيف يحيا، ويحزن، وكيف يخلد.