اخر الاخبار

أكان مصادفة أن يأتينا من (سنجار)، تلك المدينة المرتبطة باسم (سين) إله القمر عند البابليين؟ هذا القادم من تاريخ موغل بالضياء الآتي من سين جار وأساطير بابل، ممتداً في إبداعه من القصة والرواية، إلى النقد، والتراث، والأسطورة .. وفي كل ذلك، بل وفي كل سيرته الغنية، كان متمسكاً بالقيم والغايات الساميات، ليقدم مثالاً مضيئاً للمثقف المخلص لفنه، والساعي إلى قضية عادلة .. ومن أجل ذلك خاض المعارك، وعانى الويلات، وتجاوز المحن، ورفع عالياً صوت التحدي والاحتجاج، وظلّت خطواته تسير، واثقة، صوب ضفاف الحقيقة والحرية والجمال .. هذا التنوع المعرفي الإبداعي، والعقل النقدي، والتنقيب في الذاكرة، وتجسيد روح الباحث الألمعي والمثقف الجريء، هذا بعض مما اجترحه ناجح المعموري من مأثرة يليق بنا، نحن المحبين، أن نتعلم من معانيها، ونستلهم عِبَرها الموحيات، ونمجّد، عبر ذلك، روح وذكرى مبدعها الفريد .. هنا، على هذه الأرض، وعند ضفاف الفرات، ووسط الملاحم والأساطير، كان صوت المعموري يسمو، وهو يعود إلى أجداده، غائراً في أوراقهم، ومستدعياً أيامهم وأنوارهم، ليطرح، من جديد، أسئلة الحياة، وكان بارعاً في صياغة هذه الأسئلة، فقد كانت أصابعه تتلمس جدران بابل فتشتعل بمصابيح قادته من تاريخ سحيق وجاءت به إلينا نحن المتعطشين إلى النور .. أياديه هي التي حاولت أن تعيد بناء برج بابل، وقد رأيناها وهي تمر بجنائن معلقة، لتنعطف صعوداً إلى سماء .. إنه العارف بالأسرار، يحمل معه مشاعل مردوخ، وحيرة جلجامش، وتراتيل أنخيدوانا، وأشواق عشتار لتموز، وقصة أينوما إليش ... وأسراراً أخرى .. وأسرارا ..

*      *      *

اليوم أتذكر، من بين صفحات أخرى بدّدت عتمة زماننا، تلك الأيام، بل السنوات التي كنتُ فيها، وكوكبة من أحفاد سين الحليّين، يضيئون بابل في سبعينيات القرن الماضي. كنا نلتقي كل عصر تقريباً في مقر الحزب الشيوعي، وأحياناً في مقهى (الجندول) على شط الحلة. وكانت لنا، ناجح وأنا، وآخرون من أحبتنا، حوارات جميلة حول الأدب والفن والثقافة. وفي تلك السنوات كان لناجح، العضو في المكتب الصحفي في منطقة الفرات الأوسط، دوره المشهود في العمل سوية مع نخبة من الرفاق المثقفين، من بينهم الشهيد قاسم محمد حمزة، والراحل أمين قاسم خليل. وفي ذلك الحين كان المكتب الصحفي في الفرات من أبرز المساهمين في صحيفة (طريق الشعب). وأتذكر، من بين أمور كثيرة أخرى، أن المعموري كان يذهب إلى مقر الجريدة في بغداد ليساهم في لجنة فحص القصص في القسم الثقافي، وكان، أحياناً، يحضر الاجتماعات الخاصة بصفحة (مرحباً يا أطفال). ومعروف لمثقفي وأدباء الحلة ذلك النشاط الدؤوب الذي كان يمارسه ناجح في الميدان الثقافي، وكان يتمتع بمكانة معروفة في أوساط المثقفين في الحلة والفرات الأوسط وعموم البلاد. ولعل من جميل ما أتذكره عن تلك السنوات ما تعلمناه، ونحن نعمل في المكتب الصحفي في الفرات، الذي كنت، وقتها، مسؤولا عنه، من القائد الشيوعي الراحل محمد حسن مبارك (أبو هشام)، الذي كان قريباً من اهتماماتنا الثقافية، وشغفنا بجماليات الأدب والفن. وكان أبو هشام يدعوننا، ناجح وقاسم وأمين وأنا، إلى بيته القريب من مقر الحزب في محلة الإبراهيمية في الحلة، ليحدثنا عن الذكريات، ويخوض معنا النقاشات، ويسمعنا مقطوعات من الموسيقى الكلاسيكية، كانت على أسطوانات مرتّبة في رفوف مكتبة عامرة. كانت تلك سنوات فريدة في حياة ناجح المعموري، وفي حياتنا الثقافية والسياسية، فيها الكثير من الذكريات الجميلة (والمريرة أيضاً !) والتجارب الغنية. وأتذكر أن فقيدنا تحدث عن بعضها في مداخلة قدمها في لقاء ببغداد حول (الصحافة الشيوعية في العراق) في تشرين الثاني 2021، وقد نشرت وقائعه في صحيفة (طريق الشعب) في حينه.

*      *      *

إنهم يرحلون واحداً إثر آخر .. أما نحن فعلى أكتافنا نحمل ثقل الفاجعة، ونمضي، في هدي من مثالهم، بنور التذكر نحو الضفاف التي حلموا، ومعهم حلمنا، بها ..

أبا وهب، كنتَ عنواناً للصداقة ورفقة الكفاح، وتاريخاً مفعماً بالمآثر، وينبوعاً متدفقاً في الإبداع ..

من أي المنعطفات كان جدّك سين يحل على روحك ؟ ومن أي الدروب كنتَ تلجأ إليه فيمنحك الضياء ؟

أيها المعموري، صوتك يظل صادحاً في وحشة أيامنا، ونحن نعلم أنه قرين بابل، ولا يرتقي إلا عند ذرى جنائن معلقة .. أنتَ، أيضاً، ممن قُدَّت أرواحهم من بلور .. مددتَ إلينا يداً وجذوراً .. منحتَنا غصن نور مورق .. اليوم نأمل أن نردّ إليك بعضاً من جميل .. نمنحك كلماتٍ تعلمناها منك، لعلنا نفي ببعض وعدٍ لشقيق روح !