اخر الاخبار

رحل صانع السرديات والاساطير، رحل ناجح المعموري وهو يحمل معه سيرة الباحث عن الحقيقة التي ضيعها الفلاسفة، أو تركوها عالقة بالنصوص، تلك التي يمكن أن تُقرأ وتوؤَّل، لكي تمنح الكائن شجاعة البحث عن كينونته، بوصفها الحقيقة المفقودة، والمُحرِّضة على البحث العجائبي الذي اختاره كلكامش لوجوده..

كان المعموري يرى العالم وكأنه اسطورة، وأن ابطالها يمكنهم أن يفرضوا سطوتهم واسحارهم ومتخيلهم، حيث يملكون طاقة التعالي والفحولة، وربما يفكرون بطرق مختلفة، لذا ظل يفكر بالخلود دائما، خلود المعنى والحب والعمل ومواجهة الشر، مثلما ظل يقرأ الموت ليس بوصفه النهاية الميتافيزيقية للوجود، بل بوصفه الرهان على البقاء في السيرة، وفي النص من خلال العمل والابداع والشغف بتقشير العالم على طريقة الأفعى الاسطورية.

منذ أن شارك اصدقاءه في اصدار مجموعة قصصية في السبعينات وهو يفكر بقدرة السرد والحكي على تخليص العالم من النسيان، لذا وجد في سيرة الشهرزاد، وفي ملحمة كلكامش عتبات وشفرات للتعرّف على ما يمكن أن يصنعه السرد من زمن مواز، أو من وجود مواز، ليفتح الأبواب على كشوفات معرفية وثقافية وانثربولوجية، تتيح للباحث معرفة الكثير من اسرار وطلاسم العالم، وعلى علاقة هذا العالم بالاساطير، ليس بوصفها حكايات خارقة، بل لأنها تمثيل للوجود القديم، حين كان الانسان يبحث عن ذاته، عن سر جسده وسلطته وعلاقته بالطبيعة والموت والجنس والقوة.

اثار المعموري طوال حياته جدلا حول علاقة المعرفة بالاسطورة، لا سيما ما يتعلق باساطير وادي الرافدين، إذ اثارت كتاباته اسئلة نقدية تخص الفلسفة والفكر، وتخص علاقتهما بالسرديات، بوصفها مجالا للتدوين والتخيل ومناكفة التاريخ، التاريخ الذي يصنعه الاقوياء، وعبر عشرات الكتب التي اصدرها المعموري تحولت "مكتبته الاسطورية والنقدية" الى سيرة حافلة ومختلفة للمثقف العراقي، المثقف النقدي المتسائل عن جدوى المعرفة، وعن فاعليتها في صياغة "العقل النقدي" وفي ابراز وظيفته في مواجهة الاستبداد والقمع والكراهية، وهذا ما يؤشر طبيعة اهتمامه بتدوين الاساطير، فهي لا تعني له اهتماما بالجينولوجيا، وبنشوءات المعرفة في العراق القديم حسب، بل تعني له – أيضا- الوعي باهمية الحفر المعرفي كواسطة للكشف عن ذاكرة السلطة، وعن ذاكرة العنف، وعن علاقة السلطة بالمقدس والعقائد الاسطورية، واهمية حيازة المثقف النقدي وعيه المتعالي في وعي الرفض والمقاومة، وفي الكشف عن تحولات الوجود الذي لعبت الاساطير دورا في صياغته، وفي تشكيل بناه العميقة التي تسللت الى الآداب والمعارف والطقوس والاديان، والى صياغة كثير من العقائد والافكار، وحتى الى الفلسفات التي وجدت في الأسطورة جذرا مؤسسا للتعرف على بدء سرديات الانسان.

كان يكره "المسكوت عنه" رغم أن هذا المسكوت ليس بعيدا عن الاسطورة، فجعل من كتابه " المسكوت عنه في ملحمة كلكامش" مدخلا للتعرّف على المخفي من حكاية هذا الساحر العراقي، فبقدر ما كان يحمله من خصوصية في السيرة وفي التمثيل الملحمي، الا أنه كان شغوفا بالبحث عن الحب وعن الخلود وعن الوفاء والصداقة، وعن البطولة الحقيقية للانسان، حيث مواجهة الشر، وحيث الايمان بأن الخلاص والخلود يكمنان في الالتزام والعمل وفي الحب.

ترك المعموري هذه السيرة المدهشة، مثلما ترك لنا اساطيره الشخصية وهي تلمس يومياتنا، تحفر فيها، أو تسخر منها، أو يبحث لها عن علائق افتراضية مع تلك الاساطير التي تشغله، ومع شخصياته التي عاش معها وكأنها جزء من  حياته، ومن صياغته لمفهوم "العائلة المقدسة" إذ كانت تلك الاهتمامات التي لم تفارقه، لأنه كان يؤمن بها عميقا، وبأن لإنسان يملك حقا في صناعة اسطورته الوطنية، وأن التزامه بقضايا شعبه تجعله اكثر حرصا على الدفاع عن تلك "الاسطورة" من خلال مواجهة الظلم، وكراهية الاستبداد، وفي أن يجعل من وعيه الثوري والانساني متعاليا، ليس في راديكاليته، بل في تغذية مجال عمله، وفي صياغة الاسئلة التي تجعله أكثر حساسية ازاء وجوده، وازاء مسؤولياته في العمل الوطني والسياسي والمهني.