اخر الاخبار

تتبوأ الناقدة العراقية فاطمة المحسن موقعًا مميزًا في النقد العربي المعاصر، بفضل مسيرة فكرية وثقافية امتدت عقودًا، تميزت خلالها برؤية نقدية رصينة، ومنهج مرن، ووعي عميق بالتحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي شهدها العراق والعالم العربي.

استطاعت المحسن أن تكون واحدةً من القلائل الذين جمعوا بين عمق التحليل ودقّة القراءة، وبين الانفتاح على حقول معرفية متعددة من التاريخ والأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا، وصولًا إلى تحليل الخطاب الثقافي والفني بمستوياته كافة.

تعود فرادة فاطمة المحسن إلى خلفيتها الأكاديمية والفكرية (الماركسية) التي اتكأت على قراءة واسعة للتراث العربي والحداثة الغربية. فقد درست الأدب العربي، لكنها لم تكتف بمناهج الدرس الجامعي التقليدي، بل انفتحت على تيارات نقدية متعددة، من البنيوية إلى السيميائيات، ومن النقد الثقافي إلى دراسات الخطاب.

ومع هذا التنوّع ظلّ هاجسها الأساسي هو ربط النص بسياقه، وفهم العمل الأدبي بوصفه ظاهرةً اجتماعيةً وثقافيةً، وليس كيانًا لغويًا مستقلًا. وهذا ما منح مشروعها النقدي امتدادًا يتجاوز حدود التحليل التقني، ليصل إلى تفكيك البنى العميقة للوعي العربي الحديث.

بصمة النقد الثقافي في مشروعها

من أهم ما يميّز فاطمة المحسن قدرتها على ممارسة النقد الأدبي ضمن أفق النقد الثقافي، فهي لا تنظر إلى النصوص من زاوية جمالية خالصة، بل تحللها بوصفها نتاجًا للهوية، والانتماء، والتاريخ، والتحولات الاجتماعية. ويتجلى هذا على نحو واضح في كتاباتها التي تناولت سرديات الذاكرة العراقية، وصور المثقف العربي، وتمثّلات المرأة، وملامح التحديث والحداثة في المجتمع العراقي. وقد كانت من أوائل النقاد العرب الذين درسوا علاقة المثقف بالسلطة خارج ثنائية التمجيد أو الإدانة، مقدّمة رؤيةً تحليليةً تتقصّى البنى الثقافية العميقة التي تنتج هذا الصراع.

إن واحدة من السمات التي منحت المحسن مكانة رفيعة هي لغتها النقدية، فهي تكتب بلغة تجمع بين الفصاحة والعمق والمرونة، حيث تتجاور في نصوصها الجملة المحكمة مع التأمل والفكرة مع الإيحاء.

أسلوبها بعيد عن الجفاف الأكاديمي المألوف في النقد، مشبع بذائقة أدبية جعلت مقالاتها أقرب إلى النصوص الإبداعية من دون أن تفقد قيمتها العلمية. وقد ساعدها ذلك في الوصول إلى جمهور واسع، من المثقفين والكتّاب والطلبة، ممن وجدوا في كتاباتها وضوحًا وعمقًا في آن واحد.

حضور المرأة في خطابها النقدي

على الرغم من أن فاطمة المحسن لا تكتب نقدًا نسويًا بمعناه الحركي (أو النظرية النسوية)، فإن كتاباتها لها أثر كبير في تغيير موقع المرأة في المشهد الثقافي العراقي والعربي. وبذلك فهي تقدم أنموذجًا للناقدة التي تعتمد على الكفاءة المعرفية والجدارة العلمية قبل أي تصنيف آخر. كما أن قراءاتها للرواية والشعر والفنون تكشف وعيًا دقيقًا بتمثّلات الجسد، وصورة المرأة، ودور الثقافة الذكورية في تشكيل بنية السرد العربي. وبهذا المعنى هي ناقدة تكتب من منظور وجودي وإنساني، لا من منظور دعائي أو أيديولوجي.

إسهاماتها في دراسة السرد العراقي

قدّمت فاطمة المحسن إضافات نوعيةً إلى دراسة الرواية والقصة العراقية، عبر قراءات تتقصى صلة السرد بوقائع التاريخ والتحولات السياسية. فقد تناولت سرديات المنفى، والحرب، والمدينة، والتحوّلات الطبقية، كاشفةً عن الأنماط السردية التي تشكلت في ظل نظام الدولة الحديثة وما بعده.

وتُعدّ تحليلاتها للرواية العراقية من أدقّ الدراسات التي قاربت هذا الحقل، بما تمتاز به من حسّ تاريخي وقدرة على التأويل، وبما توفره من مقارنة بين تجارب عراقية وعربية وعالمية.

الناقدة بوصفها شاهدة عصر

لا يمكن قراءة مشروع المحسن بمعزل عن علاقة المثقف العراقي بتاريخ بلاده، فهي لا تكتب من برج عاجي، بل من موقع الشاهد على التحولات الكبرى: الحروب، المنفى، انهيار الدولة، صعود الخطابات الهوياتية، تراجع دور المثقف، وتحولات الثقافة. لذلك تبدو كتاباتها النقدية في كثير من الأحيان أقرب إلى سِيَر ذاتية ثقافية، تسرد فيها ذاكرة جيل كامل عبر تحليل نصوصه ووقائعه وخطاباته. إنها ناقدة تقرأ النصوص بوصفها جزءًا من سيرورة اجتماعية، وتقرأ الواقع بوصفه نصًا مفتوحًا على التأويل.

أثرها في المشهد الثقافي العربي

ترك حضور فاطمة المحسن أثرًا كبيرًا في جيل من الباحثين والكتّاب، الذين وجدوا في كتاباتها أنموذجًا للنقد الذي يجمع بين المنهج والتحليل والتأمل. وقد أسهمت إسهامًا واضحًا في تطوير الدرس النقدي في العراق والعالم العربي، سواء في مقالاتها أو مشاركاتها الثقافية أو في كتبها (تمثّلات الحداثة في ثقافة العراق، تمثّلات النهضة في ثقافة العراق الحديث، أدب المنفى: دراسة في الأدبيات العراقية، مقالات في الشعر، سعدي يوسف: النبرة الخافتة في الشعر العربي الحديث، والرحلة الناقصة: سيرة). إن فاطمة المحسن ليست مجرد ناقدة بارزة، بل صاحبة مشروع فكري ونقدي متكامل، ينهض على قراءة المجتمع والثقافة من خلال النصوص، وقراءة النصوص من خلال التاريخ والتحولات الكبرى. لقد جمعت بين الحسّ الأدبي والدقة العلمية، وبين الجرأة النقدية والاعتدال المنهجي، فاستحقت بحق وصف "ناقدة رفيعة المستوى"؛ لأنها حافظت على جوهر النقد: الكشف، التفكيك، والتحليق خارج الأطر المكرّسة.