اخر الاخبار

من الصعب عزل الثقافي عن السياسي، أو عزل قدرة الفاعلية الثقافية عن دورها في اثراء المجال السياسي بالأفكار والإنتاج المعرفي، وعلى نحو يجعل من التفاعل السياسي الثقافي مجالا افتراضيا لتمثيلها فكرة "المجال العام" بوصفه ممارسة نامية لتقبّل الحوار والمراجعة والمساءلة، وكذلك جعله مساحة يمكن اشغالها بالأفكار التي تتبدى من خلال الصراع، أو من خلال التواصل، عبر اللغة والايديولوجيا وعبر المؤسسة والخطاب والهوية، وكذلك عبر ما يتبدى في ورش العمل والتظاهرات والاجتماعات والندوات، وحتى في المحاضرات التفاعلية.

إن ما يصنعه المجال العام يدخل في سياق التعبير عن ديناميات مركبة، يشتبك فيها الخطاب الثقافي بالمجال السياسي، وبمدى استعداد النظام للقبول به كفاعلية تتسع للنقد والحوار والاسئلة، ولمشروعية تفاعلها مع الأفكار التي تخص الحريات والحقوق، أو التي تخص علاقتها الغامضة والمخفية بمركزيات النظام السياسي، وبما يصنعه من أدوات للاعتقال والتغييب والرقابة والاستهلاك، والتي لن تكون بعيدة عن الأنماط السائدة، في التعليم، وفي تداولية الأفكار والقيم والسيميائيات الاجتماعية، بوصفها مجالات رمزية للتمثيل الطبقي والديني والاجتماعي والطقوسي. خطورة تمثيل السلطة للفهم السياسي في المجال العام تظل مشدودة الى فكرة الاخضاع، والى توجيه المعرفة الى التشيء، والى التعبير عنه عبر شعارات وعناوين، وكذلك عبر منظومة علاقات، تحكمها أفكار وسياسات، ليست بعيدة عن تمثيل ثنائية السلطة الخطاب، إذ إن من يملك السلطة سيكون مدفوعا لامتلاك الخطاب أيضا، عبر القوة والايديولوجيا، وعبر تحويل "الإنتاج الثقافي" الى انتاج يتمركز حول "ذات الخطاب" بوصفه تمثيلا لإرادة القوة في النظام السياسي، وفي تكيفه مع التمثيل الانثربولوجي  الذي ينحاز الى ما تصنعه السلطة، وليس الى ما يبدو صاخبا في تظاهرات واحتجاجات المجال العام، لأن هذا المجال التظاهري، أو الإصلاحي سيكون خاضعا لرقابة السلطة التي تجعل من جهازها السياسي في حالة استنفار إزاء النقدي، لا سيما نقد التاريخ والسياسة والسلطة..

تمثيل السلطة لوجودها في المجال العام لن يكون بريئا، لأنه سيبدو مُلفقا، عبر اقنعة متعددة، وعبر ما سيصنع من نصوص هجينة، حيث تلتقي الأفكار بنقيضها، والتي سرعان ما تتحول الى نصوصٍ طاردة، أو قمعية، فتجعل من السلطة أداة لرفض الآخر، ولتوصيف قضايا إشكالية تخص الهوية والحرية والحق والعدالة والفهم، بنوع من ضيق الأفق، وهذا ما يجعل المجال العام، لا سيما التظاهري مجالا مخترقا، وخاضعا للرقابة، وأن وعي المثقف في سياقه سيكون محاصرا بقصدية واضحة، وباجراءات تنفي عنه الحيادية، وبالشكل الذي يدفعه الى الإحساس بالهامشية، وبأن الحاجة الى تمثيل قوة الثقافي ستحتاج الى ما يمكن تسميته ب"الاعتراف السياسي" لأن علاقات السلطة ستكون عندئذ خاضعة الى مرجعيات أيديولوجية تُغذّي مركزها الجيوثقافي، وباتجاهٍ يجعلها تُسهم في تكريس فهمٍ قهري لمفاهيم ملتبسة مثل الأمة والدولة، وعبر انساق "سائلة" يكون فيها المتخيّل هو التاريخي، والمعرفي هو السلطوي ذاته، بوصف السلطة، أو الجماعة- هنا-  تمتلك مجالا تمثيليا لمؤسسات لها طابع أيديولوجي أو طائفي، يسوّغ لها انتاج ثقافات وسياسات تتناظر في التعبير عن وعيها المأزوم للتاريخ، ولمفهوم الحاكمية في سياق فقهي وليس بيداغوجيا.. أن صناعة المجال العام في الحالة العراقية سيظل مثار خلاف مفتوح، ومراجعة لطبيعته وهويته، وبفاعليته في أن يتحول الى قوة نقدية تساعد "النظام السياسي" على التخلص من اوهامه، ومن بيروقراطيته، وعلى نحوٍ تبدو فيه الفاعلية النقدية قوة موازية، لمواجهة ازمة "الدولة المستحيلة" بتوصيف وائل حلاق، ولمواجهة تنامي جماعات العنف الطائفي والإرهاب والتكفير، بوصف أن المجال العام سيؤدي وظائف اشهارية عبر وسائل الاعلام، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعبر التظاهرات والرأي العام، وحتى عبر الديمقراطية، بوصفها مشاركة جامعة، تستدعي وجود برامج وحوارات واعلانات ومنابر تعمل على تنمية المجال العام، في سياقه التمثيلي، أو في سياقه الذي يدعو الى السيطرة على مشروع النظام السياسي وعلى مؤسساته الحاكمة.