في ظل عودة ملف قانون خدمة العلم إلى واجهة النقاش، بوصفه أحد التشريعات السيادية المرتبطة بالأمن الوطني وبنية الدولة، يتداخل في طرحه الحالي عدد من عوامل سياسية وطائفية واقتصادية واجتماعية، ما يجعله قضية مركبة تتجاوز البعد العسكري؛ إذ تتباين المواقف بشأن جدواه وإمكانية تطبيقه، بين من يراه ضرورة لتعزيز قدرات الدولة وتنظيم العلاقة بين المجتمع والمؤسسة العسكرية، ومن يحذر من كلفته وتعقيداته في ظل الظروف الراهنة. وبين هذين الاتجاهين، يبرز تحدٍ أساسي يتمثل في العجز عن تناوله ضمن إطار وطني يستند إلى الدستور ومتطلبات الواقع، ما يجعله أسير التجاذبات السياسية والخطابات المتباينة التي ستؤثر، حتما، على مسار تشريعه ومضمونه.
القراءة الاولى انعشت الانقسام السياسي
واتم مجلس النواب، الأحد الماضي، القراءة الأولى لمشروع القانون، وسط انقسام سياسي واضح بشأن فرص تمريره وتداعيات تطبيقه، إذ سبق أن شهدت السنوات الماضية محاولات متكررة لتمرير القانون من قبل قوى داخل منظومة الحكم، إلا أنها اصطدمت برفض قوى أخرى مؤثرة، اعتبرت في عام 2022 أن القانون يفرض أعباء مالية كبيرة على الدولة ولا يتلاءم مع الظروف الاقتصادية والأمنية آنذاك، ما أدى إلى تعطيل مساره التشريعي.
وكان رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني قد وجّه، في نهاية عام 2022، بسحب مشروع القانون من البرلمان وإعادته إلى مجلس الوزراء، ليتوقف النقاش حوله مؤقتاً قبل أن يُعاد طرحه حالياً ضمن معطيات سياسية وأمنية مختلفة، لكن مع عودة القانون إلى الواجهة، برزت مجدداً الخلافات السياسية، حيث اتجهت بعض القوى المتنفذة إلى تحريك خطاب إعلامي يعيد صياغة النقاش على أسس طائفية ومكوناتية، بدلاً من التركيز على الجوانب القانونية والفنية لبنود المقترح وأهدافه الدستورية، وما مدى الحاجة اليه الان؟.
40 نائبا يرفضون المضمون
وفي هذا الإطار، قدم 40 نائباً طلباً لسحب المقترح من جدول الأعمال، مبررين ذلك برفضهم لمضمونه، في حين ألمح آخرون إلى أن القانون قد يستهدف تشكيلات بعينها، من بينها "الحشد الشعبي". بالمقابل، رفض رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي توصيف المشروع على أنه "تجنيد إلزامي"، مؤكداً أن الهدف منه لا يتمثل في عسكرة المجتمع، بل في تعزيز شعور الانتماء الوطني لدى فئة الشباب.
"ضرورة وطنية قصوى"
من جانبها، كشفت لجنة الأمن والدفاع النيابية أبرز ملامح مسودة القانون، حيث أوضح عضو اللجنة خالد العبيدي أن طرح القانون في الوقت الحالي يمثل "ضرورة وطنية قصوى"، معتبراً إياه رافداً مهماً لدعم قدرات الجيش العراقي وتعويض النقص في الموارد البشرية خلال السنوات الماضية. وأشار إلى أن مسودة القانون تتضمن تفاصيل تتعلق بمدة الخدمة والرواتب، مبيناً أن الخدمة قد تمتد إلى سنة ونصف لغير الحاصلين على شهادات دراسية، فيما تقل المدة لحملة الشهادات العليا، مع إمكانية تعديل هذه الفترات وفق احتياجات وزارة الدفاع.
وأضاف العبيدي أن الأعمار المشمولة بالقانون تتراوح بين 18 و45 عاماً، مع وجود مقترحات لتقليص الحد الأعلى إلى 30 أو 35 عاماً بهدف التركيز على فئة الشباب. كما لفت إلى أن رواتب المكلفين ستكون أقل من رواتب المتطوعين، على أن يتم تمويلها ضمن موازنة وزارة الدفاع وبما يحقق التوازن في احتياجات المؤسسة العسكرية.
وأكد العبيدي أن القانون لا يزال في مرحلة القراءة الأولى، وأنه سيخضع لنقاشات موسعة وجلسات حوارية مع الجهات المختصة، خصوصاً وزارة الدفاع، لمعالجة الملاحظات الفنية والقانونية قبل المضي بتشريعه. كما أشار إلى أن من بين الأهداف المعلنة للقانون معالجة البطالة، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وترسيخ قيم الانضباط لدى الشباب، فضلاً عن دعم المؤسسة العسكرية وتعزيز التلاحم الوطني بين أبناء المحافظات المختلفة.
65 دولة تطبقه
الى ذلك، أكد الخبير الأمني مخلد الذرب أن قانون التجنيد الإلزامي يُعد من القوانين المهمة المعمول بها في أكثر من 65 دولة، وكان العراق قد اعتمده في مراحل سابقة، مشيرًا إلى أنه يمثل أداة فاعلة لدمج مكونات المجتمع ضمن إطار وطني واحد قائم على خدمة البلاد.
وقال الذرب لـ"طريق الشعب"، أن هذا القانون يسهم في تعزيز الروح الوطنية والانتماء لدى الشباب، وهي قيم شهدت تراجعاً خلال السنوات الماضية، مبينًا أن تطبيقه يمكن أن يدعم التماسك المجتمعي ويقلل من الانقسامات المذهبية والقومية، فضلًا عن إمكانية مساهمته في معالجة جزء من مشكلة البطالة.
لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة إجراء دراسة شاملة تأخذ بنظر الاعتبار الواقع العراقي الحالي، مؤكداً أن إقرار مثل هذا القانون يتطلب أولاً قراراً سياسياً، قبل أن يكون قراراً عسكرياً، لاستيعاب الأعداد الكبيرة المشمولة به.
وأشار إلى أن تطبيق التجنيد الإلزامي يحتاج إلى موازنات مالية خاصة وبنى تحتية متكاملة غير متوفرة، اضافة للمعسكرات والتجهيزات اللوجستية القادرة على استيعاب الأعداد، إضافة إلى منظومة إدارية وتنظيمية دقيقة، لافتاً إلى وجود معوقات اقتصادية ومجتمعية كبيرة تعرقل التنفيذ.
ونبه الذرب الى أن العراق لا يزال يواجه تحديات في بناء جيش وطني موحد يمتلك عقيدة عسكرية راسخة، موضحاً أن هذه العقيدة لا تُبنى عبر الرواتب أو الامتيازات، بل عبر ترسيخ القناعة لدى المقاتل بأداء واجبه الوطني، مع ضمان الاستقرار المعيشي لعائلته خلال فترة خدمته.
كما نوه بأن المؤسسة العسكرية تعاني من اختلالات في الجهوزية، مشيراً إلى أن أعداداً كبيرة من المنتسبين تجاوزت أعمارهم الأربعين عاماً، ما يؤثر على الكفاءة القتالية، داعياً إلى إعادة هيكلة القوات عبر تصفية وتنقية الكوادر، ثم رفدها بطاقات شابة مؤهلة.
ولفت الى أهمية تطوير القدرات العسكرية عبر التحديث في مجالات التسليح، وإنشاء مصانع عسكرية، وتأسيس معاهد متخصصة بالدراسات العسكرية، بما يواكب تطور الجيوش اليوم، خصوصاً في مجالات تكنولوجيا المعلومات والحروب الحديثة.
وخلص الى القول أن تطبيق التجنيد الإلزامي دون تهيئة الظروف المناسبة قد يفتح أبواباً جديدة للفساد ويُثقل كاهل الموازنة العامة، معتبراً أن الوقت الحالي قد لا يكون مناسبًا لاتخاذ قرار من هذا النوع دون استكمال متطلباته الأساسية.
بناء الجيوش يعتمد النوع والكفاءة
في هذا الصدد، حذّر الخبير الأمني عدنان الكناني من التوجه نحو عسكرة المجتمع في العراق، مؤكداً أن مفهوم بناء الجيوش في العصر الحديث يقوم على النوع والكفاءة، وليس على الأعداد الكبيرة، داعياً إلى الانتباه لهذا التحول في العقيدة العسكرية.
واشار الكناني في حديثه لـ"طريق الشعب"، الى إن طرح موضوع التجنيد الإلزامي في الظرف الحالي قد يُستخدم كأداة لخلق أزمات داخلية تشغل الرأي العام عن قضايا أساسية، مشيراً إلى أن بعض الأزمات قد تُدار أو تُفتعل لتغطية إخفاقات أو ممارسات غير معلنة.
وأضاف أن العراق “ليس دولة حرب” بالمعنى الذي يبرر التوسع العددي في القوات المسلحة، على عكس دول مثل الولايات المتحدة أو الكيان الصهيوني، مبيناً أن تلك الدول تمتلك عقائد عسكرية هجومية وقدرات تسليحية متقدمة مدعومة دولياً، فضلًا عن بنى استخبارية وتقنية عالية.
وبيّن الكناني أن العراق يعاني من نقص واضح في منظومات الدفاع الجوي، والتسليح المتطور، والقوة الصاروخية، فضلًا عن غياب منظومة قيادة وسيطرة قادرة على إنتاج قرارات استراتيجية تخدم الأمن الوطني، معتبراً أن الأولوية يجب أن تُمنح لتطوير هذه الجوانب بدل التوسع العددي.
وأشار إلى أن عسكرة المجتمع قد تؤدي الى تعقيد الأوضاع الداخلية، وربما تُعيد سيناريوهات مأساوية سابقة، في إشارة إلى مجزرة سبايكر، محذراً من تداعيات اجتماعية وأمنية.
وفي ما يتعلق بالجدوى العملية للتجنيد، أوضح الكناني أن العراق يمتلك شريحة شبابية واسعة تُقدّر بنحو 8 ملايين شخص ضمن سن الخدمة، منهم مليون و800 الف متطوع حالياً في الاجهزة الامنية، ما يعني وجود فائض كبير يتطلب بنى تحتية ضخمة لاستيعابه.
ودعا الكناني إلى توجيه هذه الموارد المالية نحو مشاريع تنموية تستهدف الشباب، مثل إنشاء مراكز رياضية وثقافية، وتطوير المهارات المهنية والتقنية، بما يعزز قدراتهم الإنتاجية ويوفر فرص عمل حقيقية.
كما شدد على أهمية استثمار الموازنات في تحديث القوات المسلحة عبر تطوير التسليح النوعي والحرب الإلكترونية ومنظومات الاتصالات والقيادة والسيطرة، إلى جانب الاستفادة من الخبرات الدولية.
وحذر الكناني من أن طرح ملف التجنيد الإلزامي سيؤدي إلى إرباك المشهد الداخلي وخلق أزمات جديدة، مؤكداً أن الإصلاح الحقيقي يبدأ ببناء مؤسسات أمنية محترفة وتوجيه الطاقات الشبابية نحو التنمية.
عبء مالي كبير ومخاطر محتملة
في حين اشار الخبير الاقتصادي صالح الهماشي الى التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لقانون التجنيد الإلزامي، مؤكداً أن تطبيقه سيترتب عليه عبء مالي كبير ومخاطر محتملة على الاستقرار المجتمعي.
وقال في تعليق لـ "طريق الشعب" أن الأعداد المشمولة ستكون بالملايين، ما يتطلب توفير الغذاء والتجهيزات والتدريب والتسليح، وهو ما يعني موازنات ضخمة في ظل وضع اقتصادي يعاني من ضغوطات كبيرة.
واضاف أن غياب برامج إعادة التأهيل بعد التسريح قد يؤدي إلى انخراط الشباب في أنشطة غير قانونية أو تشكيل عصابات منظمة، خاصة مع اكتسابهم مهارات عسكرية متقدمة.
وأشار إلى أن التأثيرات الاجتماعية لا تقل خطورة، إذ إن إطلاق أعداد كبيرة من الشباب المدربين إلى المجتمع دون احتواء قد يخلق بيئة خصبة للعنف.
وختم بالقول إن الأولويات الاقتصادية يجب أن تركز على البطالة والخدمات، معتبراً أن المضي بالقانون في هذه الظروف قد يفاقم التحديات.
خطابات متناقضة
ويثير مقترح إدراج “بدل نقدي” ضمن القانون إشكاليات تتعلق بالعدالة والمساواة، إذ قد يحول الواجب الوطني إلى خيار مرتبط بالقدرة المالية، ويكرّس الفوارق الطبقية. كما أن تحديد فئات مشمولة دون غيرها يهدد بتحويل القانون إلى أداة انتقائية، ويقوّض الثقة به كمشروع وطني جامع.
في المقابل، يمكن الدفاع عن القانون بوصفه أداة لتعزيز المواطنة والانضباط ورفد المؤسسة العسكرية، إذا ما صُمم ونُفذ بشكل متوازن.
لكن جوهر الإشكال لا يقف عند القانون بحد ذاته، بل عند طبيعة الخطاب السياسي الذي يديره: ففي الوقت الذي يتحدث فيه النائب خالد العبيدي عن “ضرورة وطنية قصوى”، يعود ليقرّ ضمنياً بأن تشريع القانون قد يفتح باب “الواسطات” لمحاولة الشمول به، ما يكشف تناقضاً بين خطاب الوطنية وواقع الإدارة.
وفي حين يرفض رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي وصفه بالإلزامي ويطرح صيغة “اختيارية”، فإنه يعيد تعريف جوهر القانون نفسه، ما يثير تساؤلات حول وضوح الرؤية التشريعية. فيما يلوّح النائب سعود الساعدي برفض تمرير القانون في حال تضمّن “استهدافاً” لتشكيلات معينة، واضعاً الاعتبارات الفئوية فوق النقاش القانوني العام.
هذه المواقف، رغم اختلافها، تكشف سمة مشتركة: عجز القوى السياسية عن مقاربة قانون سيادي من منطلق وطني جامع، واستبداله بخطابات متناقضة تتراوح بين التخويف، والمناورة، والدفاع الفئوي.
فبدلاً من أن يكون النقاش حول مدى جاهزية الدولة، وكلفة التطبيق، وملاءمته للدستور، يتحول إلى سجال سياسي يعكس أولويات القوى نفسها، لا أولويات الدولة، وبالتالي فإن هذه هذه القوى إذا كانت غير قادرة على مناقشة قانون واحد بمنطق وطني، فكيف يمكنها إدارة دولة بكل تعقيداتها؟!
مع انتهاء دورة حكومية امتدت لأربع سنوات، تتجه الأنظار إلى تقييم شامل لأداء السلطة التنفيذية في العراق، وسط التساؤلات حول وعودها التي اطلقتها في مختلف الملفات الحيوية.
وبين حديث رسمي عن منجزات واستقرار، وقراءات نقدية تشير إلى إخفاقات بنيوية، يبرز جدل واسع حول حقيقة ما تحقق على الأرض، وما إذا كانت تلك المرحلة قد أسست لتحول حقيقي أم كرّست أزمات قائمة بأشكال جديدة ستفرض تحديات اكبر على الحكومة القادمة.
وفي الوقت الذي شهدت فيه المنطقة ظروفاً معقدة، انعكست بشكل مباشر على المشهد الداخلي للبلاد، برزت تحديات متشابكة شملت الجوانب الأمنية والاقتصادية والسياسية والبيئية، فضلاً عن ملف الحقوق والحريات.
وبينما نجحت الحكومة في احتواء بعض الأزمات مؤقتا، يرى مراقبون أن هذا الاحتواء لم يرقَ إلى مستوى الإصلاحات الهيكلية المطلوبة، بل بقي ضمن إطار المعالجات الطارئة الانية.
4 ملفات رئيسية تلقي بظلالها على المشهد
اقتصادياً، بقيت البلاد تعتمد بشكل شبه كامل على الإيرادات النفطية، دون تحقيق تقدم ملموس في تنويع مصادر الدخل، فيما استمر الإنفاق الحكومي بالتركيز على الجوانب التشغيلية، وفي تزايد، الأمر الذي عمّق الطابع الريعي للاقتصاد. أما على المستوى الأمني، فقد طغت حالة من “الاستقرار الحذر”، رافقتها خروقات متكررة، واستمرار تحديات السلاح خارج إطار الدولة، وتعدد مراكز القرار العسكري والامني.
بينما سياسياً، لم تتمكن القوى الحاكمة من تجاوز معضلة المحاصصة، التي بقيت تتحكم بتشكيل الحكومات وإدارة مؤسسات الدولة، ما انعكس على طبيعة القرار وإمكانية تنفيذه وعلى ما يبدو انها لن تغادرها.
وفي موازاة ذلك، برزت مؤشرات على تراجع في مستوى الحريات العامة، مع تصاعد الشكاوى من استخدام الأدوات القانونية في ملاحقة منتقدي الأداء الحكومي، الأمر الذي أثار مخاوف بشأن تقلص هامش الفضاء الديمقراطي.
بيئياً، تفاقمت أزمات المياه والتصحر والتلوث، في ظل ضعف تنفيذ البرامج الحكومية وقلة التخصيصات، وغياب التخطيط الاستراتيجي القادر على مواجهة التحديات المتراكمة، خصوصاً مع استمرار ظواهر خطرة كحرق الغاز وتراجع الغطاء النباتي.
وفي خضم هذه المعطيات، تتعزز قناعة لدى العديد من الخبراء بأن المرحلة الماضية، رغم ما شهدته من استقرار نسبي في بعض الجوانب، لم تُحدث التحول المنشود في بنية الدولة، ما يضع الحكومة المقبلة أمام إرث ثقيل من التحديات، يتطلب معالجات جذرية تتجاوز الحلول المؤقتة نحو بناء مسارات إصلاح حقيقية ومستدامة.
ارث حكومي ثقيل
في هذا الصدد وصف أستاذ العلوم السياسية د. عصام فيلي، سنوات عمل الحكومة الأربع الماضية بأنها “غير اعتيادية”، عازياً ذلك إلى طبيعة الأزمات والتحولات التي شهدتها المنطقة، والتي انعكست بشكل مباشر على الأداء الداخلي في العراق.
وقال فيلي لـ"طريق الشعب"، إن التقييم العام للحكومة يقتضي تفكيك الملفات إلى مستويات عدة، موضحاً أن الاقتصاد العراقي بقي ريعياً أحادياً، دون تحقيق انتقالة نحو اقتصاد متعدد الموارد، وهو ما يعد – بحسب تعبيره – خللاً بنيوياً مستمراً.
وأضاف أن بعض الإجراءات الحكومية، ومنها رفع الضرائب على البضائع المستوردة، انعكست سلباً على معيشة المواطنين، لا سيما في ظل ضعف القطاع الصناعي المحلي، ما أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية لتتجاوز في بعض الأحيان نظيراتها في دول الجوار.
وأشار إلى غياب خطة اقتصادية متكاملة، مبيناً أن الدول تعتمد عادة على مسارين: خطة للظروف الاعتيادية وأخرى للطوارئ، وهو ما لم يكن واضحاً في الأداء الحكومي، الأمر الذي حدّ من قدرة الدولة على مواجهة الأزمات.
وعلى الصعيد الأمني، أوضح فيلي أن المرحلة الماضية شهدت خروقات متعددة، لا سيما من قبل بعض الفصائل المسلحة، سواء عبر استهداف مصالح أجنبية أو مناطق داخلية مثل إقليم كردستان، ما يعكس حالة “هشاشة أمنية” أثرت على صورة العراق دولياً.
ولفت إلى أن حوادث اختطاف شخصيات وصحفيين، رغم الإفراج عن بعضهم لاحقاً، تمثل مؤشراً على وجود خلل أمني، وأسهمت في تكوين تقييم غير إيجابي عن الواقع الأمني في البلاد.
وفي ما يتعلق بالسياسة الخارجية، بيّن أن الحكومة لم ترسم ملامح واضحة لاستراتيجية متماسكة، خصوصاً في ظل المتغيرات الإقليمية، مشيراً إلى أن فرصاً اقتصادية مهمة، مثل تفعيل مشاريع أنابيب النفط باتجاه الأردن ودول أخرى، لم تُستثمر بالشكل المطلوب لتجاوز الأزمات.
لا استقرار سياسيا مع المحاصصة
أما على المستوى السياسي، فأكد استمرار إشكالية المحاصصة بين القوى السياسية، معتبراً أنها لا تزال تمثل عائقاً أساسياً أمام تحقيق الاستقرار وإجراء إصلاحات حقيقية.
وفي ما يخص الحكومة المقبلة، شدد فيلي على أنها ستواجه تحديات أكبر من سابقاتها، في ظل وضوح مواقف المجتمع الدولي الذي – بحسب قوله – بات يدفع باتجاه تشكيل حكومة قوية بقرار موحد، “برأس واحد وليس برؤوس متعددة”.
وأضاف أن المرحلة المقبلة تتطلب حكومة قادرة على تحقيق نهضة اقتصادية، والانتقال من نظام المحاصصة إلى نظام قائم على الكفاءة، محذراً من أن استمرار الصراع على موارد الدولة سيقود إلى مزيد من التدهور.
وانتقد فيلي أداء الطبقة السياسية، معتبراً أنها لا تعيش تماساً حقيقياً مع واقع التحديات، ولا تبدي استعداداً فعلياً لتشكيل حكومة كفاءات، لافتاً إلى أن اختيار المسؤولين غالباً ما يتم من داخل الأطر الحزبية وليس وفق معايير بناء الدولة.
وأشار إلى أن تمسك الكتل السياسية بالوزارات يعكس استمرار نهج المحاصصة، حيث تسعى كل جهة إلى الحصول على حقائب محددة، ما يعرقل أي مشروع إصلاحي.
وحذّر من أن استمرار الفساد والصراع السياسي قد يعرّض العراق لضغوط دولية متزايدة، مؤكداً أن المرحلة المقبلة قد تشهد إجراءات أو مواقف دولية أكثر صرامة في حال عدم تحقيق إصلاحات حقيقية.
وختم بالقول إن العراق يقف أمام مفترق طرق، وأن نجاح الحكومة المقبلة مرهون بقدرتها على إحداث تغيير جذري في إدارة الدولة، عبر تبني خطط استراتيجية شاملة تعالج الملفات الاقتصادية والأمنية والسياسية، وتعيد بناء الثقة داخلياً وخارجياً
تحديات اقتصادية كبيرة
اقتصادياً، قال أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي أن تقييم أداء الحكومة خلال السنوات الأربع الماضية يُظهر تحقيق استقرار مالي نسبي على المدى القصير، لكنه لم يترجم إلى إصلاح اقتصادي حقيقي ومستدام.
وبين في حديثه مع "طريق الشعب"، أن الحكومة نجحت في إدارة الإيرادات النفطية خلال فترات ارتفاع الأسعار، إلا أن هذا النجاح بقي محدوداً، ولم يُستثمر لمعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد العراقي.
وأشار إلى أن أبرز مواطن الإخفاق تمثلت في استمرار الاعتماد شبه الكامل على النفط، دون إحراز تقدم ملموس في تنويع مصادر الدخل، ما أبقى الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسواق العالمية.
وأضاف أن الإنفاق العام ظل موجهاً بشكل كبير نحو الجوانب التشغيلية، لا سيما الرواتب، على حساب الاستثمار الإنتاجي، الأمر الذي عزز الطابع الاستهلاكي للاقتصاد بدلاً من تحفيز النمو الحقيقي.
وبيّن السعدي أن ملف إصلاح القطاع العام لم يشهد تقدماً جوهرياً، سواء من حيث ضبط التوظيف أو تحسين الكفاءة، ما أدى إلى تضخم الالتزامات المالية على الدولة وزيادة الضغوط على الموازنة.
ولفت إلى أن بيئة الاستثمار بقيت تعاني من تعقيدات إدارية وضعف في الثقة، وهو ما حدّ من قدرة القطاع الخاص على أداء دوره في دعم الاقتصاد وتنشيطه.
وأكد أن السياسة المالية اتسمت بطابع قصير الأجل، ركزت على معالجة الضغوط الآنية بدلاً من بناء قاعدة اقتصادية متنوعة، الأمر الذي جعل الاقتصاد العراقي أكثر هشاشة أمام تقلبات أسعار النفط.
وختم بالقول إن المرحلة المقبلة تتطلب تبني إصلاحات هيكلية حقيقية، تعزز تنويع الاقتصاد، وتعيد توجيه الإنفاق نحو الاستثمار، بما يضمن تحقيق استقرار اقتصادي مستدام.
الوضع الامني بقي هشا
وفي الجانب الامني، وصف الخبير الأمني سيف رعد، الأداء الأمني للحكومة خلال السنوات الأربع الماضية بأنه لم يحقق تحسناً حقيقياً، معتبراً أن ما جرى الترويج له كـ”استقرار أمني” لا يتعدى كونه حالة هدنة مؤقتة فرضتها ظروف وتفاهمات مع بعض الجماعات المسلحة.
وأوضح في حديثه لـ"طريق الشعب"، أن بداية تسلم الحكومة شهدت حوادث أمنية متعددة، بينها اشتباكات بين فصائل مسلحة وقوات اتحادية، فضلاً عن توترات مع الشرطة الاتحادية، مشيراً إلى أن هذه الأحداث لم تُعالج بشكل حاسم، بل اتجهت الحكومة إلى تجنب المواجهة واعتماد الحلول التفاهمية، كما حصل في حادثة “المزرعة” بمنطقة الدورة.
وأضاف أن ملف الاغتيالات ومحاولات الاغتيال شكّل أحد أبرز المؤشرات على هشاشة الوضع الأمني الداخلي، إلى جانب استمرار ظاهرة السلاح المنفلت، التي لا تزال تعيق بناء مؤسسات الدولة وتعزيز هيبتها، رغم تبني وزارة الداخلية استراتيجية لحصر السلاح بيد الدولة.
حصر السلاح بقي على الورق
وبيّن أن الوعود الحكومية المتعلقة بحصر السلاح ومعالجة أوضاع الفصائل المسلحة بقيت مؤجلة، لافتاً إلى أن بعض الجماعات لا تمتلك تمثيلاً رسمياً ضمن هيئة الحشد الشعبي، لكنها تمارس نشاطات مسلحة وتصدر بيانات وتنفذ هجمات ما اضفى تعقيداً على المشهد الامني.
وأشار إلى أن هذه الجماعات أسهمت في زج العراق بمواقف حرجة على المستوى الإقليمي، خصوصاً خلال التوترات الأخيرة المرتبطة بالحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، ما انعكس سلباً على علاقات بغداد الخارجية.
وفي هذا السياق، أكد أن الهجمات التي طالت دول المنطقة أدت إلى تصدع في العلاقات الدبلوماسية، تجلّى باستدعاء سفراء، ما أعاد العراق – بحسب وصفه – إلى “نقطة الصفر” في بعض الملفات الخارجية.
وعلى صعيد القدرات العسكرية، أوضح رعد أن الحكومة لم تحقق تقدماً ملموساً في بناء منظومة دفاع جوي متكاملة، رغم إبرام بعض العقود لشراء رادارات وطائرات، معتبراً أن هذه الجهود لم ترقَ إلى مستوى تأمين السيادة الجوية بشكل فعّال.
وأكد أن الحكومة المقبلة ستواجه تحديات كبيرة، في مقدمتها حصر السلاح بيد الدولة، وإعادة بناء الثقة مع دول المنطقة والعالم، فضلاً عن تطوير القدرات الدفاعية، ومعالجة تداعيات الملف الأمني على الاقتصاد والاستثمار، بعد مغادرة بعض البعثات والشركات نتيجة التوترات الأمنية.
وختم بالقول إن المرحلة المقبلة تتطلب إدارة جديدة وخططاً استراتيجية شاملة لإعادة الاستقرار وترسيخ سيادة الدولة على مختلف المستويات.
فشل في معالجة ملف البيئة
وفي ما يخص البيئة، أكد رئيس مرصد العراق الأخضر عمر عبد اللطيف أن تقييم الأداء البيئي للحكومة خلال السنوات الأربع الماضية يُبنى على مدى تنفيذ البرنامج الحكومي، مشيراً إلى أن أغلب الملفات البيئية لم تشهد تقدماً ملموساً، ما أدى إلى تفاقم التحديات البيئية في البلاد.
وقال في حديث مع "طريق الشعب"، أن ملف المياه يُعد من أبرز الإخفاقات، لافتاً إلى استمرار أزمة الجفاف، وضعف نتائج المفاوضات مع كل من تركيا وإيران، ما أبقى العراق عرضة لتداعيات شح الموارد المائية.
وأضاف أن قضايا تلوث الهواء والتغيرات البيئية لم تحظَ بالاهتمام الكافي، باستثناء خطوات متأخرة تمثلت بإعلان وزارة البيئة نصب محطات لمراقبة جودة الهواء، وهو إجراء اعتبره غير كافٍ لمعالجة حجم المشكلة.
وأشار إلى أن استمرار حرق الغاز، المتوقع أن يمتد حتى عام 2028، يمثل أزمة بيئية خطيرة، خصوصاً في المحافظات الجنوبية، حيث تسبب بارتفاع معدلات التلوث والأمراض، بما فيها حالات السرطان، نتيجة الانبعاثات السامة.
وفي ما يتعلق بملف التشجير، بيّن عبد اللطيف أن الحملات التي أُطلقت لم تحقق نتائج تُذكر، بسبب شح المياه وضعف التخطيط، لافتاً إلى أن العديد منها اتخذ طابعاً إعلامياً أكثر من كونه مشاريع بيئية حقيقية.
وأكد أن عدم تنفيذ الجزء الأكبر من البرنامج الحكومي البيئي أسهم في تفاقم الواقع البيئي، محذراً من أن الحكومة المقبلة ستواجه تحديات كبيرة، أبرزها شح المياه، والتصحر، وتلوث الهواء.
ودعا عبد اللطيف إلى زيادة التخصيصات المالية لوزارة البيئة، التي تعتمد بشكل كبير على دعم المنظمات الدولية، مشدداً على ضرورة تعزيز دورها المؤسسي.
واقترح أن تتحول وزارة البيئة إلى جهة سيادية مؤثرة، على غرار تجارب دولية مثل اليابان، بحيث لا يتم إقرار أي مشروع داخل البلاد دون موافقتها، لضمان الحد من الأضرار البيئية.
وخلص الى القول إن تحسين الواقع البيئي يتطلب إرادة حكومية حقيقية، وتخطيطاً استراتيجياً، وتخصيص موارد كافية لمعالجة التحديات المتراكمة.
تراجع في مؤشرات الحقوق والحريات
وفي مسألة الحريات والحقوق، قال أستاذ القانون الدستوري وائل منذر أن هذا الواقع الحقوق خلال السنوات الأربع الماضية شهد تراجعاً ملحوظاً وفق المؤشرات والتصنيفات الدولية، رغم تحقيق تقدم شكلي على المستوى الخارجي، تمثل بعضوية العراق في مجلس حقوق الإنسان.
وبين منذر في حديثه لـ"طريق الشعب"، أن الفترة الماضية شهدت رفع دعاوى قضائية ضد عدد من الصحفيين والناشطين على خلفية التعبير عن آرائهم أو انتقادهم للأداء الحكومي.
وأضاف أن لجوء بعض المسؤولين، من وزراء ونواب وحتى على مستوى رئيس الوزراء او الجمهورية إلى تحريك دعاوى تتعلق بالتشهير أو إهانة مؤسسات الدولة، أسهم في تضييق مساحة حرية التعبير، وعدّه مؤشراً على تراجع مستوى الحريات العامة.
وبيّن أن أخطر ما في هذا الواقع هو “توظيف القانون” لملاحقة أصحاب الرأي، معتبراً أن هذا الاستخدام، رغم كونه يتم عبر أدوات قانونية، يمثل شكلاً من أشكال العنف ذي الطابع القانوني عندما يُطبق بشكل انتقائي.
وأشار إلى وجود ازدواجية في تطبيق القانون، حيث لا تُحرّك دعاوى بحق بعض الخطابات التي تحرض على الكراهية أو الطائفية، في حين تُتخذ إجراءات قانونية ضد أشخاص لمجرد ممارسة حقهم في النقد، لا سيما من غير المنتمين إلى القوى السياسية الحاكمة.
وأكد أن هذا النهج يدفع العديد من الأفراد إلى ممارسة “الرقابة الذاتية” وتقييد آرائهم، خشية التعرض للملاحقة القانونية، ما ينعكس سلباً على الفضاء الديمقراطي ويحدّ من حرية التعبير.
ولفت إلى أن هذا الواقع يضع الحكومة المقبلة أمام تحديات كبيرة تتطلب إصلاحات حقيقية، تبدأ بإعادة تنظيم آليات تطبيق القانون على أساس المساواة بين جميع المواطنين.
ودعا منذر إلى وقف استخدام الدعاوى القضائية في قضايا التعبير عن الرأي، خاصة فيما يتعلق بانتقاد الشخصيات العامة، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من النظام الديمقراطي.
كما شدد على ضرورة مراجعة المنظومة التشريعية، من خلال إلغاء القوانين ذات الطابع التقييدي الموروثة من فترات سابقة، واستبدالها بتشريعات تضمن حرية التعبير وتحمي الحقوق الأساسية للمواطنين.
وخلص الى القول إن تعزيز الحقوق والحريات يمثل مدخلاً أساسياً لإصلاح النظام السياسي، ويتطلب إرادة حقيقية لضمان تطبيق القانون بعدالة وترسيخ مبادئ الديمقراطية.
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتداعياتها المباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل التوريد، يعود ملف الاقتصاد العراقي إلى واجهة النقاش بقلق غير مسبوق، مع تحذيرات متزايدة من دخول البلاد مرحلة مالية حرجة قد تهدد استقرارها الاقتصادي والاجتماعي؛ فالأزمة، وفقاً لخبراء ومختصين، لم تعد مجرد انعكاس لظروف طارئة فرضتها الحرب، بل تعبير صارخ عن اختلالات بنيوية عميقة تراكمت على مدى سنوات طويلة من سوء الإدارة وغياب الرؤية الاستراتيجية.
وفي جلسة حوارية موسعة نظمتها جريدتنا "طريق الشعب"، قدّم اقتصاديون بارزون قراءة تشخيصية للواقع المالي، كاشفين عن نموذج اقتصادي ريعي هش يعتمد بشكل شبه كلي على الإيرادات النفطية لتغطية نفقات تشغيلية متضخمة، في مقدمتها الرواتب والأجور، في وقت تتآكل فيه خيارات الدولة بين الاقتراض، وخفض العملة، وتقليص الاستثمار. وبينما بدت الحلول النظرية متاحة، أجمع المشاركون على أن غياب الإرادة السياسية وضعف الإدارة المؤسسية يفرغان أي إصلاح محتمل من مضمونه، ما يجعل العراق أمام مفترق طرق حاسم: إما الشروع بإصلاحات جذرية تعيد بناء النموذج الاقتصادي، أو الانزلاق نحو أزمة أعمق يصعب احتواؤها.
واستهل الرفيق مفيد الجزائري الندوة بالترحيب بالحضور: "أهلاً وسهلاً بكم جميعاً، ونشكر تلبيتكم الدعوة. فهذه الندوة مهمة جداً، نعول عليها كثيراً. وتتناول موضوعاً من أهم المواضيع والتحديات الراهنة هو قضية التحديات الاقتصادية والمالية وكيف نواجهها. يسرنا وجودكم ونتطلع إلى تحديد معالجات جادة وعميقة من جانب حضراتكم".
من جانبه، رحّب الرفيق الدكتور صبحي الجميلي بالحضور، وأكد على النهج الثابت لـ"طريق الشعب"، في تنظيم مثل هذه الجلسات الحوارية، موضحاً أن الندوة تسعى لـ"تشخيص التحديات الراهنة التي تواجه الاقتصاد العراقي، والإجابة على سؤال جوهري: "هل نحن نمر بأزمة ظرفية طارئة مرتبطة بالظروف الراهنة، أم أنها أيضاً جزء من شيء أشمل وهي أزمة بنيوية تجابه اقتصادنا الوطني؟".
لا يمكن استدامة الوضع المالي الحالي
وكان الدكتور مظهر محمد صالح، الخبير المالي والاقتصادي، قد استهل الجلسة بتقديم تحليل شامل للوضع المالي العراقي، انطلاقاً مما أسماه "نقطة التعادل المالي"، وهي النقطة التي تتوازن فيها نفقات الدولة مع إيراداتها دون اللجوء إلى الدين.
وقال صالح إن هذا النموذج يبقى "خيالياً" في الحالة العراقية، مردفا أن "الإنفاق مرتهن بميزانية تشغيلية هائلة تلتهم الأخضر واليابس، وفيها هذا العدد الكبير من المعاشات والأجور والرواتب والضمانات. القضية أصبحت استدامتها خطيرة جداً. هذا الوضع خطر، وما نعيشه الآن من قفزة في الأسعار وعدم إمكانية التصدير يجعلنا تقريباً في المجموعة الصفرية، وهذا يعتبر تنفساً ضعيفاً".
وتساءل الدكتور صالح: "كيف يمكن كسر هذه الحلقة والعودة إلى النقطة الصحيحة في ظرف طبيعي أو غير طبيعي؟"، وفي معرض الإجابة على سؤاله، قدّم مجموعة من السيناريوهات المحتملة: ففي حال استمرار الحرب، يكون الاقتراض هو الخيار الوحيد، لكنه حذر من تبعاته قائلاً: "إذا افترضنا أن هذه الحرب مستمرة، فليس أمامنا إلا أن نقترض، والاقتراض يترتب عليه إصدار نقدي هائل. ولكن إذا تعادل الاقتراض الداخلي باقتراض خارجي وتوفر متنفس للاستيرادات، فإننا سنحقق شيئاً من الاستقرار، لكن العجز سيبقى قائماً".
ومع انتهاء الحرب وعودة التصدير، حذر صالح من مشكلة أخرى تتمثل في انخفاض الأسعار قائلاً: "حتى اذا عدنا للقدرة التصديرية، فان الأسعار ستنخفض، وهذه مشكلة؛ إذ أن الخيارات المتاحة أمام الحكومة في حال استمرار انخفاض أسعار النفط، ستشمل: الاستغناء عن الشق الاستثماري: "فمن المؤكد أن يتم الاستغناء عن الشق الاستثماري وسنفقد النمو"، كما ربط صالح الرواتب بسعر برميل النفط، ووصفه بأنه "الأخطر".
وتشمل المعالجات ايضا، خفض قيمة العملة والتمويل التضخمي، موضحا أن هذا الخيار "لن يواجه رفضاً شعبياً مباشراً ولكن سيكون هناك تذمر بالطبع. ويترتب عليه ضياع الاستقرار الاقتصادي وسيكون هناك تقشف ذاتي بسبب غلاء الأسعار".
ويشير أيضا الى انه "مع ضرورة معادلة الاقتراض الداخلي باقتراض خارجي لتعزيز الاحتياطيات الأجنبية، لكننا سنكون أمام اشكالية بخصوص الدين وكيفية تسديده، سيما وأن طاقة استيعاب الدين محدودة".
وكشف الدكتور صالح عن بديل مطروح على الحكومة يتمثل في مبادلة الديون بأصول الدولة، وصفه بأنه "يضرب الفلسفة الاقتصادية للدولة"، موضحاً أن هناك "حوالي 43 في المائة من الدين الداخلي ـ وقد يتضاعف ـ هو في حوزة البنك المركزي. وهنا أصول الدولة القابلة للإنتاج والتشغيل تتم مبادلتها بهذه الديون. أكبر وأخطر هذه الأصول هي الأراضي، ومساحات المعامل أو المزارع التي تشكل ثلثي قيمة الأصول".
الأرقام الصادمة للإنفاق الشهري
وقدم الدكتور صالح أرقاماً دقيقة عن حجم الالتزامات الشهرية للدولة العراقية، موضحا أن هناك "نحو تسعة ملايين متلقٍ للرواتب والأجور والمعاشات والرعاية الاجتماعية، ويجب أن نوفر شهرياً 8 تريليون دينار وبسعر صرف مستقر".
وتطرق إلى خيار التمويل الدولي المسبق للصادرات النفطية، واصفاً إياه بـ"المخيف"، إذ قال ان "هناك تمويلا دوليا لكنه مخيف، ويطلق عليه تمويل ما قبل التصدير، ويتم تمويل "كاش" 200 مليون برميل مثلاً وبأسعار يتم التفاوض عليها، وتكون معتدلة ومغرية، وتضخ الأموال للبنك المركزي لرفع احتياطياته لتستقر الأمور وتمويل المالية العامة". مردفا "لكن هذا يعتمد على المدى الزمني؛ فمحددات هذه الموديلات زمنية ومؤقتة وليست دائمية، وبافتراض أن الحرب والوضع كله يمتد من أربعة أشهر إلى سنة، فان مرحلة ما بعد الحرب ستكون أعقد".
وفي حال عودة الاستقرار، واستقرار أسعار النفط، طرح الدكتور صالح فكرة "تأسيس صندوق سيادي لدعم الأجور والرواتب والمعاشات"، معتبراً إياه "بديلاً جيداً" يغطي ستة أشهر.
وختم الدكتور صالح تحليله بالقول: "نحن أمام موديل مالي صعب: إذا استمرت هذه الحروب سنغرق في فترة تشبه فترة الحصار من حيث المشاكل الخطيرة".
مفهوم الاستدامة يقتصر على دفع الرواتب
من جانبه، قدّم الخبير المالي الدكتور محمود داغر شهادة واقعية تعكس حدة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، مستهلاً مداخلته بوصف المشهد الصباحي الذي عاشه في طريقه إلى الجلسة الحوارية: "اليوم صباحاً كنت متجهاً إلى اجتماع بشأن قضية اقتصادية. مررت قرب منطقة المنصور - ميليا فوجدت تظاهرة. سألت: ما المطالب؟ فقيل إنهم يطالبون بزيادة الرواتب، وهناك حديث عن زيادة تتراوح بين 10 في المائة أو 15 في المائة. وعند وصولي إلى منطقة التقاعد في الشواكة، وجدت أيضاً متظاهرين يطالب منظموها بحقوقهم وبمبالغ معينة. بصراحة، شعرت بإحباط شديد".
وأكد داغر أن العراق "أُقحم في هذه المعركة رغماً عنه"، وأن "الاستعدادات تكاد تكون معدومة لمثل هذه الظروف"، مضيفا أنه "حتى لا أكون مبالغاً، فإن استعداداتنا لا تتجاوز الحالة الطبيعية، بل هي دون ذلك. تخيلوا أننا منذ منتصف عام 2025 وحتى الآن لدينا مشكلة حقيقية في كيفية تدبير الإيرادات لتغطية النفقات". وانتقد داغر ما وصفها بـ"ثقافة سائدة منذ عام 2004 وحتى اليوم، مفادها أن الدولة هي المسؤولة عن كل شيء: الرواتب والتعيينات"، متسائلاً: "لا أعلم إن كانت هذه في ذهنيتهم طريقة لإعادة توزيع الدخل، أم أنها وسيلة لاستمرار السلطة. وأعتقد أن الاحتمال الثاني هو الأقرب".
غياب الإدارة المالية المنظمة
ووجه الدكتور داغر انتقادات لاذعة لإدارة المالية العامة في العراق، قائلاً إنها "تمثل العقدة والمشكلة الكبيرة، فهي غير ملتزمة بقيد الإيرادات، وما يسيرها هو الأمر السياسي وليس رؤية اقتصادية واضحة. وأعتقد أنه منذ 2004 وحتى الآن، لم تدخل وزارة المالية فعلياً في إدارة مالية منظمة، بل تُدار الأمور عبر اتصالات هاتفية: اجمعوا الأموال من هنا، حولوا من هناك، ومرروا هذه الدفعات لتغطية الرواتب أو الالتزامات".
وأضاف أن "القرارات الاقتصادية غير مستقرة، وتُدار بطريقة آنية وغير منهجية. ومع استمرار الحرب لأشهر، بعد شهر نيسان بشهرين سندخل في مشاكل. فالمصارف الحكومية استُنزفت، والمالية العامة منكشفة خصوصاً في الإنفاق."
في مقابل هذه الصورة القاتمة، أشار داغر إلى نقطة إيجابية وحيدة تمثلت في "الاحتياطي لدى البنك المركزي العراقي، الذي زاد خلال الفترة الأخيرة، نتيجة بعض الإجراءات المتعلقة بالكمارك، وهو إنجاز كان يجب أن يتم قبل 20 عاماً. كما تم خفض الحوالات اليومية بدلاً من 300 مليون دولار إلى ما بين 150 و170 مليون دولار، ما ساهم في زيادة الاحتياطي النقدي".
مقارنة مع دول الخليج
وقارن داغر وضع العراق بدول الخليج العربي، موضحاً أن "كل بلدان الخليج الآن تواجه مشكلة، لكن هناك تفاوتا في حجم هذه المشكلات؛ فبعضها أخف من الآخر". وأشار إلى أن السعودية والإمارات وعُمان تمتلك منافذ بديلة لتصدير النفط، بينما تعاني قطر والبحرين والكويت والعراق من محدودية المنافذ.
واستدرك قائلاً ان "قطر والبحرين والكويت تمتلك صناديق سيادية توفر لها صَدّاً مالياً يمكنها من الاستمرار وتجاوز الأزمات. الكويت كان لديها أيام الغزو العراقي قدرة على دعم الرواتب، بل حتى مضاعفتها، وهذا بفضل الصناديق السيادية".
واستطرد قائلاً "أما نحن، فهنا تكمن الإشكالية. لا يُستمع إلى الصوت الاقتصادي، ولا إلى صوت العقل، ولا يتم الاتعاظ من التجارب. بل نقع في أخطاء متكررة وتجارب سيئة".
وكشف داغر عن معطيات تاريخية للعجز المالي، قائلاً: "مع أن العراق خلال أغلب السنوات كان يحقق فائضاً مالياً، باستثناء أعوام 2014 و2015 و2020، وربما بشكل طفيف في 2018 و2019. لكن للمرة الأولى نسجل ثلاث سنوات متتالية من العجز الفعلي". وأشار الى أنه خلال "السنوات الثلاث الأخيرة، تراكمت الأخطاء بشكل واضح. ففي عام 2020، تم في سنة واحدة اقتراض نحو 26 تريليونا و700 مليار دينار، وهو رقم كبير جداً، وكان جزء منه ديناً داخلياً".
التفاف على قوانين البنك المركزي
وحذر داغر من خطورة تضخم الميزانية العمومية للبنك المركزي العراقي، الذي وصل الإصدار النقدي فيه إلى نحو 98 تريليون دينار، واصفاً إياها بأنها "أشبه بالبالون". وأوضح أن جزءاً من المطلوبات النقدية يقابلها موجودات ائتمانية محلية وليس أجنبية، مشيراً إلى أن "المشكلة عندما تكون هذه الموجودات عبارة عن سندات أو أوراق موقعة من وزارة المالية ومدير عام الدين العام، فكل التزام يجب أن يقابله أصل حقيقي".
وانتقد داغر ما وصفه بـ"الالتفاف على القوانين" من خلال تضمين الموازنات نصوصاً تشير بشكل غير مباشر إلى الاستدانة من البنك المركزي، معتبراً أن هذا "أمر مقلق".
واختتم داغر مداخلته بالتأكيد على أن "إدارة الاقتصاد في مرحلة ما بعد هذه الأزمة لن تكون كما كانت قبلها: المشكلة لن تُحل من خلال تخفيض العملة أو خصم الحوالات، بل من خلال تغيير عقلية إدارة الاقتصاد الوطني بالكامل"، منبها الى ان "مفهوم الاستدامة والاستمرار في العراق أصبح اليوم يقتصر على دفع الرواتب فقط!".
الحرب كشفت الازمة بالكامل
في مداخلته، أكد الدكتور عبد الرحمن المشهداني، الخبير الاقتصادي، أن الأزمة الاقتصادية في العراق لم تكن وليدة الحرب الأخيرة، بل هي أزمة مزمنة ومستمرة منذ سنوات، مشيرا الى انه "منذ أشهر قبل اندلاع الحرب، كنا نشخص وجود أزمة عميقة ومستمرة. فالنفقات السيادية تجاوزت 140 تريليون دينار، وتشمل فوائد وأقساط الديون ومستحقات الشركات الأجنبية والأدوية والبطاقة التموينية".
وأكد المشهداني "كنا نتوقع أن أسعار النفط ستستقر عند 55 - 65 دولاراً، ما يعني أن العجز سيصل إلى نحو 50 تريليون دينار. وهنا برز السؤال: كيف سنغطي ونؤمن هذا العجز؟".
وانتقد المشهداني، في السياق، ضعف الشفافية في البيانات المالية الرسمية، قائلاً: "من المشاكل الأساسية ضعف مصداقية البيانات؛ فعندما نقول إن الدين الداخلي يبلغ 92 تريليون دينار، فهذا الرقم لا يشمل التزامات أخرى. على سبيل المثال، هناك مستحقات لشركات الكهرباء بحدود 4 تريليونات دينار، وهذه غير محتسبة ضمن الدين. كذلك مستحقات الفلاحين لسنوات 2024 و2025 و2026 وهي تُعد متأخرات، وهذه أيضاً التزامات حقيقية".
وأكد أن الحرب الأخيرة "جاءت لتعمق الأزمة وتكشفها بالكامل وتعرينا تماماً"، مضيفاً "ما نواجهه اليوم ليس مجرد سوء إدارة مالية، بل هو فشل في إدارة المالية العامة بشكل كامل، وهو فشل مستمر منذ عام 2003 وحتى اليوم، ولا نعلم سبب التمسك بهذا النهج: تتغير الأوضاع صعوداً وهبوطاً، لكن النهج نفسه لم يتغير".
عقلية الموظف لا صانع السياسة
وشخّص المشهداني "خللاً جوهرياً" في الإدارة المالية العراقية، كما أن الإحساس بالمسؤولية ضعيف لدى مجلس النواب الذي لا يمارس دوره بالشكل المطلوب في مناقشة أزمات السيولة".
وحذر المشهداني من أن انتهاء الحرب لا يعني عودة سريعة إلى مستويات الإنتاج السابقة، قائلاً: "حتى لو انتهت الحرب اليوم، لا أعتقد أن لدينا - ولا حتى دول الخليج - القدرة على العودة سريعاً إلى سقوف الإنتاج السابقة، مثل 3 ملايين و400 ألف برميل يومياً. لأن الحقول التي تعرضت لضربات، تحتاج وقتاً للتعافي، لأن توقف الإنتاج يؤثر على كفاءة العودة".
وأضاف عاملاً آخر يخص البيئة غير المستقرة: "لا أعتقد أن الشركات الأجنبية سترغب في العودة الى وضع مضطرب".
وعرج المشهداني على توجه الحكومة الذي وصفه بـ"الخطير"، والذي يتمثل في طرح مشاريع قوانين تتيح "الاقتراض المفتوح"، واصفاً إياه بأنه "مشكلة" حقيقية، مؤكدا أن "الحلول محدودة جداً، ونحن بحاجة إلى 'مشرط جراح' لإجراء إصلاحات حقيقية، بينما استئصال الجزء الفاسد في جسم الدولة العراقية غير ممكن حتى الان".
وفي تحذير لافت، أشار المشهداني إلى أن الدولة بدأت تفقد أصولها أيضاً، قائلاً: "هناك تجاوزات واستثمارات غير مدروسة على أراضٍ تابعة لمؤسسات تعليمية، وتحويلها إلى مشاريع استثمارية، ما يعني تقليص أصول الدولة. وبالتالي، حتى خيار بيع الأصول ليس حلاً مستداماً، لأنه سيؤدي إلى استنزاف ما تبقى من ممتلكات الدولة. الطريق مسدود".
وأبدى المشهداني تشاؤماً واضحاً من إمكانية الإصلاح في ظل الوضع الحالي، قائلاً: "بصراحة، لا توجد لدى الجهات الحالية القدرة أو حتى الرغبة الحقيقية في تنفيذ إصلاحات. لا توجد رؤية اقتصادية واضحة، ولا إدارة قادرة على التعامل مع الأزمة. لا توجد مؤشرات جدية على التغيير، بل يستمر الوضع بالتدهور بأشكال مختلفة."
تناقض القرارات واستمرار التوظيف
وضرب المشهداني مثالاً على التناقض في القرارات الحكومية، قائلاً: أنه "في ظل هذه الأزمة، لا تزال هناك توسعات في التوظيف والامتيازات دون تخطيط، ما يزيد العبء على الدولة".
وقدّم المشهداني توقعاً قاتماً للإجراءات الحكومية القادمة، قائلاً: "أنا أعتقد أن الحكومة قد تبدأ بتأخير الرواتب، حتى لو كانت الأموال متوفرة، بحيث يصبح التأخير تدريجياً (40 إلى 50 يوماً)، ليصبح التقشف أمراً مقبولاً لاحقاً". كما توقع أن موازنة 2026 "لن ترى النور قريباً، رغم وجود مسودة، بسبب الخلافات على النفط والكميات والأسعار".
رؤى وحلول مقترحة
وفي معرض حديثه عن الحلول الاستراتيجية، عاد الدكتور مظهر محمد صالح ليقدم رؤيته التي تركز على استثمار المقومات الزراعية والثروات الطبيعية غير النفطية، قائلا إن "العراق يمتلك مقومات زراعية كبيرة، ولدينا ملايين الدونمات من الأراضي. لكن ما طاله التصحر تصل مساحته على الأقل الى نحو 6 ـ 7 ملايين دونم من 2003 إلى اليوم".
واقترح صالح استثمار هذه الأراضي عبر مشاريع كبيرة بواسطة نظام يشبه (جولات التراخيص النفطية) لكن بشكل محسّن، وبالتعاون مع دول متقدمة وحيادية مثل أستراليا وهولندا ودول أوروبية أخرى. وأكد أن هذه المشاريع "يمكن أن تحقق الأمن الغذائي وتخلق فرص عمل وترتبط بها صناعات زراعية، أي سلسلة متكاملة من الإنتاج إلى التصنيع، إلى التسويق والخزن".
وشدد على ضرورة التحول من الزراعة الفردية التقليدية إلى "مشاريع زراعية كبرى. يستحق العراق مثل هذه المشاريع". وعن آلية التنفيذ، قال: "يمكن العودة إلى صيغة الشركات العامة مع تحديث القوانين القديمة، مثل قانون الشركات العامة، وإعادة تفعيل دورها بشكل حديث".
ولفت الدكتور صالح الانتباه إلى الثروات الطبيعية الأخرى، قائلاً: "لدينا أراضٍ واسعة ومتروكة، خاصة في المناطق التي تصحرت. إضافة إلى ذلك، هناك موارد طبيعية مهمة مثل السيليكون والكبريت والفوسفات، وهذه تحتاج إلى استثمار تكنولوجي متقدم، ليس فقط لاستخراجها، بل لبناء سلاسل قيمة متكاملة".
ودعا صالح إلى تأسيس شراكات بين الحكومة والقطاع الخاص وتوجيه عوائد هذه المشاريع إلى "صندوق ثروة سيادي، بدل الاعتماد الكلي على النفط". كما شدد على أهمية القطاع الحرفي والمهني والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل عالمياً أكثر من 60% من القوى العاملة. واختتم مداخلته بالقول: "نحن بحاجة إلى نموذج اقتصادي جديد لا يعتمد فقط على النفط والغاز (النموذج القديم)، بل على تنويع مصادر الدخل: مبادرة 'طريق التنمية' التي طرحها رئيس الوزراء تُعد مشروعاً استراتيجياً مهماً، خاصة إذا ارتبطت بتطوير العلاقات مع دول الجوار وإنشاء مدن صناعية ومشاريع تكامل اقتصادي".
المعوقات تقتل المشاريع الكبرى
في تعقيبه على الحلول المطروحة، أكد الدكتور عبد الرحمن المشهداني أن المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في التنفيذ والمعوقات الاجرائية. وقال: "فيما يتعلق بقطاع الغاز، هذه الملفات مطروحة منذ سنوات لكنها لم تُنفذ بالشكل المطلوب. على سبيل المثال، حقل عكاز الغازي لم يُستثمر بشكل كامل رغم أهميته. وفي مسألة حقل المنصورية، الذي كان من المفترض أن يدخل الإنتاج منذ عام 2013، لكن بسبب الظروف الأمنية، خاصة خلال فترة سيطرة داعش، توقف العمل فيه. وبدلاً من تطوير هذه الحقول، استمر العراق في استيراد الغاز رغم امتلاكه موارد كافية".
وأضاف أن "المشاكل معروفة والحلول أيضاً معروفة، لكن التنفيذ غائب بسبب غياب الإرادة السياسية والرؤية الاقتصادية الواضحة. فأنا أعتقد أن الإرادة السياسية هي التي تحكم هنا". وسرد المشهداني تجربتين واقعيتين تعكسان حجم المعوقات البيروقراطية التي تواجه الاستثمار في العراق:
التجربة الأولى، كانت في عام 2018، عندما جاءت شركات سعودية للاستثمار الزراعي. وقال المشهداني: ان "ممثل شركة المراعي قال: 'أنا أزرع العلف في الأرجنتين والبرازيل، وتستغرق الناقلة شهرين حتى تصل إلى السعودية، فلماذا لا تُمنح لنا صحراء الأنبار لنزرع الأعلاف فيها؟' وقال: 'سننشئ حقولاً للأبقار وحقولاً للأغنام، ونوفر اللحوم للسوق المحلية والألبان للسوق المحلية. وكل ما نريده هو العلف فقط. أما المياه فلا نريدها منكم، فنحن سنحفر الآبار'. لكن المشروع لم يمضِ قدماً وظهرت عراقيل مختلفة".
التجربة الثانية، كانت قبل سنتين، عندما جاء مستثمرون سعوديون للاستثمار في السيليكا والبتروكيمياويات ضمن مشروع النبراس. وقال المشهداني: "عندما جلسنا معهم، قالوا: 'نحن لا نحتاج منكم شيئاً، فقط نريد نفطاً خاماً.' خُصص للمشروع نحو 12 مليار دولار، ويتضمن إنشاء مصفاة بطاقة 500 ألف برميل يومياً، وما يزيد سيتم تسويقه محلياً. كما تضمن إنشاء محطة كهرباء لتغذية الشبكة الوطنية بنصف غيغا والفائض منها يذهب لتغذية الشبكة الوطنية، إضافة إلى مشاريع بتروكيمياوية ومجمعات سكنية للعمال وعمال عراقيين".
لكن المشروع تعثر بسبب الأسئلة البيروقراطية التي طُرحت في وقتها، مثل: "ما هو حدكم الائتماني؟ وما هي تجاربكم السابقة؟" وعلق المشهداني قائلاً: "لم نصل إلى نتيجة بعد ثلاث ساعات من الحوار. المشكلة الأساسية تكمن في المعوقات، إذ لا توجد إرادة حقيقية لدفع هذه المشاريع إلى الاستثمار والتنفيذ. وإذا لم يحدث تغيير، فلا أعتقد أن الوضع سيتحسن".
النفط تحول من استثمار إلى إنفاق تشغيلي
وفي مدخلته، قدم الرفيق رائد فهمي، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، توصيفاً حاداً للخلل الهيكلي في الاقتصاد العراقي، قائلاً: "هناك مشكلة في النموذج. فالنفط بدل أن يكون استثماراً أصبح إنفاقاً تشغيلياً، وهذه مشكلة اقتصادية".
وقال الرفيق فهمي، إن "المنطق الاقتصادي البحت يقول إن الحل العقلاني لأزمة معينة هو الاقتراض وتقشف معين، وهذا التقشف يقع عبأه على الأوساط المتمكنة أكثر من السواد الأعظم من الناس، والأدوات هي الجباية والضرائب. لكن الدولة ضعيفة".
وأشار إلى محدودية خيار الاقتراض، قائلاً: "هناك سقف للاقتراض. وأتذكر ورقة للبنك المركزي جرى تداولها تتحدث عن عدم إمكانية إقراض الحكومة أكثر من اللازم، نظراً لعدم وجود مقابل. بالتالي هناك سقف معين، وبإمكانهم تجاوزه لكنه سيدخلنا في مخاطر".
وطرح فهمي مجموعة من الأسئلة العملية لتحريك النقاش نحو الحلول: "إذا كانت هناك قضية الجباية، ماذا نفعل بالجباية؟ وإذا كانت القضية زيادة الإيرادات الضريبية، كيف نزيدها وبأية وسائل؟ وإذا كانت قضية الاقتراض، أي نوع وإلى أي مدى يجب أن يتم؟ وإذا كانت قضية الرواتب وغيرها، ماذا نريد أن نزيد، وماذا نريد أن نقلل بالضبط؟ وفي الوقت نفسه، هذه الأموال المكتنزة غير المفعلة أو غير المستثمرة، كيف نحركها؟".
الحسابات الختامية
فيما طرح الرفيق فارق فياض، أسئلة تفصيلية حول طبيعة العجز والموازنات، متسائلاً عن كيفية فهم طبيعة العجز في ظل غياب الحسابات الختامية، مشيرا إلى إشكالية تأخر إقرار الموازنة، قائلاً: "في الموازنات الثلاثية، المصروفات لغاية تشرين الثاني من السنة السابقة للمستلزمات السلعية، تقدر بنحو 3 تريليونات، في حين أن التخصيصات المرصودة هي 15 تريليوناً. والموازنة أُقرت في الشهر السادس، وهذا يخلق إشكالية. كان من المفترض حين تأخرت الموازنة أن يخفض مجلس النواب من قيمة التخصيصات المبالغ فيها". وقدّم فياض مقترحاً عملياً لمعالجة التفاوت في الرواتب، يتمثل في فرض "ضريبة تصاعدية تخفف الفجوة الاجتماعية بين أصحاب الدخل الأعلى والأدنى دون المساس بالفئات الضعيفة". وأكد أن "الضريبة المباشرة على الدخل أكثر عدالة من غير المباشرة، لأنها ترتبط بالدخل الفعلي، وهذا يعزز مبدأ العدالة الاجتماعية".
التدخل في سعر الصرف
من جانبه، استفسر الرفيق حيدر مثنى عن الخيارات المتاحة بين الاقتراض الداخلي والخارجي والتدخل بسعر الصرف، متسائلاً: "هل هناك خيار؟ أيهما أهون ويمكن أن نعمل عليه في ظل الأزمة الراهنة، أو ما بعد الخروج من الأزمة؟".
كما تساءل عن مدى توفر متطلبات الصناديق السيادية في العراق، والتي تشمل "موازنة ثابتة وفائضا ثابتا واستقرارا سياسيا واقتصاديا"، متسائلاً: "هل تتوفر لدينا فوائض مالية بحيث تذهب للصناديق السيادية؟".
ردود وتعقيبات ختامية
في توضيحه بين الدكتور مظهر محمد صالح أن عدم تقديم الحسابات الختامية يمثل "خرقا للدستور وخلافا لقانون الإدارة المالية وقرار المحكمة الاتحادية". واقترح حلاً عملياً يتمثل في إجراء "حسابات ختامية منفصلة لكل الدوائر الإيرادية أو الإنفاقية، وتُنشأ لكل وحدة من وحدات الإنفاق، والتي تقارب الألف وحدة، حساب ختامي مستقل".
وفي ما يخص الصناديق السيادية، أوضح أن العراق "بلد عجز وليس بلد فائض" منذ 40 أو 45 سنة، لكن "عندنا فائض في الثروة"، مشيراً إلى أن العراق يُصنف تاسع بلد من حيث حجم الثروات التي تُقدر بنحو 16 تريليون دولار. وطرح فكرة إنشاء "صندوق ثروة سيادية في اقتصاد 'عاجز' ينطلق من الثروات القابلة للاستثمار، ليس فقط النفط بل الثروات الطبيعية الأخرى"، مؤكداً أن الفكرة "ممكنة إذا وُجد القرار السياسي".
وبخصوص التمويل المسبق للصادرات النفطية، حذر الدكتور صالح من أن هذا الخيار "فيه محاذير كثيرة"، موضحاً أنه يعني التعاقد على سعر معين الآن وبفائدة، ما يرحّل المشكلة إلى الأجيال القادمة. وقال: "هذا يكون عادة في الأزمات القصيرة وليس الطويلة. إذا كانت الأزمة قصيرة - ستة أشهر، سنة - يمكن التعامل معها، أما إذا كانت طويلة فهي خطرة". وكشف الدكتور صالح عن خطوة عملية بدأ بها البنك المركزي، حيث "عيّن شركة تدقيق عالمية ستبدأ بمتابعة الأصول الخارجية للدولة وفرزها وتقييمها ومعرفة قيمتها الفعلية"، لكنه أشار إلى أن "العمل بطيء وليس بالزخم المطلوب".
السلف غير المصفاة وضياع الإيرادات
وفي رده على استفسار الحسابات الختامية، قال الدكتور محمود داغر ان "عدم توفر الحسابات الختامية لا يعني عدم قدرتك على حساب العجز أو الفائض. مثل حساب البنك؛ إذا كان لديك كشف حساب بنكي تستطيع معرفة كم دخل وكم صرف. لكن مشكلتنا هي في السلف، إذ أن معظم السلف لم تُصفَّ حتى نهاية السنة ولا يوجد لها تسوية سنوية، وبالتالي تبقى دون تصفية في نهاية السنة".
وانتقد داغر الاختلالات في النظام الضريبي، قائلاً: "أكبر النفقات هي الرواتب، لكننا في الواقع لا نطبق ضريبة الدخل كما ينبغي، بل نطبقها على الراتب الاسمي فقط". وأشار إلى محاولة سابقة في عهد رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي لتطبيق ضريبة الدخل على كل مكونات الراتب، لكن "المشروع واجه رفضاً وضغوطاً وتم إجهاضه".
وكشف داغر عن حجم الهدر الكبير في جباية الكهرباء والماء، قائلاً: "وقد ذكر أن محافظ البنك المركزي دفع نحو 25 تريليون دينار سنوياً للكهرباء، بينما لا تتم جباية سوى ما يقارب تريليون واحد فقط، وهذا رقم ضئيل جداً. وفي بعض المناطق لا توجد عدادات، وفي مناطق أخرى توجد عدادات لكنها لا تعمل، ويتم الاعتماد على التقدير، ما يؤدي إلى ضياع كبير في الإيرادات". واختتم داغر مداخلته بالتأكيد على حتمية التغيير الجذري، قائلاً: "سنلجأ للحلول الصعبة، كما حدث في فترات سابقة من تاريخ الحكومات، إذ واجهنا أزمات في 2014 و2018 والسنوات الأخيرة بسبب الإنفاق الكبير على البنية التحتية، إضافة إلى تعيين نحو مليون موظف خلال ثلاث سنوات تقريباً (2022-2023). كل ذلك أدى إلى تراكم الأعباء المالية، بحيث أصبح الوضع كمن لا يدفع الإيجار حتى يأتي يوم الإخلاء. لذلك أقول إن هذا النموذج يجب أن يتغير. ولا أتحدث عن تغيير اقتصادي فقط، فهذا النموذج حتى يتغير يحتاج إلى تغيير سياسي أيضاً وإلى قناعة سياسية حقيقية".
المداخلات اعلاه تؤشر الى أن الاقتصاد العراقي يواجه أزمة بنيوية ومزمنة تفاقمت حدتها بفعل الحرب الدائرة في المنطقة، والتي كشفت هشاشة النموذج الاقتصادي الريعي القائم على الإيرادات النفطية لتغطية نفقات تشغيلية متضخمة، وفي مقدمتها الرواتب والأجور. وأكد الخبراء أن خيارات مواجهة الأزمة محدودة وصعبة، في ظل غياب الإرادة السياسية الحقيقية للإصلاح، وضعف المؤسسات المالية والرقابية، واستمرار النهج نفسه في إدارة المالية العامة منذ عام 2003 دون تغيير جوهري. ودعا المشاركون إلى تغيير جذري في عقلية إدارة الاقتصاد الوطني، والتحول نحو استثمار الثروات غير النفطية، وتفعيل الشراكات مع القطاع الخاص، وإنشاء صناديق سيادية، مع التأكيد على أن الحلول الترقيعية والاقتراض غير المدروس لن تؤدي إلا إلى تأجيل الأزمة وتعميقها، وأن استدامة الوضع الحالي أصبحت في خطر شديد.
أصدرت المحكمة الاتحادية العليا، اليوم الاحد، قرارها برد الدعوى المقدّمة من قبل الحزب الشيوعي العراقي والتيار الاجتماعي الديمقراطي ضد رئيس مجلس النواب إضافة لوظيفته، بشأن تأخير انتخاب رئيس الجمهورية، مستندةً إلى عدم الاختصاص، وهو ما فتح باباً واسعاً للنقاش القانوني والسياسي حول حدود دور المحكمة في الرقابة على الالتزام بالتوقيتات الدستورية.
من جانبه، وصف المحامي زهير ضياء الدين قرار المحكمة الاتحادية برد الدعوى الخاصة بتأخير انتخاب رئيس الجمهورية بحجة عدم الاختصاص بأنه “ضعيف” من الناحية القانونية، مؤكداً أنه يثير تساؤلات جدية بشأن مدى انسجامه مع طبيعة الدعوى والنصوص الدستورية التي استندت إليها.
وقال ضياء الدين في حديث لـ"طريق الشعب"، إن الدعوى اعتمدت على خرق دستوري واضح يتعلق بالتوقيتات المحددة لانتخاب رئيس الجمهورية، والتي نص عليها الدستور بشكل صريح، مشيراً إلى أن من صميم اختصاصات المحكمة الاتحادية النظر في مدى التزام السلطات بهذه النصوص.
وأضاف أن مجلس النواب خالف، من وجهة نظره، تلك التوقيتات الدستورية، الأمر الذي كان يستوجب تدخلاً قضائياً لمعالجة الخرق، لافتاً إلى أن المخالفة لا تقتصر على الجانب الزمني فحسب، بل تمتد إلى حنث أعضاء مجلس النواب بالقسم الدستوري الذي يلزمهم باحترام الدستور والتشريعات النافذة.
وبيّن أن ما جرى يمثل “انتهاكاً مضاعفاً” للأحكام الدستورية، سواء من حيث تجاوز المدد الزمنية أو الإخلال بالالتزامات الدستورية المترتبة على أداء اليمين.
وفي تفسيره لقرار المحكمة، رجّح ضياء الدين أن يكون الهدف تجنّب تعقيد المشهد السياسي، في ظل ظروف وصفها بالحرجة، تشمل توترات إقليمية وتحديات أمنية واقتصادية، فضلاً عن وجود حكومة تصريف أعمال محدودة الصلاحيات، إلى جانب مخاوف تتعلق برواتب الموظفين واستمرار تصدير النفط.
وأشار إلى أن المحكمة ربما سعت إلى احتواء الأزمة وعدم تصعيدها عبر إدانة إحدى السلطات، خصوصاً بعد المضي بانتخاب رئيس الجمهورية والدخول في مرحلة تكليف رئيس مجلس الوزراء.
يُذكر أن الحزب الشيوعي العراقي والتيار الاجتماعي الديمقراطي قدما دعوى قضائية ضد رئيس مجلس النواب إضافة لوظيفته، على خلفية عدم الالتزام بالمدة الدستورية المحددة لانتخاب رئيس الجمهورية.
وقدم وكيل المدعين، المحامي زهير ضياء الدين، لائحة جوابية إلى المحكمة، تفيد أن أعضاء مجلس النواب خالفوا اليمين الدستورية التي تلزمهم بالالتزام بالتشريعات النافذة، وفي مقدمتها الدستور، الذي ينص على انتخاب رئيس الجمهورية خلال ثلاثين يوماً من تاريخ أول انعقاد للمجلس، معتبراً أن عدم الالتزام بهذا النص يستوجب أخذه بنظر الاعتبار عند إصدار الحكم.
مع دخول العراق مرحلة حاسمة من مسار تشكيل الحكومة المقبلة، بعد انتخاب رئيس الجمهورية يبدأ العدّ الدستوري لتكليف مرشح الكتلة الأكبر عدداً برئاسة الوزراء، وفقاً للمادة 76 من الدستور التي تمنح مهلة محددة لا تتجاوز 15 يوماً لتسمية المرشح، وتقديمه إلى البرلمان لنيل الثقة.
هذا الاستحقاق فتح الباب أمام سباق سياسي محتدم داخل قوى "الإطار التنسيقي"، في ظل تباين واضح بشأن هوية رئيس الوزراء المقبل وشكل الحكومة المنتظرة.
صراع التوافق داخل الإطار
ويتمحور الصراع حالياً داخل الإطار التنسيقي، وهو التحالف الأكبر في البرلمان، حول محاولة الوصول إلى مرشح واحد يحظى بإجماع أو شبه إجماع، وسط انقسام داخلي بين دعم تمديد ولاية رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، وبين الدفع نحو بدائل أخرى أكثر توافقاً مع توازنات القوى داخل التحالف.
وتبرز في هذا السياق مؤشرات على تقدم حظوظ السوداني، مدعوماً بكتل وازنة داخل الإطار، في مقابل اعتراضات من أطراف أخرى ترى ضرورة تغيير المعادلة أو إعادة توزيع النفوذ بما يمنع تمديد ولايته.
المالكي وموقف الاعتراض
وحسب تقارير سياسية، يمثل زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي أحد أبرز الأصوات الداعية إلى إعادة النظر في ترشيح السوداني، إذ تُشير التباينات داخل الإطار إلى عدم وجود مرشح تسوية نهائي يحظى بإجماع شامل حتى الآن، مع استمرار تداول أسماء متعددة داخل دائرة النقاش السياسي، ما يعكس عمق الانقسام حول شكل الحكومة المقبلة. وهذا الخلاف لا يقتصر على الأسماء فقط، بل يمتد إلى طبيعة المرحلة المقبلة: هل تكون حكومة استمرار برئاسة السوداني، أم حكومة إعادة توازن داخل الإطار تعيد توزيع مراكز القرار التنفيذي.
احتمال طرح مرشح بديل
ورغم الاحتمالات بشأن السوداني، لا يُستبعد طرح مرشح بديل توافقي في حال تعذر الحسم، خاصة مع استمرار النقاشات حول شخصيات سياسية وأمنية وإدارية داخل الإطار.
وتؤكد التسريبات السياسية أن المشهد ما يزال مفتوحاً على عدة سيناريوهات، من بينها التوافق على اسم وسطي، أو الذهاب إلى تسوية داخلية تجنب الإطار الانقسام الحاد.
وفي ضوء مرحلة ما بعد انتخاب رئيس الجمهورية، وما يرافقها من حراك سياسي داخل قوى "الإطار التنسيقي" بشأن تسمية رئيس الوزراء المقبل، والصراع الدائر بين رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي ورئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني، فإن الأزمة لا تتعلق بأسماء المرشحين بقدر ما تتصل بطبيعة نهج النظام السياسي القائم وآليات إنتاج السلطة في العراق، والتي كرّست المحاصصة والزبائنية على حساب الدولة ومبدأ المواطنة. فالجدل الدائر داخل الإطار التنسيقي بين الإبقاء على رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أو استبداله بمرشح آخر، أو حتى الذهاب نحو تسوية داخلية، لا يغيّر من جوهر الأزمة السياسية في البلاد. فالمشكلة الأساسية تكمن في بنية المنظومة المتنفذة التي تجعل تشكيل الحكومة نتاجاً لتفاهمات الكتل المتنافسة على الحصص، وليس برنامجاً وطنياً قائماً على الكفاءة والإصلاح.
وبهذا المعنى، فعملية قبول او اعتراض هذا الاسم او ذاك لا يُنظر إليها كتباين حول مشروع دولة، بل كصراع داخل منظومة تقاسم النفوذ.
تنافس على النفوذ لا على البرامج
ويرى هذا الطرح أن حكومة السوداني الحالية، ورغم ما حققته من بعض التحركات في ملف الخدمات والإعمار، إلا أنها بقيت محكومة بسقف التوازنات السياسية ذاتها التي جاءت بها، ما جعل قدرتها على إحداث أي اصلاح محدودة.
وعليه، فإن الحديث عن تجديد ولايته أو استبداله لا يغيّر من حقيقة أن السلطة التنفيذية تبقى مقيدة بمنظومة المحاصصة، وأن أي رئيس وزراء سيبقى يعمل ضمن حدود مرسومة سلفاً من القوى المتنفذة.
أما الخلاف داخل "الإطار التنسيقي"، بما في ذلك موقف زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، فيُعتبر تعبيراً عن تنافس على مراكز القرار داخل الدولة، وليس اختلافاً على برنامج اقتصادي أو اجتماعي او توجهات معينة لإعادة بناء مؤسسات الدولة لإدارة البلاد. وبالتالي، فإن احتمال طرح مرشح بديل أو التوجه نحو تسوية توافقية داخل الإطار، يُنظر إليه كإعادة توزيع للنفوذ لا كتحول في نهج الحكم.
ما الذي يحتاجه العراق؟
العراق لا يحتاج فقط إلى حكومة وطنية جديدة، بل إلى إعادة بناء المسار السياسي من أساسه، عبر الانتقال من نظام المحاصصة إلى دولة المواطنة والمؤسسات، واعتماد برامج اقتصادية واجتماعية تُعطي الأولوية للعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، فضلا عن تعزيز استقلال القرار الحكومي عن مراكز النفوذ الحزبي والفئوي، وإعادة الاعتبار للقرار الوطني العراقي المستقل.
وعليه فإن أزمة تشكيل الحكومة المقبلة لا تُختزل في صراع بين السوداني والمالكي أو أي مرشح بديل، بل هي انعكاس مباشر لبنية سياسية قائمة تحتاج إلى تغيير جذري، لا مجرد إعادة تدوير للوجوه داخل المنظومة ذاتها.
حكومة إدارة أزمات بدلاً من المحاصصة
ويقول المحلل السياسي مجاشع التميمي إن شكل الحكومة المقبلة، إذا ما أرادت البقاء والاستمرار وليس مجرد التشكيل الشكلي، ينبغي أن يتجه نحو "حكومة إدارة أزمات" بدلاً من الاستمرار بنموذج "حكومة المحاصصة" التقليدي.
وأشار في حديث مع "طريق الشعب"، إلى أن الأولوية داخلياً يجب أن تكون لتشكيل حكومة مصغّرة تضم ما بين (15–20) وزيراً ضمن كابينة تكنوقراط حقيقية، مع منح رئيس مجلس الوزراء تفويضاً واضحاً وصلاحيات تنفيذية أوسع، إلى جانب تفعيل رقابة برلمانية علنية تشمل نشر بيانات الحضور والتصويت لتعزيز الشفافية.
وأضاف أن أبرز التحديات الملحّة تتمثل في ضبط ملف السلاح خارج سيطرة الدولة، وإطلاق إصلاحات مالية جادة، ومعالجة نسب الفقر في المحافظات الأكثر هشاشة، بوصفها ملفات تمس استقرار الدولة بشكل مباشر.وعلى الصعيد الخارجي، دعا التميمي إلى اعتماد سياسة توازن صارم في العلاقات بين واشنطن وطهران، وفق مبدأ "العراق أولاً" بعيداً عن كونه ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية والدولية، مع ضرورة تحييد الأراضي العراقية عن أي تصعيد محتمل، وإعادة تنظيم العلاقة الأمنية مع التحالف الدولي بما ينسجم مع السيادة الوطنية.
أما سياسياً، فأشار إلى أهمية تقليص نفوذ الزعامات السياسية داخل القرار التنفيذي، من خلال الالتزام ببرنامج حكومي واضح ومحدد زمنياً وملزم للتنفيذ.
واختتم التميمي بالقول إن استمرار تشكيل الحكومات على أساس "الترضيات السياسية" سيقود إلى فشل سريع، في ظل ضغوط أمريكية وإقليمية متزايدة، واحتقان داخلي آخذ بالتصاعد.
تحذير من تفاقم الأوضاع
فيما حذّر الكاتب والصحفي فلاح المشعل من تفاقم الأوضاع في العراق على المستويات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، مؤكدًا أن البلاد تواجه تحديات كبيرة وتهديدات حقيقية تمسّ "عصب الحياة"، في إشارة إلى الاقتصاد.
وقال المشعل في تعليق لـ"طريق الشعب"، إن الاقتصاد العراقي يعاني أصلًا من اختلالات بنيوية كونه اقتصادًا ريعيًا يعتمد بشكل شبه كلي على النفط، مشيرًا إلى أن تضخم الإنفاق والهدر المالي فاقما من أزماته حتى قبل اندلاع الأزمة الأخيرة المرتبطة بالتوترات الأمريكية–الإيرانية، والتي أدت إلى توقف تصدير النفط، ما عمّق الأزمة بشكل غير مسبوق.
وبيّن أن الإيرادات الحالية "شحيحة جدًا"، ولا تتجاوز ما بين 5 إلى 10% من الموارد الطبيعية التي كان العراق يحققها سنويًا، والتي كانت تتراوح بين 80 و100 مليار دولار، محذرًا من أن هذه الأزمة ستقود إلى تداعيات اجتماعية وسلوكية ونفسية خطيرة.
وأشار إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في طبيعة الاقتصاد الأحادي، مؤكدًا أن الحكومات المتعاقبة لم تنجح في استثمار الموارد المتاحة، رغم امتلاك العراق ثروات كبيرة من النفط والغاز، قائلاً إن "الدول التي تمتلك الطاقة تمتلك عناصر القوة الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، لكن العراق لم يحسن استثمار هذه المقومات".
ودعا المشعل إلى تشكيل حكومة قادرة على مواجهة التحديات، تتكوّن من شخصيات كفوءة ومتمرسة في الشأن الاقتصادي، وتتمتع بالنزاهة والخبرة في إدارة الأسواق العالمية وملف الطاقة، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تتطلب "رجال دولة" قادرين على إدارة الاقتصاد بوعي واحتراف.
كما انتقد آلية اختيار المسؤولين، لافتًا إلى أن المحاصصة أفرزت وزراء ومستشارين يفتقرون إلى الكفاءة والخبرة، وهو ما انعكس سلبًا على أداء المؤسسات، مشددًا على أن "الوزير يجب أن يكون مختصًا في مجاله، سواء في التجارة أو النفط أو غيرها من القطاعات الحيوية".
وأضاف أن الفساد الإداري والمالي، الناتج عن الفساد السياسي، يمثل أحد أبرز أسباب التراجع، إلى جانب غياب التخطيط السليم لاستثمار الفوائض المالية في فترات ارتفاع أسعار النفط، ما أدى إلى ضياع فرص حقيقية لتنمية الاقتصاد.
وختم المشعل بالتأكيد على أن النظام الحالي يواجه "أزمات وجودية"، داعيًا إلى إعادة النظر في بنية السلطة التنفيذية، التي وصفها بأنها "شكلية في كثير من الأحيان"، ولا تمتلك القدرة الفعلية على إدارة الدولة ومواكبة التحديات الداخلية والخارجية.