نواعير هيت ليست بقايا خشب يدور مع مياه الفرات، انها ذاكرة إنسانية حيّة، وشاهد على علاقة الإنسان بالنهر والزراعة والحياة منذ آلاف السنين. فعلى ضفاف الفرات في مدينة هيت، اعتمد الإنسان على النواعير وسيلةً لرفع المياه ودفعها إلى البساتين. واستمرت هذه المنظومة تعمل جيلاً بعد جيل، حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي، عندما انتشرت المضخات الحديثة التي تعمل بالديزل والكهرباء. إذ توقفت النواعير تدريجيا، متقاعدة بعد قرون من العمل.
وبعد عقود من الصمت، عادت الحياة إلى عدد من النواعير بمبادرة من وزارة الموارد المائية، لتتحول من وسيلة ري قديمة إلى معلم تراثي وثقافي وسياحي أعاد لمدينة هيت جزءاً من ذاكرتها. فعندما دارت النواعير، دارت معها حركة السياحة، ودارت أيضا ذاكرة مدينة بكل تاريخها المتجذر عبر الزمن. حيث بدأ الزوار من مختلف مناطق العراق، والمهتمون بالتراث المادي، والسياح والباحثون، يتوافدون إلى المدينة لمشاهدة هذه التقنية الفريدة والاستماع إلى صوتها.
لكن المفارقة المؤلمة أن هذا المعلم الذي أعيدت إليه الحياة بدأ يتجه إلى الموت مجددا. فبعد أن كانت أربعة نواعير تعمل، توقف بعضها وتعرض للتدهور والخراب، ولم يبقَ اليوم سوى ناعور واحد، وهو الآخر مهدد بالتوقف والاندثار إذا لم تتخذ إجراءات عاجلة لحمايته وصيانته.
نتساءل: هل يعقل أن تعجز الدولة عن الحفاظ على ناعور واحد، بينما أثبت هذا الناعور أن بإمكانه أن يجذب السياح ويعيد الحياة إلى جزء من ذاكرة المدينة؟
طرقنا أبواب المسؤولين، ووجهنا المناشدات إلى الجهات المعنية في المدينة والمحافظة، وسمعنا وعوداً بالاهتمام بهذا المعلم، لكن ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من الوعود، إنما قرار فعلي.
لذلك، نتوجه إلى رئيس الوزراء ووزارتي الموارد المائية والثقافة، والادارة المحلية لمحافظة الانبار وقضاء هيت، ودائرة السياحة والجهات الحكومية المحلية، فضلا عن منظمة اليونسكو والجهات الدولية المعنية بحماية التراث الثقافي.. نتوجه إليهم داعين إلى اتخاذ خطوات عاجلة تشمل تخصيص موازنة سنوية ثابتة لصيانة النواعير والحفاظ عليها، وضع برنامج فني دائم لصيانة الأجزاء الخشبية والإنشائية للنواعير، حماية الناعور المتبقي من التوقف والاندثار، تأهيل النواعير المتوقفة وتشغيل أكبر عدد ممكن منها، إلى جانب تشكيل فريق متخصص يتولى متابعة النواعير وصيانتها باستمرار، بدلاً من تركها تصل إلى مرحلة الخراب، وتوثيق تقنيات صناعة النواعير وتشغيلها وصيانتها عبر تسجيل ما تبقى من خبرات الحرفيين المتخصصين في ذلك، لا سيما بعد اعتبار حرفة بناء الناعور ضمن التراث غير المادي لدى اليونسكو.
كذلك ندعو إلى تطوير الموقع ليكون متحفاً حياً للري الفراتي، يشرح للزائر تاريخ النواعير وطريقة عملها وعلاقتها بالزراعة وحياة أهل هيت، وإشراك الجامعات والباحثين والمهتمين بالتراث في عملية التوثيق والحماية، والتواصل مع اليونسكو والمنظمات الدولية المعنية بالتراث لدعم إدراج نواعير هيت ضمن مشاريع حماية التراث الثقافي، والعمل على دراسة إمكانية تسجيلها ضمن القوائم التراثية المناسبة.
إن حماية النواعير ليست خدمة لمدينة هيت وحدها. إنها حماية لذاكرة العراق، الذي علّم العالم الزراعة والري.