اخر الاخبار

أولت حركة الضباط الأحرار قبل الثورة اهتماما كبيرا لتغيير النظام الملكي وكان أول مستلزمات العمل الجاد لتحقيق النصر هو توطيد التحالف الجبهوي بين القوى الوطنية الديمقراطية وطرح جانبا كل ما من شأنه على إضعاف التوجه الوطني الجبهوي لضمان نجاح الثورة الشعبية وتحقيق مطالب الجماهير وتلبية مطامحها المشروعة.

في أجواء ما قبل الثورة كانت الطغمة الحاكمة تتأمل وضعها في ضوء اعتبارين أساسيين الأول يتجسد في السعي للحفاظ على علاقتها ببريطانيا على النحو الذي يأخذ بالاهتمام تشابك مصالحها بمصالح الرأسمال البريطاني كما أن بقاءها كفئة حاكمة ومتسلطة على رقاب الشعب بات مرهونا بدعم بريطانيا اقتصاديا وعسكريا والاعتبار الثاني خشيتها من تزايد السخط الشعبي من استمرار الاستعمار البريطاني لعوامل داخلية وقومية حيث صار الشعب يجاهر برفضه الاستمرار على العيش وفق الأسلوب القديم، ولم يعد خافيا عقم السبيل الذي سار عليه الحكم كما عبرت كل القوى الوطنية عن سخطها على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يئن تحت وطئتها الشعب، وانطلاقا من هذه الأوضاع المأساوية برزت الحاجة إلى تغيير هذه الأوضاع الخانقة.

وفي داخل الجيش ازداد النشاط التنظيمي وقد وجدت النشاطات الجماهيرية والانتفاضات المتكررة وضحاياها من الشهداء والسجناء والازمة الاجتماعية العامة، صداها الإيجابي في مشاعر الضباط والجنود الذين تأثروا بالحركات الوطنية التي خاضتها القوات المسلحة في البلدان الاخرى  وأقرب الأمثلة الثورة المصرية في عام 1952  وفي الوقت نفسه كان الساسة العراقيون في اتصال دائم يتعقبون الأحداث ويتبادلون الآراء حتى استقر الرأي على تنظيم مذكرات سياسية خطيرة قدمتها أحزاب الاستقلال والحزب الوطني الديمقراطي وحزب الجبهة الوطنية إلى الوصي عبد الإله محملة إياه مسئولية تردي معيشة معظم العراقيين وكان مسار الأوضاع يزداد توترا في البلاد سنة بعد اخرى حتى تكثفت اللقاءات بين الحزب الشيوعي  والحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال وحزب البعث العربي الاشتراكي بعد اعتقال كامل الجادرجي في 29/11/1956 والحكم عليه بالحبس. إن هذه الاوضاع قد عجلت من تطور الأمر وتكلل بتأليف جبهة الاتحاد الوطني في التاسع من آذار 1957 كما صدر البيان الأول من اللجنة العليا وكان قد وضعه إبراهيم كبة وقد تضمن البيان الأهداف التالية : 1. تنحية نوري السعيد وحل المجلس النيابي 2. الخروج من حلف بغداد وتوحيد سياسة العراق مع سياسة البلاد العربية المتحررة 3. مقاومة التدخل الاستعماري بشتى أشكاله ومصادره وانتهاج سياسة عربية مستقلة أساسها الحياد الإيجابي 4. إطلاق الحريات الدمقراطية الدستورية .5. إلغاء الإدارة العرفية وإطلاق سراح السجناء والمعتقلين والموقوفين السياسيين وإعادة المدرسين والموظفين والمستخدمين والطلاب المفصولين لأسباب سياسية،  ومن الجدير بالذكر أن الجبهة قد استثنت الحزب الديمقراطي الكردستاني لأسباب فكرية وسياسية عديدة مما حدا بالحزب الشيوعي إلى قيام جبهة ثنائية بينهما لها ميثاقها الذي تضمن الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي والتي لم ينص عليه ميثاق جبهة التحاد الوطني.

ومما تبين في أعلاه ان ثورة الرابع عشر من تموز هي وليدة الجهد الوطني والتضحيات الكبرى التي قدمتها  الأحزاب الوطنية في جبهة الاتحاد الوطني ولكل من أطرافها الحق الشرعي والأخلاقي  والتاريخي في الاحتفاظ بحصته في الثورة كبرت أم صغرت، أما الضباط  الأحرار فقد استخدموا في عملهم الأسلوب العسكري بعيدا عن نظريات التنظيم الحزبي فكانوا منسجمين مع واقعهم العسكري وقد عرف معظمهم بالتواضع  بل أن بعضهم قد مر نصف قرن دون أن يكن معروفا للناس فقد ابتعدوا عن الأضواء  والجعجعة الإعلامية  بل لم يدافعوا عن انفسهم في اغلب الأحيان.

إن ثورة تموز التي تجاهلتها الحكومات الراهنة لدرجة أنها استنكفت عن وضعها ضمن العطل الرسمية اسوة بيوم الثالث من تشرين عندما أصبح العراق عضوا في عصبة الأمم مقابل تكريسها للمعاهدات الجائرة مع الاستعمار البريطاني  وحولته إلى يوم وطني، لا تقاس بفن التخطيط العسكري الذي اتبعه الضباط الاحرار في عملية تغيير النظام الرجعي العميل، بل تقاس بالإنجازات العظيمة التي كرست الاستقلال والسيادة الوطنية والإنجازات الاقتصادية المتمثلة بالسيطرة على مكامن الثروة الوطنية الذي تجسد بإصدار القانون رقم 80  لسنة 1961 الذي تأسست بموجبه شركات نفط العراق وشركة نفط الموصل وشركة نفط البصرة المحدودة والانجاز الآخر ذو البعد الاقتصادي الاجتماعي قانون الإصلاح الزراعي رقم 30لسنة 1958  والذي حرر الفلاح العراقي من ظلم الاقطاع  وإلغاء القوانين الجائرة التي وضعها المحتل البريطاني التي حولت شيوخ العشائر إلى طبقة شبه اقطاعية، فضلا عن آلاف المشاريع الاقتصادية والاسكانية والصحية، الا تستحق هذه الثورة التمجيد والاحتفال في كل عام؟

ــــــــــــــــــــ

* كاتب المقال عمر هاشم عبد الحسين كان عضوا نشيطا في اتحاد الطلبة العام في جمهورية العراق، ومن المباركين لافتتاح مقر الحزب بعد عام 2003. لم يتسن له نشر هذه المقالة بسبب التحاقه في الكلية العسكرية، وبعد تخرجه تدرج في الترقيات حتى وصل إلى رتبة نقيب (هندسة عسكرية)، ولكن الاقدار كانت اقوى فاستشهد وهو يقاتل الإرهاب. ونظير استبساله منح المكافآت فوصل إلى رتبة عميد.