في أحد أحياء الجانب الأيسر من الموصل، يتحدث عماد قاسم شاب في أواخر العشرينيات، شارك في مبادرات شبابية بعد عام 2017، عن تغيّر نظرة كثير من أقرانه عن الهجرة، فيقول: إن هذا الخيار لم يعد في مقدمة الاهتمامات كما كان سابقاً، ليس لأن الواقع تحسّن، بل لأن الطريق بات أطول وأكثر تعقيداً وكلفة. شهادة تختصر حال شريحة واسعة من شباب نينوى، يعيشون اليوم بين ضغط اقتصادي متزايد، وتراجع واضح في الانخراط بالشأن السياسي والعمل العام.
الهجرة: تراجع الرغبة وبقاء الدافع
خلافاً لسنوات ما بعد التحرير مباشرة، تبدو الرغبة في الهجرة خارج العراق أقل اندفاعاً لدى عدد من شباب الموصل. لا يعود ذلك إلى تحسن ملموس في الظروف المعيشية، بل إلى صعوبة الإجراءات، وارتفاع تكاليف السفر، وتشدد سياسات اللجوء في دول أوروبا.
ويقول ضاري قيس، ناشط مدني من الموصل شارك في مبادرات شبابية بعد عام 2017، إن كثيراً من الشباب لم يتخلوا عن فكرة الهجرة، لكنهم أجّلوها قسراً، بعدما باتت أكثر كلفة وتعقيداً من السابق. مع ذلك، لا يزال العامل الاقتصادي حاضراً بقوة. فالبحث عن دخل أعلى وفرص أكثر استقراراً يبقى دافعاً أساسياً، خصوصاً في ظل أزمات اقتصادية متكررة وتقلبات في سوق العمل.
تشير بيانات اقتصادية حديثة إلى أن معدل بطالة الشباب في العراق، ضمن الفئة العمرية 15–24 عاماً، يصل إلى 32 في المائة، وهي نسبة تضع ضغوطاً إضافية على الخريجين والباحثين عن عمل. وتتوافق هذه المعطيات مع تقارير دولية تؤكد أن البطالة وضعف الفرص الاقتصادية يمثلان أبرز الأسباب التي تدفع الشباب إلى التفكير بالهجرة، حتى في المناطق التي خرجت من النزاع منذ سنوات.
الانسحاب من السياسة: صورة الأحزاب في وعي الشباب
لا يرتبط عزوف الشباب الموصلي عن الانخراط السياسي بحالة لامبالاة، بقدر ما يتصل بالصورة المتشكلة عن الأحزاب نفسها، ففكرة "شيطنة العمل الحزبي" ترسخت نتيجة ممارسات أحزاب السلطة، التي سعت إلى تكريس نفوذها في البرلمان والسلطة التنفيذية.. فمنذ انتخابات 2014 حتى اليوم، تتكرر الوجوه والأسماء السياسية تقريباً، ما عزز قناعة لدى الشباب بأن العملية الانتخابية شبه مغلقة، وأن التغيير عبر صناديق الاقتراع محدود التأثير.
يشير ضاري قيس إلى أن "الانتماء الحزبي بات يُنظر إليه، لدى شريحة واسعة من الشباب، بوصفه ارتباطاً بمنظومة فساد، لا إطاراً للعمل العام"، هو ما عمّق القطيعة بين الأجيال الجديدة والقوى السياسية. كما ورث كثير من الشباب تصورات سلبية عن الحياة السياسية منذ عام 2003، حيث سادت قناعة بأن معظم الأحزاب التي حكمت بعد سقوط النظام السابق ارتبطت بأجندات خارجية وأسهمت في استنزاف موارد الدولة بدل إعادة بنائها.
المشاركة العامة، جدوى مفقودة
بالنسبة لشريحة من الشباب الذين قاطعوا الانتخابات الأخيرة، تعزز الشعور بعدم جدوى المشاركة السياسية، بعد التجربة البرلمانية الأخيرة، حين فازت الكتلة الصدرية بأكبر عدد من المقاعد، ثم انسحبت من المشهد تاركة تشكيل الحكومة لقوى الإطار التنسيقي. هذا التحول عُدّ دليلاً إضافياً على أن نتائج الانتخابات لا تنعكس بالضرورة في تغيير فعلي على مستوى الحكم والسياسات العامة.
ويضيف ضاري قيس أن غياب شخصيات سياسية قادرة على تمثيل تطلعات الشباب أو التحول إلى نماذج يُحتذى بها، أسهم في اتساع الفجوة بين الشباب والمؤسسات السياسية، ودفع كثيرين إلى الانسحاب من المجال العام.
2017 كنقطة انعطاف
تشكل سنة 2017، بعد تحرير الموصل، محطة مفصلية في الوعي الاجتماعي والسياسي لشباب المدينة، شبيهة في تأثيرها بسنة 2003. فبعد حجم الدمار الذي لحق بالمدينة، برز دور واضح للشباب في العمل المدني، قبل أن يتطور لاحقاً إلى نشاط مجتمعي وسياسي. كانت تلك تجربة أولى لمعظم المشاركين، ومع محدودية الخبرة، وقع بعضهم في شباك أحزاب حاولت استثمار هذا الحراك واحتواءه.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل أن صوت الشباب، خصوصاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بات أكثر حضوراً وأخذت السلطات المحلية تتعامل معه بحذر. ولم تمضِ سوى سنوات قليلة حتى اندلعت احتجاجات تشرين، التي نجحت في تغيير رئيس الوزراء، وكادت — لو استمرت — أن تُحدث تحولاً أعمق في قواعد اللعبة السياسية. كما شكّلت حوادث مثل فاجعة العبّارة في الموصل مثالاً على دور الشباب في الضغط والمساءلة.
بين الإحباط والاستمرار
يرى متابعون أن ما تشهده نينوى اليوم لا يمثل قطيعة كاملة بين الشباب والشأن العام، بل حالة تراجع مشروطة، ناتجة عن انسداد الأفق السياسي والاقتصادي. فالتجربة التي بدأت بعد 2017 لم تنتهِ، لكنها دخلت مرحلة أكثر حذرا بعد اصطدامها بواقع الأحزاب، وضعف مؤسسات الدولة، وتكرار الأزمات.
بين هجرة مؤجلة، وانسحاب سياسي مؤقت، يبقى السؤال مطروحاً: هل تتمكن الأجيال الجديدة من تحويل خبراتها القاسية إلى مسار تغيير طويل الأمد، أم أن الإحباط سيفرض صمتاً أطول؟