تنوّعت مواهب ناجح المعموري وتوزّعت على أكثر من أفق أدبي وثقافي، فكان حضوره علامة في ميادين شتى من المعرفة. ابتدأ رحلته في الدراسات الفولكلورية، مستنطقًا ذاكرة التراث الشعبي، ثم مال إلى السرد، فصار للأسطورة لديه مقام الباحث لا الراوي، يقرأها بعين جديدة ورؤية متجاوزة للمألوف. وبعد ذلك ولج ميدان النقد، مسلحًا بأدوات فكرية حديثة، فجعل من المنهج الأسطوري ركيزة في قراءاته وتحليلاته النقدية. ولم يلبث أن استقر مشروعه المعرفي عند البحث الأسطوري بوصفه أفقه الأوسع والأعمق، فغدا اسمه واحدًا من الأسماء التي دخلت ميادين الفكر من بوابتها الكبرى، وكتبت حضورها بين المفكرين الذين وسّعوا حدود المعرفة وأعادوا صياغة أسئلتها.
وإذا كان هذا الجانب المعرفي قد حظي باهتمام الدارسين والمهتمين، فإن جانبًا آخر من شخصية ناجح المعموري ظل أقل ظهورًا، على الرغم من عمقه وتأثيره، وهو جانبه الإعلامي، الذي لا يقل قيمة عن منجزه البحثي والفكري. ففي الإعلام مارس دورًا عمليًا، ميدانيًا، لا تنظيريًا فحسب، وكان حضوره فيه حضور العامل الصامت، الذي يؤمن بأن الرسالة تُنجز بالفعل قبل أن تُكتب بالكلمات.
بدأ نشاطه الإعلامي مبكرًا، حين التحق بالمكتب الصحفي لجريدة "طريق الشعب" في سبعينيات القرن الماضي، بعد صدورها العلني في 16 أيلول 1973. فقد تشكّل المكتب الصحفي لمنطقة الفرات الأوسط في بابل من الأساتذة: رضا الظاهر، وقاسم محمد حمزة، وأمين قاسم خليل، ثم تولى قاسم محمد حمزة المسؤولية بعد انتقال رضا الظاهر إلى مركز الجريدة. أما المكتب الصحفي لمحلية بابل، فقد تعاقب على مسؤوليته كل من الناقد أمين قاسم خليل، والشاعر شريف الزميلي، والناقد ناجح المعموري، وشارك في العمل أيضًا كل من أميرة الخزاعي، وضياء صلوحي، وقاسم سلمان(ابو الجاسم). وعباس البياتي.
كان المكتب الصحفي لمنطقتي بابل والفرات الأوسط يعمل في غرفة واحدة، في تداخل يومي يشي بروح جماعية عالية، وتنسيق دائم في شؤون التغطية الإعلامية وإيصال الأخبار والمواد. وكان ناجح المعموري يكتب باسمه الصريح، وأحيانًا باسمين مستعارين هما: برهان الطويل وأمير عبد الرضا. وهي ممارسة كانت ضرورية آنذاك، نظرًا لحساسية العمل الصحفي وظروفه الأمنية والسياسية القاسية.
ولعل من يقرأ تلك المرحلة اليوم لا يدرك حجم المشقة التي كان يتحملها العاملون في الصحافة، إذ لم تكن هناك وسائل اتصال حديثة أو شبكات إلكترونية، بل كان أحد العاملين يُكلف بنقل المواد يدويًا إلى مقر الجريدة في بغداد، ولا سيما إذا كانت التغطية تتعلق بفعالية مهمة، أو تحقيق صحفي، أو خبر عاجل. كان ذلك عبئاً شاقًا جسديًا ونفسيًا، لكنه كان يُؤدى بإحساس عالٍ بالمسؤولية والإيمان بالدور.
ولم يقتصر عمل ناجح المعموري على المكتب الصحفي فحسب، بل كان يذهب مرة في الأسبوع إلى مقر الجريدة للمشاركة في متابعة المواد الإعلامية، والعمل في صفحة "مرحبًا يا أطفال"، فضلًا عن مساهمته في المواد المخصصة للصفحة الثقافية. وقد نال مكتب بابل الصحفي آنذاك تقديرًا واضحًا من هيئة تحرير الجريدة، لما تميز به من نشاط وحيوية وقدرة على رفد الجريدة بمواد نوعية ومنتظمة.
وبعد سقوط النظام السابق في 9 نيسان 2003، لم ينقطع عطاؤه الإعلامي، بل اتخذ شكلًا جديدًا، حين كُلّف من قبل جريدة "المدى" بتأسيس مكتبها الصحفي في بابل ثم توسع المكتب ليشمل مدن الفرات الاوسط. فنهض بالمهمة بروح المسؤولية ذاتها، وكان المكتب من أوائل المكاتب التي ترفد الجريدة بالأخبار والتقارير والمقالات. وشارك معه في هذا الجهد كل من أحمد الناجي، وإقبال محمد عباس، ومحسن الجيلاوي، ومحمد هادي وعلاء غزاله، في تجربة أكدت أن المعموري لم يكن مجرد كاتب، بل صانع مؤسسات إعلامية مصغرة، قائمة على التنظيم والانضباط والرؤية.
غير أن المحطة الأشد دلالة في مسيرته الإعلامية كانت تجربته في إذاعة "اتحاد الشعب" التابعة لمحلية الحزب الشيوعي في بابل. فقد شُكّلت لجنة للإشراف على عمل الإذاعة ضمت: ناجح المعموري، وعادل الياسري، ووجدان المعموري، ومحمد علي محيي الدين، وكان مدير الإذاعة حينها الباحث مزاحم الجزائري، الذي أصبح عضوًا في اللجنة أيضًا. وبالنظر إلى المكانة الثقافية والاعتبار المعرفي الذي كان يحظى به ناجح المعموري، كان من الطبيعي أن يُرشح لرئاسة اللجنة، لكنه رفض ذلك بإباء واضح، مؤكدًا أن الجميع سواسية، وأن العمل لا يحتاج إلى رئيس ومرؤوس، بل إلى شركاء في المسؤولية. وهذه سمة لا تتوافر إلا في القلة التي تدرك وزنها الحقيقي فلا تحتاج إلى إبرازه شكليًا.
ومع ذلك، فقد أخذ على عاتقه، عمليًا، إدارة شؤون اللجنة، وتقديم الرؤى والمقترحات التي تنهض بعمل الإذاعة، بما يمتلكه من خبرة في التنظيم، وحس قيادي، ورؤية ثقافية عميقة. وكانت اجتماعات اللجنة أسبوعية، تُرفع تقاريرها إلى اللجنة المحلية للمصادقة على القرارات والمقترحات، وكانت تلك التقارير تحظى بالموافقة غالبًا لما تتسم به من واقعية وفائدة واضحة في تطوير الأداء الإذاعي.
وحين تسلمت ادارة الاذاعة تعاون معي بشكل ملحوظ فصار العمل أكثر انسجامًا ويسرًا، بسبب التفاهم العالي بين أعضاء اللجنة. وكان من مقترحات ناجح المعموري المهمة أن يتولى أعضاء اللجنة أنفسهم إعداد وتقديم برامج إذاعية جديدة، أكثر قربًا من اهتمامات المستمعين. فقدم هو برنامجًا ثقافيًا مميزًا، حاز إعجاب الجمهور بما حمله من جدة في الطرح وعمق في الرؤية. وقدم وجدان المعموري برنامج لقاء مع مسؤول، وبرنامجًا قانونيًا، إلى جانب لقاءات مباشرة متعددة، لاقت صدى طيبًا لدى المستمعين. أما أنا فقد كُلفت بإعداد برامج متنوعة كانت تُبث يوميًا عبر أثير الإذاعة.
وسار العمل الإذاعي حينها في أفضل حالاته، تنظيمًا ومضمونًا وأثرًا. وأستحضر هنا حادثة لا يجوز أن تُنسى، لما تنطوي عليه من دلالة أخلاقية عالية. إذ اضطررنا في إحدى المرات إلى تسريح إحدى المذيعات لأسباب إدارية، ورأينا أن ننتظر حتى تتوفر بديلة مناسبة، لكن الأستاذ ناجح رفض التأجيل، وأصر على المضي في القرار قائلًا: "سأتولى مكانها بنفسي، وإذا اقتضى الأمر سأجلب فراشي وفراش أخي وجدان ونبيت في الإذاعة حتى لا يتعطل البث".
بهذه الروح كان يتعامل مع العمل الإعلامي: روح المتطوع، لا الموظف، وروح المؤمن بالرسالة، لا الباحث عن الامتيازات. لقد نذر نفسه لما آمن به، وظل وفيًا له حتى ساعاته الأخيرة، يعمل بصمت، ويمنح جهده بلا ضجيج، ويترك أثره حيثما حلّ، في الإعلام كما في الفكر، وفي الثقافة كما في الحياة.