اخر الاخبار

تمرّ علينا بعد أيام الذكرى الثامنة والسبعون لأول وأكبر انتفاضة جماهيرية في تاريخ العراق الحديث، تلك الانتفاضة التي شكّلت منعطفاً مفصلياً في مسار النضال الوطني. فمنذ مطلع أربعينيات القرن الماضي، شهد العالم تغيّرات سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة، ترافق معها تصاعد نضال حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار. وفي العراق، كانت الطبقات الكادحة تعاني من سياسات الاضطهاد والتخلف والفساد التي مارستها السلطة الحاكمة المرتبطة بالاستعمار البريطاني.

وفي هذا السياق، ناضلت الأحزاب التقدمية والقومية والديمقراطية من أجل تحقيق الحرية والاستقلال، وضمان حرية التعبير، وإلغاء اتفاقية عام 1930 التي كرّست الهيمنة البريطانية على البلاد. غير أن الحكومة آنذاك أقدمت على توقيع معاهدة بورتسموث مع سلطة الاحتلال البريطاني، ما فجّر غضب الشارع العراقي ودفع جماهير الشعب، بمختلف قواه الوطنية، إلى الخروج في تظاهرات واسعة عمّت الساحات والشوارع.

وشهدت تلك التظاهرات مشاركة واسعة من مختلف الفئات الاجتماعية، من طلبة الكليات والمعاهد، إلى الفئات الكادحة من سكان الشالجية وغيرها من المناطق الشعبية، وهم يهتفون بإلغاء المعاهدة وتحقيق المطالب الوطنية المشروعة للشعب العراقي.

وفي خضم هذا الحراك الشعبي المتصاعد، بادرت أحزاب الحزب الشيوعي العراقي، وحزب الاستقلال، والحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي)، إلى تشكيل أول تحالف جبهوي في تاريخ العراق الحديث، عُرف باسم «جبهة الإنقاذ الوطني»، لتوحيد الجهود وقيادة المظاهرات التي اجتاحت بغداد وسائر المدن العراقية.

وقوبلت هذه الانتفاضة الشعبية بقمع عنيف، حيث أقدمت أجهزة الشرطة على إطلاق النار على المتظاهرين، ما أسفر عن سقوط عدد من الشهداء في ساحات الاحتجاج، ولاسيما في ساحة الوثبة وعلى جسر الشهداء، لترتسم بدمائهم صفحة مشرقة في سجل النضال الوطني.

ورغم القمع، حققت الوثبة أهدافها الأساسية، إذ جرى إلغاء معاهدة بورتسموث، وسقطت حكومة صالح جبر، كما أسفرت الانتفاضة عن انبثاق أول اتحاد لطلبة العراق، في خطوة مهمة على طريق التنظيم والحراك الطلابي الوطني.

وهكذا سُجلت انتفاضة كانون بوصفها واحداً من أكبر الانتصارات الشعبية في تاريخ العراق، بفضل وحدة القوى الوطنية والتقدمية والقومية والديمقراطية. غير أن هذا الانتصار لم يمرّ دون ثمن، إذ أقدمت السلطة الحاكمة، بتحريض مباشر من السفارة البريطانية، على ارتكاب جريمة إعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي، وتعليق جثامينهم في ساحات بغداد، في محاولة يائسة لإرهاب الشعب وكسر إرادته.

المجد والخلود لشهداء العراق، لقادة الحزب الشيوعي فهد ورفيقيه صارم وحازم، والخزي والعار يلاحق السلطات العميلة التي ظنت أن القمع يمكن أن يطفئ شعلة النضال.