اخر الاخبار

اليوم تحلّ ذكرى وثبة كانون، أو ما عُرف شعبياً بـ«دگة الجسر»، إحدى أبرز المحطات النضالية في تاريخ العراق الحديث. ففي 27 كانون الثاني عام 1948، وأثناء فترة الحكم الملكي، أقدم رئيس وزراء العراق آنذاك صالح جبر على توقيع معاهدة بورتسموث بين العراق وبريطانيا العظمى، المعروفة بـ(معاهدة جبر – بيفن)، والتي مثّلت في جوهرها تجديداً لمعاهدة عام 1930.

وقد كبّلت تلك المعاهدة العراق بقيود سياسية وعسكرية جعلته تابعاً لسياسة التاج البريطاني، مقابل ثمن وُصف حينها بالرخيص، تمثّل بإدخال العراق إلى عصبة الأمم. ومن يطّلع على بنود هذه المعاهدة يجد أنها منحت الحركة الوطنية العراقية كامل الحق في رفضها والثورة ضدها، وقد تصدّر هذا الرفض الحزب الشيوعي العراقي وقوى وطنية أخرى، لما تضمنته المعاهدة من تبعية مباشرة للحكومة البريطانية بصيغة بديلة عن الانتداب.

لهذا، لم يكن من الممكن اعتبار يوم دخول العراق إلى عصبة الأمم يوماً وطنياً، كما حاولت بعض الجهات لاحقاً الترويج له، بل على العكس، شكّل توقيع المعاهدة الشرارة التي أطلقت التظاهرات الشعبية الواسعة في بغداد وعدد من المدن العراقية، في 27 كانون الثاني 1948، للمطالبة بإلغائها.

انطلقت التظاهرات من جانب الرصافة في شارع الرشيد قرب جامع الحيدر خانة، وتزامنت معها مظاهرة أخرى في جانب الكرخ. وكان هدف المتظاهرين الالتحام عبر العبور من الجسر العتيق، كما كان يسميه البغداديون، والذي عُرف لاحقاً بجسر الشهداء بعد ثورة 14 تموز. إلا أن شرطة نوري السعيد تصدّت للمحتجين بعنف شديد، بعدما انتشرت فوق الجوامع والبنايات الحكومية والتجارية، وأطلقت النار بكثافة على الجموع.

أسفر ذلك القمع عن استشهاد المئات من المتظاهرين، بينهم فتاة جامعية مثّلت أول فتاة بغدادية تشارك في التظاهرات الجماهيرية. وسُمّيت تلك الحادثة بـ«دگة الجسر»، والدگة في اللهجة البغدادية تعني «الفاينة» أو الفعل الخسيس والسيئ. ورغم الدماء، التحمت التظاهرات واستمر الزخم الشعبي، وامتلأت شوارع بغداد ومدن أخرى بالمحتجين استنكاراً للإصرار على تمرير المعاهدة.

وكان لبيان الحزب الشيوعي العراقي، الذي وُزّع آنذاك بين المتظاهرين، أثر بالغ في توسيع رقعة الاحتجاجات، إذ شارك فيها أكثر من 300 ألف مواطن، بعدما كشف البيان حجم التبعية السياسية والاقتصادية، وغياب سلطة القضاء العراقي على القوات البريطانية بموجب المعاهدة.

أمام هذا الضغط الشعبي الهائل، اضطر الوصي على عرش الملك فيصل إلى مطالبة صالح جبر بتقديم استقالته، والتي قُدّمت رسمياً في 27 كانون الثاني 1948. ولاحتواء غضب الشارع، جرى تكليف السيد محمد حسن الصدر بتشكيل الوزارة، في محاولة لتهدئة الأوضاع. وفي النهاية، تم إلغاء معاهدة بورتسموث، في تتويج واضح لنضال الشعب العراقي وقواه الوطنية ضد الاستعمار القديم.

بعض ما ورد في معاهدة بورتسموث

كانت معاهدة عام 1930 سارية لمدة 25 عاماً، وتنتهي عام 1955، إلا أن البريطانيين سعوا إلى تجديدها عبر معاهدة بورتسموث، التي تضمنت بنوداً أبرزها:

1. السماح للجيوش البريطانية بدخول العراق كلما اشتركت في حرب في الشرق الأوسط.

2. التزام العراق بتقديم جميع التسهيلات والمساعدات للقوات البريطانية في أراضيه ومياهه وأجوائه.

3. أحقية القوات البريطانية في الإقامة داخل معسكرات الجيش العراقي.

4. عدم جواز محاكمة الضباط البريطانيين أمام القضاء العراقي، وإخضاعهم حصراً للمحاكم العسكرية البريطانية.

وقد استمر الوجود العسكري البريطاني في قواعد مثل الحبانية (سن الذبان) وقاعدة الشعيبة، إلى أن تلاشى تماماً بعد قيام ثورة 14 تموز 1958.

العبر المستخلصة

إن استذكار وثبة كانون واجب وطني، في ظل محاولات متعمدة قامت بها أنظمة متعاقبة، منذ انقلاب شباط الأسود عام 1963، لطمس منجزات شعبنا الوطنية وحجبها عن الأجيال اللاحقة، وفصل الماضي النضالي عن الحاضر. وقد تجلّت هذه المحاولات في السعي لجعل يوم دخول العراق إلى عصبة الأمم يوماً وطنياً، في تجاهل متعمّد لحقيقة أن اليوم الوطني الحقيقي هو الرابع عشر من تموز 1958، يوم أُرغمت بريطانيا على الرحيل، واعترف بالعراق دولة مستقلة فعلياً.

وأنا ممن عاصروا تلك الأحداث، ولم أرَ فرحة علت وجوه العراقيين كما رأيتها يوم ثورة 14 تموز. ومع ذلك، لا يمكن إنكار دور العهد الملكي في وضع أسس الدولة الحديثة منذ عام 1921، لكنه في المقابل كان أول من اضطهد الشعب بعد رحيل الحكم العثماني، وأرسى أسس مديرية الأمن العامة، ومارس التعذيب، وأنشأ سجن نقرة السلمان، الذي صُنّف دولياً كواحد من أسوأ البيئات التي عاش فيها البشر.

ختاماً، التحية للأقلام التي لا تنسى ثورات الآباء والأجداد، لأنها وحدها من تحفظ ذاكرة الوطن، وهي التي صنعت العراق الحديث.