اخر الاخبار

بقلوب يعتصرها الأسى، وعيونٍ يثقلها الدمع، استقبلنا نبأ رحيل الصديق والرفيق الكبير كاظم محمد الحسن (أبو بسيم)، ذلك القلب الشجاع الذي توقف عن الخفقان بعيد ظهيرة يوم الخميس 18/12/2025، إثر جلطة مفاجئة باغتته وهو في ذروة عطائه ونشاطه، كأن الموت اختاره وهو واقف، شامخ، كما عاش دومًا، لا يعرف الانحناء ولا يرضى بالوهن.

برحيله لا نفقد إنسانًا عاديًا، بل نفقد صفحة ناصعة من تاريخ المدحتية وبابل، ورمزًا من رموز النزاهة والالتزام الوطني والاجتماعي، ورجلاً حمل في قلبه همَّ الناس، وفي سلوكه أخلاق المناضلين، وفي مسيرته صدق المؤمن بعدالة قضيته.

عرفت أبا بسيم منذ سبعينيات القرن الماضي، يوم كان من الشيوعيين الملتزمين الذين تصدّروا العمل التنظيمي في المدحتية والقاسم إبان قيام الجبهة الوطنية، وظلت صلتنا متصلة لا تنقطع، حتى ساعاته الأخيرة. كان حضوره دائمًا هادئًا، واثقًا، يشبه النهر العميق الذي لا يضجّ، لكنه يمنح الحياة لكل ما حوله.

وُلد عام 1944 في ناحية المدحتية، في عائلة عُرفت بكرم الضيافة وسدانة زوّار مرقد الإمام الحمزة، وبإرث نضالي مشرّف. فقد كان عمّه الراحل عيد الحسن العلي (أبو كاظم) من أوائل من زرعوا بذور الوعي الشيوعي في المدينة وما جاورها، وذاق مرارة السجن والتشريد، وبقي وفيًا لقضية شعبه حتى آخر أيامه. ومن هذا الجذر الوطني النقيّ تفتحت شخصية أبي بسيم، فحمل الراية بإخلاص وواصل الطريق بشجاعة وصبر.

  أنهى دراسته الابتدائية في مدرسة المدحتية للبنين، وتخرّج من ثانويتها عام 1963، ثم التحق بكلية الشريعة في جامعة بغداد عام 1967، حيث عُيّن في سنته الأخيرة مدرسًا على الملاك الثانوي في وزارة التربية. غير أن طريقه لم يكن مفروشًا بالطمأنينة، بل مرّ عبر دروب القمع والمطاردة.

فقد لاحقته أجهزة الأمن وهو بعد طالب في الثانوية عام 1962، فاضطر إلى الاختفاء في بساتين عائلته. وبعد انقلاب شباط الأسود 1963 أُلقي القبض عليه، وتعرّض للتعذيب في أقبية الحرس القومي بقصر (أنور الجوهر) في الحلة، ثم نُقل إلى معتقل “خلف السدة” في بغداد، وقُدّم إلى المحاكمة العرفية في قاعة الشعب الملاصقة لوزارة الدفاع.

وأُطلق سراحه في 2/12/1963، ليعود إلى مقاعد الدراسة متأخرًا شهرين عن زملائه، لكنه عوّض ذلك بتفوّق باهر واجتاز المرحلة الأولى بنجاح لافت، كأنه كان يعلن منذ ذلك الوقت أن السجون لا تكسر الإرادة، وأن الألم لا يهزم الحلم.

انتمى إلى الاتحاد العام لطلبة العراق وهو في الخامسة عشرة من عمره، وحمل المنشورات الشيوعية فتىً في السابعة عشرة، متنقلاً بها من عمّه إلى منظمة الحزب في القاسم. ومنذ تلك السنوات المبكرة صاغ النضال شخصيته، فصار الانتماء لديه قدرًا أخلاقيًا لا مجرد خيار سياسي.

مارس التدريس في متوسطة الزبيدية (1967–1970)، ثم في متوسطة الجمهورية بالحلة (1970–1971)، وأخيرًا في ثانوية المدحتية. وكان أستاذًا ذا هيبة محببة، وحضور تربوي مؤثر، يجمع بين الصرامة والحنان، وبين الانضباط والرحابة. أحبّه طلابه قبل أن يحترموه، واحترمه زملاؤه قبل أن يقدّروه.

وفي زمن الجبهة الوطنية، مثّل الحزب الشيوعي العراقي في منظمة الجبهة بقضاء الهاشمية، وتولى مسؤولية تنظيمات الحزب في القاسم والمدحتية، وكان عضوًا في مختصة المعلمين في بابل التي قادها الشهيد فاضل وتوت. هناك برز كمنظم هادئ، صبور، يعرف كيف يبني العلاقات ويصونها، وكيف يختلف دون أن يجرح، وكيف يقود دون أن يتسلط.

عام 1980، حين قرر النظام إقصاء التربويين الشيوعيين الرافضين الانتماء إلى حزب البعث، نُقلوا من وزارة التربية إلى وزارة المالية والعمل والشؤون الاجتماعية. كان ذلك النقل قاسيًا معنويًا وماديًا، لكنه لم ينكسر. عمل في المصارف الحكومية، وبنظافته ونباهته وأمانته تفوق على المختصين، حتى أصبح مديرًا لمصرف الرشيد فرع الهاشمية، ثم مديرًا لفرع الفيحاء.

وهناك قدّم نموذجًا نادرًا للمدير النزيه، الذي يرى في المنصب مسؤولية لا امتيازًا، وفي المواطن إنسانًا لا رقمًا. فازدادت شعبيته، وتعزز احترام الناس له، لأنه لم يبدّل مبادئه مهما تبدّلت المواقع.

وفي انتفاضة آذار 1991، وبحكم مكانته الاجتماعية، وقف سداً بوجه التخريب والنهب، وسعى إلى حماية الممتلكات العامة والخاصة، فكان صوت العقل في زمن الغضب، وصوت الضمير في زمن الفوضى. وبعد فشل الانتفاضة استُدعي من قبل قيادة حزب البعث في المدحتية، لكن شهادة من عرفوا دوره الإنساني النبيل أنقذته من بطش جديد.

وبعد سقوط النظام، ومع عودة النشاط العلني للحزب الشيوعي العراقي في بابل، عاد أبو بسيم إلى صفوف حزبه بروح شابة، وأسهم في إعادة بناء التنظيم، ثم تولّى قيادته بعد وفاة الدكتور علي الصائغ. وكان قائدًا أبويًا، ومرشدًا حانيًا، ومربيًا لجيل جديد من الشباب، ينقل إليهم خبرته بهدوء، ويغرس فيهم روح المسؤولية لا روح التبعية.

عملت معه مباشرة منذ أواسط عام 2003 في لجنة قضاء الهاشمية، وفي محلية بابل لسنوات طويلة. كان كنسيم عليل في تعامله، يشدّ الأزر، ويحتوي الخلاف، ويمنح الثقة، وله كلمة الفصل حين تشتد التباينات. يمتلك مخزونًا فكريًا غنيًا، وخبرة تنظيمية عميقة، اكتسبها من عقود طويلة في قيادة منظمات القاسم والهاشمية والمدحتية.

ورغم تقدّمه في السن، كان في مقدمة العاملين المثابرين، لا يتأخر عن مهمة، ولا يعتذر عن واجب. تراه وقد جاوز الثمانين، لكنه يعمل بهمة الشباب، وكأن الزمن عقد معه هدنة احترام.

شارك في جميع مؤتمرات المحلية والحزب منذ عام 2003، وكان وجهًا اجتماعيًا بارزًا في مدينته، يحضر في الأفراح كما في الأتراح، ويسهم في حل النزاعات، ويصل ما انقطع بين الناس. ولذلك لم يكن رحيله حدثًا عائليًا أو حزبيًا فحسب، بل كان خسارة عامة شعرت بها المدحتية وما جاورها.

وحين غاب، بكى عليه كل من عرفه أو تعامل معه. وكان تشييعه ومجلس عزائه شاهدين على عمق حضوره في القلوب، وعلى صدق محبة الناس له. فقد كان واحدًا من أعلام المدينة، وواحدًا من وجوهها النبيلة التي ندر أن يجود الزمان بمثلها.

سلامٌ لروحك يا أبا بسيم، سلامٌ لرحلتك الطويلة المفعمة بالشرف، وسلامٌ لذكراك التي ستبقى منارة للأجيال.

أحرّ العزاء لعائلته الكريمة، ولرفاقه وأصدقائه ومحبيه، ولكل من عرف في هذا الرجل مثال الإنسان النزيه، والمناضل الصادق، والمواطن الذي عاش نظيف اليد، عالي الرأس، ومات كما عاش… واقفًا.