اخر الاخبار

في العراق، لا تبدأ قصة الحكومة الرقمية اليوم. فمنذ أكثر من عقد، عملت مؤسسات حكومية، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، على إعداد استراتيجيات وأطر فنية لتطوير الحكومة الإلكترونية، وتحديث أنظمة المعلومات، وربط المؤسسات، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات. لكن، يجد العراق نفسه اليوم أمام استحقاق جديد يتمثل في استحداث وزارة للاقتصاد الرقمي والحوكمة والعلوم والتكنولوجيا، في وقت ما تزال فيه الفجوة واضحة بين الطموحات المعلنة ومستوى التحول الرقمي الفعلي.

هنا يبرز سؤال يتجاوز تشكيل الوزارات وتغيير مسمياتها: ماذا حدث للخطط والخبرات والمشاريع التي بُنيت خلال السنوات السابقة؟ وهل ستشكل الوزارة الجديدة امتداداً لما أُنجز، أم أننا أمام دورة أخرى من إعادة التخطيط وبناء الهياكل، بما قد يترتب عليها من كلفة مالية ومعرفية يتحملها المال العام؟

من خطط 2010 إلى قرار الدمج في 2015

شهدت الفترة بين عامي 2010 و2014 خطوات مهمة في مجال الحكومة الإلكترونية. فقد عملت وزارة العلوم والتكنولوجيا، بالتعاون مع جهات حكومية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، على تطوير استراتيجية للحكومة الإلكترونية، وأطر للتشغيل البيني بين الأنظمة الحكومية، وبوابة إلكترونية، إلى جانب خدمات إلكترونية محلية.

في شباط 2014، أُعلن استكمال ونشر إرشادات تتعلق بالبنية الوطنية للحكومة الإلكترونية وسياسة البيانات العامة، بهدف توفير أدوات عملية تساعد المؤسسات الحكومية على تطوير مواقعها وخدماتها، وتحسين التنسيق بين مستويات الإدارة المركزية والمحلية. كما شملت الجهود مناقشة نماذج لتطبيق الحكومة الإلكترونية في المحافظات.

لم تكن هذه الأعمال مجرد أفكار عامة؛ بل مثّلت استثماراً في التخطيط والخبرة الفنية والمعرفة التنظيمية اللازمة للتحول الرقمي. لكنها لا تعني، في المقابل، أن جميع مكونات الاستراتيجية قد نُفذت بالكامل أو أن العراق أصبح يمتلك آنذاك حكومة إلكترونية متكاملة. فقد بقيت بعض مراحل التنفيذ بحاجة إلى متابعة واستكمال.

في آب 2015، جاء قرار تقليص عدد الوزارات ودمج وزارة العلوم والتكنولوجيا بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي. وكان القرار جزءاً من إعادة هيكلة أوسع للجهاز الحكومي، لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً عن مصير الاختصاصات والبرامج والمشاريع والكوادر التي كانت تعمل في مجالات العلوم والتكنولوجيا والحكومة الإلكترونية.

فالدمج الإداري قد يقلل عدد الوزارات، لكنه لا يضمن، بحد ذاته، الحفاظ على المعرفة المؤسسية أو استمرار المشاريع. والمشكلة ليست في تغيير الهيكل التنظيمي وحده، بل فيما إذا رافق ذلك نقل واضح للموازنات والوثائق والعقود والأنظمة والخبرات، وتحديد الجهات المسؤولة عن مواصلة العمل.

أحد عشر عاماً من التحولات والعودة إلى سؤال البداية

في عام 2021، أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بالتعاون مع الأمانة العامة لمجلس الوزراء وأكاديمية الحوكمة الإلكترونية في إستونيا، مبادرة لتقييم المشهد الرقمي في العراق ومراجعة الاستراتيجيات والخطط القائمة، بهدف إعداد توصيات وخارطة طريق للتحول الرقمي في القطاع العام.

يمكن أن تكون مراجعة الخطط السابقة ضرورة طبيعية، فالتكنولوجيا تتغير، والأنظمة القديمة تحتاج إلى تحديث، كما أن متطلبات حماية البيانات والأمن السيبراني والهوية الرقمية أصبحت أكثر تعقيداً. لكن تكرار إعداد الاستراتيجيات يثير سؤالاً آخر: هل جرى البناء على ما أُنجز سابقاً، أم أن الدولة اضطرت إلى إعادة بعض مراحل التخطيط بسبب انقطاع الاستمرارية المؤسسية؟

في 15 تشرين الأول 2026، صوّت مجلس النواب على استحداث وزارة الاقتصاد الرقمي والحوكمة والعلوم والتكنولوجيا، فاتحاً مرحلة مؤسسية جديدة في هذا الملف.

قد يكون استحداث الوزارة فرصة لتوحيد المسؤوليات المتفرقة، وتعزيز التنسيق بين الحكومة والعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي. غير أن نجاحها لن يقاس باسمها أو باتساع اختصاصاتها، وإنما بقدرتها على تحويل الخطط إلى خدمات فعلية، والاستفادة من الاستثمارات والخبرات التي سبقتها.

إن الخطر الحقيقي هو أن تتحول إعادة الهيكلة إلى دورة متكررة تبدأ فيها المؤسسات من جديد كلما تغيرت الحكومات أو الأولويات، في حين تبقى المعرفة والخبرة والموارد التي جُمعت في المراحل السابقة خارج الاستخدام الفعلي.

مؤشرات تكشف فجوة التنفيذ

تتضح أهمية هذا السؤال عند النظر إلى المؤشرات الرقمية العالمية. فبحسب الأرقام فإن مؤشر البنك الدولي لنضج الحكومة الرقمية لعام 2025، حل العراق في المرتبة 124 عالمياً من أصل 197 دولة، وصُنّف ضمن الفئة (C)، بدرجة إجمالية بلغت  46.42 في المائة.

كما تشير البيانات الواردة إلى تفاوت بين المكونات؛ إذ بلغت درجة أنظمة الحكومة الأساسية 60.48 في المائة، والبنية الرقمية وتقديم الخدمات الإلكترونية 63.88 في المائة، مقابل 25.04 في المائة للمشاركة الرقمية والشفافية، و36.31  في المائة لممكنات الحكومة الرقمية.

كما تذكر الوثيقة أن بغداد سجلت درجة 0.1563 في مؤشر الأمم المتحدة للخدمات المحلية عبر الإنترنت لعام 2024، مع احتلال المرتبة 141 عالمياً. ووفق الأرقام نفسها، سجل العراق في مؤشر المشاركة الإلكترونية لعام 2024 درجة 0.0959، وجاء في المرتبة 172.

تشير هذه المؤشرات، إلى أن التحدي لا يتعلق بغياب التطبيقات أو المبادرات الرقمية وحدها، بل بضعف التكامل بين المؤسسات، ومحدودية المشاركة الإلكترونية، والحاجة إلى تحسين البيئة المؤسسية والتشريعية والقدرات البشرية.

فالحكومة الرقمية ليست مجموعة منصات منفصلة، ولا مجرد تحويل الاستمارات الورقية إلى نماذج إلكترونية. إنها منظومة يفترض أن تتيح تبادل البيانات بصورة آمنة، وإنجاز المعاملات من دون مراجعة دوائر متعددة، وتقليل الوقت والكلفة، وتمكين المواطن من متابعة معاملته والاطلاع على المعلومات وتقديم الشكاوى.

من دون إعادة تصميم الإجراءات الإدارية وتوحيد المعايير وربط قواعد البيانات، قد تتحول الرقمنة إلى إضافة تقنية فوق البيروقراطية القديمة، بدلاً من أن تكون وسيلة لإصلاحها.

أين يمكن أن يقع الهدر؟

لا تكفي الوقائع المتاحة للجزم بأن الأموال التي أُنفقت على برامج الحكومة الإلكترونية قبل عام 2015 قد ضاعت، كما لا تثبت أن جميع المشاريع السابقة توقفت أو أن الوزارة الجديدة ستبدأ فعلياً من الصفر. لكن هذا لا يلغي مخاطر الهدر المحتمل.

فإعادة إعداد دراسات واستراتيجيات سبق إنجاز أجزاء منها قد تعني دفع كلفة استشارية جديدة كان بالإمكان تقليلها من خلال مراجعة الوثائق السابقة. وتغيير الهياكل من دون نقل الخبرات قد يفرض تكاليف إضافية للتدريب والاستعانة بخبراء جدد. أما غموض ملكية الأنظمة والعقود وقواعد البيانات، فقد يؤدي إلى تعطل مشاريع أو تكرار شرائها وتطويرها.

وثمة كلفة أخرى يصعب قياسها مباشرة، تتمثل في تأخر المنافع التي يفترض أن يحصل عليها المواطن. فكل سنة تتأخر فيها الخدمات الرقمية المتكاملة تعني استمرار الوقت والجهد اللذين يبذلهما المواطن في المراجعات الورقية، واستمرار كلفة الإجراءات المتكررة على الدولة والمجتمع.

لهذا، فإن السؤال لا ينبغي أن يبقى في إطار الشكوك أو الاتهامات العامة، بل يجب تحويله إلى عملية تدقيق واضحة.

المطلوب: جرد ومراجعة ومساءلة

تحتاج الوزارة الجديدة إلى إعداد جرد وطني لما ورثته الدولة من مشاريع الحكومة الإلكترونية والتحول الرقمي، يتضمن الاستراتيجيات السابقة، والأنظمة والبوابات الإلكترونية، والعقود والتراخيص، وقواعد البيانات، والكوادر التي شاركت في تطوير هذه البرامج.

كما ينبغي إجراء مراجعة مالية وفنية مستقلة تحدد ما صُرف فعلياً، وما أُنجز، وما توقف، وما لا يزال قابلاً للاستخدام أو التطوير. ومن المهم التمييز بين مشروع لم يُنفذ أصلاً، وآخر نُفذ ثم تعطل، وثالث استمر تحت إشراف جهة حكومية مختلفة؛ لأن لكل حالة أسبابها ومسؤولياتها.

بعد ذلك، ينبغي نشر خطة واضحة لاستمرارية العمل، تحدد ما ستحتفظ به الوزارة، وما ستحدثه أو تستبدله، ولماذا، وكم ستكلف هذه القرارات. ويجب أن ترتبط هذه الخطة بمؤشرات قابلة للقياس، مثل عدد الخدمات المنجزة إلكترونياً بالكامل، ومتوسط  زمن المعاملة، وكلفة تقديم الخدمة، ونسبة استخدام المنصات، ومستوى تكامل قواعد البيانات، ورضا المواطنين.

كما يتطلب الإصلاح تحديد الصلاحيات والعلاقة بين الوزارة الجديدة والمؤسسات القائمة، بما يمنع ازدواجية المسؤوليات وتعدد الأنظمة المتعارضة، ويضمن استمرار المشاريع بدلاً من تعطيلها عند كل تغيير إداري.

بناء الدولة الرقمية لا يبدأ من الصفر

إن استحداث وزارة جديدة ليس خطأً في حد ذاته؛ فقد يكون خطوة مطلوبة لمعالجة تشتت الصلاحيات وتسريع التحول الرقمي. لكن قيمة هذه الخطوة تتوقف على قدرتها على التعلم من التجارب السابقة، لا على إعادة إنتاجها.

لقد أنفقت الدولة، بالتعاون مع شركاء دوليين، وقتاً وموارد في إعداد الاستراتيجيات والأطر الفنية وبناء الخبرات. ومن حق المواطن أن يعرف كيف استُخدمت هذه الموارد، وما الذي تحقق منها، وما الذي تعثر، وكيف ستستفيد المؤسسة الجديدة منها.

إن حماية المال العام لا تعني الحفاظ على كل خطة قديمة مهما تقادمت، بل تعني عدم دفع كلفة جديدة قبل فحص ما هو موجود، وعدم إهدار الخبرة لمجرد تغير اسم المؤسسة أو هيكلها.

في النهاية، لن يكون نجاح وزارة الاقتصاد الرقمي والحوكمة والعلوم والتكنولوجيا في عدد المنصات التي تطلقها، بل في مقدار ما تختصره من وقت المواطن وكلفته، وما تحققه من شفافية وتكامل ومساءلة.

فالدولة الرقمية لا تبدأ مع كل وزارة جديدة؛ بل تُبنى حين تتراكم خبرات الدولة، وتستمر سياساتها، وتتحول الاستثمارات السابقة إلى أساس للتقدم، لا إلى ملفات منسية في أرشيف المؤسسات.