اخر الاخبار

تأتي دعوة سلطة الأمر الواقع في بورتسودان إلى الحوار، متزامنةً مع الحديث عن المصالحة والإنتخابات، في وقت تتواصل فيه الحرب، وتتسع الكارثة الإنسانية، وتتفاقم أوضاع ملايين السودانيين بين النزوح واللجوء والفقر وفقدان سبل العيش، بينما تتعمق حالة الإنقسام السياسي والعسكري والجغرافي التي تهدد وحدة البلاد وتماسك الدولة والمجتمع. ويضع هذا الواقع الدعوة إلى الحوار أمام أسئلة جوهرية تتصل بطبيعته وأهدافه، وبالأطراف التي تقف وراءه، وبالمآلات السياسية التي يُراد له أن يقود إليها.

الحوار السياسي أداة لإدارة الخلاف وبناء التوافق، ويكتسب مشروعيته من غاياته وشروطه ومخرجاته. وفي الحالة السودانية، يرتبط أي حوار جاد أولاً بوقف الحرب وتهيئة البيئة السياسية التي تسمح للسودانيين بصياغة مستقبلهم بحرية. أما طرح الحوار في ظل استمرار القتال وسيطرة سلطات الأمر الواقع على مؤسسات الدولة، فيفتح الباب أمام تحويل موازين القوة التي أفرزتها الحرب إلى وقائع سياسية ودستورية جديدة.

وتكتسب هذه الدعوة دلالة أكبر مع التصريحات التي ربطت الحوار بإشراك المؤيدين للحرب في هياكل الحكم، بما يفتح الباب أمام إعادة ترتيب السلطة داخل المعسكر المسيطر على مؤسسات الدولة، وإنتاج شرعية سياسية جديدة للقوى المرتبطة بالحرب. ويتزامن ذلك مع الدور السعودي المتزايد في الدفع نحو ترتيبات سياسية جديدة، بما يثير مخاوف مشروعة من أن يكون الحوار جزءاً من مشروع لإعادة تشكيل السلطة وتنصيب الفريق عبد الفتاح البرهان رئيساً لمرحلة جديدة، بدلاً من أن يكون مدخلاً لإنهاء الحرب وفتح الطريق أمام تحول ديمقراطي حقيقي.

ومن هنا تبرز ضرورة أن يكون أي حوار سوداني المنشأ، وطنياً في توجهه، مستقلاً في قراره، ومعبراً عن مصالح الشعب السوداني وإرادته، وأن تأتي مخرجاته من توافق القوى والمجتمعات السودانية، بعيداً عن ترتيبات المحاور الإقليمية والدولية أو محاولات فرض صيغ جاهزة للحكم. فالسؤال الحقيقي أمام السودانيين هو: هل تستهدف العملية السياسية إنهاء الحرب وفتح الطريق أمام انتقال ديمقراطي، أم إعادة توزيع النفوذ وإعادة إنتاج السلطة في صيغة جديدة تكرّس موازين القوة التي أفرزتها الحرب؟

السلام الذي يستحقه السودان يبدأ بوقف شامل ومستدام لإطلاق النار، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، وتيسير عودة النازحين واللاجئين، واستعادة الخدمات الأساسية. ثم تأتي العملية السياسية الوطنية بوصفها إطاراً لمعالجة جذور الأزمة وإعادة بناء الدولة.

وتتجاوز قضية السلام وقف إطلاق النار إلى معالجة البنية التي جعلت السلاح طريقاً إلى السلطة. ويشمل ذلك تفكيك المليشيات والجيوش الموازية، وإعادة بناء مؤسسة عسكرية قومية مهنية، ذات عقيدة وطنية، تخضع للسلطة المدنية الديمقراطية، وتلتزم حماية الدستور وسيادة البلاد والشعب. كما يشمل إصلاح الأجهزة الأمنية، وإخراج المؤسسات العسكرية والأمنية من النشاط السياسي والإقتصادي، وإخضاعها للقانون والمساءلة.

وتحتل العدالة موقعاً مركزياً في أي تسوية مستدامة. الجرائم والإنتهاكات التي ارتُكبت خلال الحرب، وما سبقها من إنتهاكات، تستوجب تحقيقات مستقلة وشفافة ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون، بصرف النظر عن مواقعهم وانتماءاتهم. وتشكل العدالة الإنتقالية، إلى جانب جبر الضرر والتعويض ورد الحقوق وضمانات عدم تكرار الإنتهاكات، أساساً لمصالحة وطنية حقيقية.

المصالحة ذات المعنى تبدأ من حقوق الضحايا. فالسلام الإجتماعي يحتاج إلى معالجة آثار النزوح والقتل وفقدان الممتلكات وتدمير المدن والقرى ومصادر الرزق. وتحتاج عملية إعادة الإعمار إلى رؤية وطنية تعيد بناء الإقتصاد والخدمات، وتمنح المناطق الأكثر تضرراً أولوية واضحة.

ومن هنا ترتبط قضية السلام بالتنمية المتوازنة. فقد تراكمت عبر عقود إختلالات في توزيع السلطة والثروة والخدمات، وأسهمت في إنتاج النزاعات المسلحة. ويحتاج السودان إلى مشروع تنموي يعيد توزيع الموارد على أساس العدالة بين الأقاليم، ويدعم الإنتاج الزراعي والصناعي، ويعيد بناء التعليم والصحة والبنية التحتية، ويوفر شروط الحياة الكريمة والعمل المنتج.

أما الحديث عن الإنتخابات، فيحتاج إلى وضعها ضمن مسار ديمقراطي متكامل. فالإنتخابات الحرة تتطلب بيئة آمنة، وحريات عامة، وإعلاماً وطنياً مستقلاً، ونشاطاً حزبياً ونقابياً ومدنياً مفتوحاً، ومؤسسات دولة محايدة، وحق الناخبين في الإختيار بعيداً عن التهديد والسلاح والنزوح القسري. ومن ثم، تصبح الإنتخابات ثمرةً لعملية إنتقال ديمقراطي متكاملة، ووسيلةً لتكريس الإرادة الشعبية، بعد تهيئة شروطها، وفي مقدمتها عقد مؤتمر دستوري يحدد الإطار الدستوري والديمقراطي الحاكم للدولة السودانية.

وهنا تستعيد ثورة ديسمبر موقعها بإعتبارها مرجعية سياسية وإجتماعية لمشروع التغيير. فقد عبّرت شعارات الحرية والسلام والعدالة عن تطلع السودانيين إلى دولة مدنية ديمقراطية، وإلى مجتمع تحكمه المواطنة وسيادة القانون، وإلى إقتصاد يخدم الإنتاج والتنمية والعدالة الإجتماعية.

استعادة المسار الثوري تقتضي استخلاص دروس المرحلة السابقة، وبناء سلطة وطنية ديمقراطية ذات قاعدة جماهيرية واسعة، تستند إلى قوى الثورة والمجتمع المدني والنقابات والمهنيين والشباب والنساء والقوى السياسية الديمقراطية والمجتمعات المتضررة من الحرب. وتعمل هذه السلطة على وقف الحرب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنجاز العدالة، وتفكيك بنية الإستبداد، وتهيئة شروط الإنتقال الديمقراطي.

وفي هذا السياق تبرز المقاومة المدنية والجماهيرية باعتبارها قوة سياسية تستمد مشروعيتها من المجتمع وإرادة المواطنين، وتطرح بديلاً مستقلاً عن طرفي الحرب ومراكز النفوذ المرتبطة بهما. وهي مطالبة بتطوير برنامج سياسي واضح يربط وقف الحرب بالتحول الديمقراطي والعدالة وإعادة بناء الدولة.

كما يتطلب السلام السوداني سياسة خارجية مستقلة ومتوازنة. فقد أدى تعدد التدخلات الإقليمية والدولية وتنافس المحاور إلى تعقيد الحرب وتوسيع نطاقها. ويحتاج السودان إلى علاقات دولية تقوم على الندية والمصلحة الوطنية، مع الإستفادة من الوساطة والدعم الإنساني والدولي ضمن عملية سياسية يقودها السودانيون، ويحافظ قرارها على استقلال الإرادة الوطنية.

وعليه، تتمثل القضية السياسية الراهنة في صراع بين مشروعين: مشروع يحاول تحويل واقع الحرب إلى شرعية سياسية وترتيبات حكم جديدة، ومشروع ثوري ديمقراطي يجعل وقف الحرب مدخلاً للسلام والعدالة وإعادة بناء الدولة وفتح الطريق أمام التحول الديمقراطي.

إن السودان يحتاج إلى سلام يوقف دورة الحرب، وعدالة تحفظ حقوق الضحايا، وجيش قومي يحمي الدولة والشعب، وسلطة مدنية ديمقراطية تستمد شرعيتها من المواطنين، وتنمية متوازنة تعالج جذور التهميش، وسياسة خارجية مستقلة تحمي القرار الوطني.

بهذا المعنى يصبح الحوار جزءاً من عملية سياسية وطنية شاملة، تأتي في سياق وقف الحرب وتستهدف بناء السلام والديمقراطية. وتصبح الإنتخابات محطة في نهاية إنتقال ديمقراطي يستعيد للشعب حقه في إختيار حكامه ومحاسبتهم.

ذلك هو الطريق لإستعادة روح ديسمبر: الحرية والسلام والعدالة، وبناء السودان الذي يستحقه شعبه.

ـــــــــــــــــــــــ

"الميدان" السودانية - الأحد 23 آب 2026