تُعد مهنة الخياطة من المهن التي تعاني خطر الاندثار، نتيجة التحولات السياسية التي شهدها البلد بعد عام 2003، وما رافقها من تغيّرات اقتصادية، أفضت إلى اندماجه في السوق الرأسمالية العالمية. وفي الوقت نفسه، يلاحظ اتجاه واضح لدى بعض الجهات المتنفذة نحو إضعاف منشآت القطاع العام وإظهارها بمظهر المؤسسات الخاسرة، تمهيدًا لإحالتها إلى القطاع الخاص، ومنها معمل النجف للخياطة ومعامل الكوت وغيرها. وقد انعكس ذلك سلباً على الصناعة الوطنية، وألحق أضرارًا بالعمالة المحلية، إذ توقفت شركات عامة وورش خاصة عن العمل، وفقد كثير من العاملين فيها مصادر رزقهم، الأمر الذي حرم العديد من الأسر من العيش الكريم، وأسهم في اتساع رقعة البطالة وارتفاع أعداد العاطلين عن العمل.
ورش أغلقت وأحلام تبددت
وخلال تجوالنا في المناطق التي كانت تغص بالورش ومعامل الخياطة في بغداد، ومنها الكاظمية وشارع الرشيد، التقينا بعدد ممن تبقى من العاملين في هذه المهنة، وهم يصارعون الحياة من أجل البقاء وتأمين لقمة العيش.
يقول الخياط عادل مالك من منطقة الغزالية لـ "طريق الشعب" "بعد أن كنت أملك معملاً كبيراً للخياطة في شارع الرشيد يضم عددا كبيرا من ماكينات الخياطة والأيدي العاملة المتخصصة بخياطة القمصان الرجالية، لم أعد أملك اليوم سوى هذا المحل الصغير وماكينة خياطة واحدة أعمل عليها لتصليح الملابس وتعديلها، وهو عمل بالكاد يوفر لي لقمة العيش".
ويضيف، وهو يتحدث بمرارة وحسرة: "إن السبب في تراجع مهنة الخياطة وغلق المعامل والورش الصناعية هو الفوضى التي عمت البلاد بعد عام 2003، وما حدث من تدمير ممنهج للصناعة الوطنية، سواء في القطاع العام أو الخاص، والذي اتضح من خلال فتح الحدود أمام البضائع الأجنبية من دون رقابة أو فرض ضرائب، يقابله غياب الدعم الحكومي لتوفير الأقمشة والمواد الأولية الداخلة في الصناعة، إضافة إلى انقطاع الكهرباء التي تعد العصب الأساسي لعملنا".
ويتابع مالك قائلاً "كان على الحكومة أن تحمي منتجاتنا من خلال الحد من الاستيراد العشوائي، وخفض الضرائب، وتوفير المواد الأولية المدعومة الداخلة في عملنا، كي لا نضطر إلى إغلاق معاملنا ووصول حالنا إلى ما هو عليه اليوم، فما نجنيه الآن من تصليح الملابس والخياطة البسيطة لا يكفي للمعيشة في ظل ارتفاع الأسعار والمتطلبات الحياتية التي تزداد يوماً بعد آخر".
ازدهار سابق وانهيار لاحق
أما فلاح عبد الحسن، وهو خياط في منطقة الكاظمية، فقال: "على الرغم من الظروف الصعبة التي عشناها خلال فترة الحصار في زمن النظام الدكتاتوري، فإن مهنة الخياطة كانت مزدهرة بسبب الاعتماد الكامل على الإنتاج المحلي ومنع دخول البضائع الأجنبية".
وأشار إلى أن المعمل الذي كان يملكه مع شريك له كان كبيراً، ويضم أكثر من خمسة وعشرين ماكنة مختلفة للخياطة والتطريز، إضافة إلى مقصات كهربائية للتفصيل وأيدٍ عاملة ماهرة وغير ماهرة، وكانت حركة العمل تستمر حتى ساعات متأخرة من الليل، خصوصا في مواسم الأعياد وبداية السنة الدراسية.
ويستدرك قائلا: "لكن العمل بدأ بالتراجع بعد عام 2003 بسبب فتح الحدود وسياسة السوق الحرة التي يتحكم بها رجال أعمال وتجار أثروا على حساب الصناعة الوطنية، فضلا عن الفساد وغياب الرقابة على الملابس الجاهزة المستوردة، ولا سيما ذات المناشئ الرديئة ورخيصة الثمن، ما أدى إلى ركود العمل وعدم قدرتنا على دفع أجور العمال، الأمر الذي اضطرنا إلى بيع المكائن وتصفية المعمل وتسريح جميع العمال".
بين ضيق المعيشة ورخص المستورد
ويرى الخياط كرار جاسم أن المواطن نفسه أصبح جزءاً من أسباب المعاناة التي يعيشها الخياطون، بسبب إقباله المتزايد على الملابس الرديئة لرخص أسعارها، لكنه يبرر ذلك بالقول "إن ظروف المعيشة أصبحت صعبة بسبب البطالة وقلة فرص العمل، لذلك يبحث المواطن عن الأرخص، سواء كانت الملابس جديدة أم مستعملة، أو حتى ما يُعرف بـ(البالة)".
وأضاف "الكثير من العاملين في هذه المهنة هجروا معاملهم ومحلاتهم بسبب تراجع مردودها المادي مقابل الارتفاع المستمر في الأسعار، فضلا عن الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، ما اضطر أصحاب المعامل والورش إلى الاعتماد على المولدات الأهلية، الأمر الذي يتطلب دفع مبالغ كبيرة تُضاف إلى كلف الإنتاج، وبالتالي يؤدي إلى ارتفاع أسعار الملابس المحلية".
صناعة تنتظر الإنقاذ
وفي ظل استمرار نظام المحاصصة والفساد الإداري والمالي، بقيت الصناعة الوطنية، ومنها مهنة الخياطة، تعاني الإهمال وغياب الدعم الحكومي الحقيقي، مقابل فتح الأسواق أمام الاستيراد العشوائي الذي أفقد المنتج المحلي قدرته على المنافسة.
وبين غياب التخطيط الاقتصادي وتراجع دور الدولة في حماية القطاع الصناعي، تواصل هذه المهنة صراعها من أجل البقاء، بعدما كانت تشكل رافدا مهما للاقتصاد الوطني ومصدر رزق لآلاف العائلات العراقية.