اخر الاخبار

إن واحدةً من أبرز الإشكاليات التي تكشفها مدونة الأحكام الشرعية تتعلق بمسألة التفريق القضائي، إذ أن قانون الأحوال الشخصية العراقي النافذ ومدونة الأحكام الشرعية ينطلقان من تصور يختلف عن التصور السائد في فقه الشيعة الإمامية. فالتفريق بين الزوجين، وفق هذا الفقه، ليس من صلاحيات القاضي المدني، بل من اختصاص الحاكم الشرعي الجامع لشروط الاجتهاد والمرجعية، في حين أن قضاة المحاكم العراقية لا تتوافر فيهم هذه الشروط. كما أن العديد من أسباب التفريق التي أخذ بها القانون لا تُعد من موارد التفريق المعترف بها فقهيًا.

ولا يقتصر الإشكال على موضوع التفريق وحده، بل يمتد إلى أصل مشروعية القضاء الوضعي والترافع إليه وفق آراء عدد من كبار فقهاء الشيعة، الذين اشترطوا في القاضي شروطًا خاصة لا تتوافر في القضاء المدني الحديث. ولو أُريد تطبيق هذه الرؤية الفقهية بصورة كاملة، فإن ذلك يتطلب إما إنشاء محاكم شرعية يديرها مجتهدون، أو تحويل نظام الدولة العراقية إلى نظام ديني يستند إلى ولاية الفقيه أو الحاكم الشرعي، وهو أمر يصطدم بالدستور والقوانين النافذة والواقع السياسي والاجتماعي في العراق.

وقد حاول مشرّع المدونة تجاوز هذا الإشكال من خلال اشتراط موافقة المرجع الديني على بعض أحكام التفريق، إلا أن هذا الحل أوجد مشكلات جديدة أكثر مما قدم من حلول. فمصطلح "موافقة المرجع" غير معروف فقهيًا بهذا المعنى، ولم يحدد المشرّع ما إذا كان المقصود به الإذن أم التوكيل المباشر، كما أن المدونة لم تلتزم بمعيار واحد في توزيع الصلاحيات بين القاضي والمرجع، فذكرت بعض الحالات التي تحتاج إلى موافقة المرجع، وأغفلت حالات أخرى مماثلة، مما يكشف عن خلل فني وتشريعي واضح.

كذلك فإن تعريف المرجع الوارد في المدونة جاء محملًا بقيود لا تنسجم مع المباني الفقهية نفسها، كربط المرجعية بالأكثرية أو الشهرة أو الإقامة في النجف الأشرف، في حين أن التقليد في الفقه الإمامي يقوم على الاجتهاد والأعلمية وتوافر شروط المرجعية، لا على عدد المقلدين أو المكان الجغرافي. كما أن تطبيق المدونة عمليًا يستلزم فرز العراقيين الشيعة بحسب مراجع تقليدهم، وإعداد مدونات متعددة تتوافق مع اختلاف الفتاوى، وهو أمر بالغ التعقيد من الناحيتين القانونية والإدارية.

ومن أخطر ما تضمنته المدونة أنها جعلت المرجع الديني صاحب سلطة على القاضي في بعض الموارد، بما يؤدي عمليًا إلى تقديم الفقه على الدستور وإضعاف استقلال السلطة القضائية الذي كفله الدستور العراقي. كما أن تشريع قانون مستند إلى فقه خاص بمذهب معين يثير إشكالات دستورية وقانونية تتعلق بالمساواة والحقوق والحريات والالتزامات الدولية للعراق.

وفي تقديري، فإن المعيار الذي ينبغي أن يحكم التشريع ليس البحث عن مطابقة فتاوى الفقهاء فحسب، بل تحقيق مصلحة الإنسان العراقي وصيانة حقوقه. ويمنح قانون الأحوال الشخصية النافذ مساحةً أوسع لإنهاء العلاقات الزوجية المتعثرة بصورة سلمية، بينما تؤدي القيود التي تفرضها المدونة إلى تقليل فرص الانفصال القانوني في العلاقات المضطربة، الأمر الذي قد ينعكس في زيادة حالات العنف الأسري. لذلك، فإن حماية الإنسان والأسرة والمجتمع يجب أن تكون الأولوية، لا فرض حلول فقهية متنازع عليها وغير قابلة للتطبيق ضمن الإطار الدستوري والقانوني للدولة العراقية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الحلقة الخامسة من عدد من معالجات الباحث لقضايا الأحوال الشخصية

**مختص بفقه الإمامية وباحث في مشاريع تعديل قانون الأحوال الشخصية.