تُعد أهوار جنوب العراق من أهم النظم البيئية الرطبة في منطقة الشرق الأوسط والعالم، إذ تمثل منظومة بيئية وثقافية فريدة ارتبطت بتاريخ حضارات بلاد الرافدين منذ آلاف السنين. وتمتاز هذه المنطقة بتنوعها البيولوجي الكبير وبتفاعل الإنسان مع البيئة المائية عبر أنماط معيشية تقليدية تعود إلى عصور قديمة. وقد أُدرجت الأهوار ضمن قائمة التراث العالمي لدى UNESCO عام 2016 باعتبارها موقعاً يجمع بين القيمة الطبيعية والثقافية المتميزة.
غير أن هذه البيئة تعرضت خلال العقود الأخيرة إلى تدهور كبير نتيجة عمليات التجفيف واسعة النطاق، والتغيرات في الموارد المائية، إضافة إلى الضغوط البيئية الناتجة عن التوسع الزراعي والتلوث المائي. لذلك فإن إعادة إحياء الأهوار لا يمكن أن تتم بمعزل عن إطار شامل للتخطيط الإقليمي والبيئي في العراق، إذ يتطلب الأمر رؤية متكاملة لإدارة الموارد المائية والبيئية ضمن استراتيجية التنمية المستدامة.
ومن هذا المنطلق يمكن صياغة مجموعة من التوصيات العلمية التي تسهم في استعادة الأهوار ضمن إطار التخطيط الإقليمي المتوازن.
استعادة المسطحات المائية ضمن التخطيط الإقليمي
إن إعادة إحياء المسطحات المائية في الأهوار تمثل خطوة أساسية لاستعادة التوازن البيئي في جنوب العراق. ويمكن تحقيق ذلك من خلال إحياء مساحات واسعة من الأهوار باستخدام مصادر مائية بديلة مثل مياه المصب العام، وذلك بعد انخفاض مستويات الملوحة فيها نتيجة عمليات غسل الأراضي الزراعية المحيطة.
ويشترط في هذا الإجراء أن تصل نوعية المياه إلى مستوى يسمح بعيش الأحياء والنباتات المتحملة للملوحة، مما يتيح إمكانية إعادة تكوين النظام البيئي للأهوار بصورة تدريجية.
ومن منظور التخطيط الإقليمي، يمثل هذا التوجه جزءاً من إدارة متكاملة للموارد المائية في حوضي نهر دجلة ونهر الفرات، بحيث يتم تخصيص جزء من الموارد المائية لدعم الأنظمة البيئية الرطبة التي تسهم في تحقيق التوازن المناخي والبيئي في المنطقة. وتشير الدراسات إلى أن الحفاظ على هذه النظم البيئية يسهم في تحسين التنوع الحيوي والحد من التصحر في المناطق الجنوبية من العراق¹.
كما ينبغي ضمان وصول تصاريف مائية كافية إلى الأهوار بما يسمح بإعادة إغمار نسبة تتراوح بين 25 في المائة و50 في المائة من المساحات الأصلية للأهوار في المراحل الأولى من عملية الاستعادة، على أن يتم توسيع هذه المساحات تدريجياً وفقاً للموارد المائية المتاحة.
تنظيم النظام الهيدروليكي للأهوار
تعرضت الأهوار خلال مرحلة التجفيف إلى إنشاء منظومة من السدود والحواجز التي هدفت إلى تحويل مجرى المياه بعيداً عنها. ومع بدء عمليات إعادة الإحياء جرى تدمير بعض هذه الحواجز بصورة غير منظمة، الأمر الذي أدى إلى ظهور مشكلات هيدرولوجية وبيئية جديدة.
لذلك ينبغي إعادة ردم الكسرات في السدود السابقة وتنظيم عملية دخول المياه إلى الأهوار وفق جداول زمنية محددة ومساحات مدروسة، بما يضمن التحكم في حركة المياه داخل النظام البيئي للأهوار. ويساعد هذا الإجراء على تحقيق توازن هيدرولوجي يقلل من مخاطر الفيضانات أو التغيرات المفاجئة في مستوى المياه².
كما ينبغي تطوير نماذج هيدرولوجية متقدمة لإدارة المياه في الأهوار، وربط هذه النماذج بتقنيات التحسس النائي ونظم المعلومات الجغرافية مثل Remote Sensing وGeographic Information System. وتعد هذه التقنيات أدوات أساسية في التخطيط البيئي المعاصر، إذ توفر بيانات دقيقة عن التغيرات المكانية والبيئية في المناطق الرطبة³.
إنشاء نظام متكامل للمراقبة البيئية
إن نجاح مشاريع استعادة الأهوار يعتمد بدرجة كبيرة على وجود نظام مستمر للمراقبة البيئية. ولذلك ينبغي إنشاء شبكة من المحطات البيئية داخل الأهوار تتولى مراقبة التربة والرواسب والمياه السطحية والجوفية.
كما ينبغي إنشاء محطات مناخية داخل مناطق الأهوار بهدف توفير بيانات مستمرة حول عناصر المناخ المختلفة، بما يسمح بتكوين قاعدة بيانات علمية تساعد في تحليل التغيرات البيئية التي قد تطرأ على النظام البيئي للأهوار خلال مراحل الاستعادة.
وتؤكد الدراسات الحديثة أن نظم المراقبة البيئية تعد من أهم أدوات الإدارة المستدامة للمناطق الرطبة، إذ تساعد في تقييم فعالية سياسات الاستعادة البيئية وتوجيه القرارات التخطيطية المستقبلية.
إدارة الموارد المائية على مستوى الحوض النهري
تواجه الموارد المائية في العراق تحديات متزايدة نتيجة تزايد استغلال مياه النهرين في الدول الواقعة ضمن الحوض النهري خارج المجال الطبيعي لتصريف المياه. ولذلك ينبغي أن تولي الجهات الحكومية المختصة اهتماماً كبيراً بقضية الحصص المائية وكيفية توزيعها بين دول الحوض.
إن تحقيق إدارة عادلة ومستدامة للموارد المائية يمثل شرطاً أساسياً لنجاح مشاريع استعادة الأهوار، إذ يعتمد استقرار النظام البيئي لهذه المناطق على استمرار تدفق المياه من منابعها في دول الحوض.
تطوير البدائلالهندسية والبيئية في ظل محدودية الموارد المائية المتاحة، ينبغي تطوير حلول هندسية وبيئية مبتكرة لاستعادة الأهوار أو أجزاء منها. ومن بين هذه الحلول إنشاء محميات طبيعية تمثل البيئة الأصلية للأهوار، بما يسمح بالحفاظ على التنوع الحيوي وإعادة تأهيل النظام البيئي تدريجياً.
وتعد تجربة المحميات البيئية في هور الحويزة مثالاً مهماً على إمكانية تطبيق هذا النموذج، حيث تمثل هذه المحميات مناطق حماية بيئية تسهم في استعادة التنوع الحيوي والحفاظ على الخصائص الطبيعية للأهوار.
التنمية الزراعية والاجتماعية في إطار التخطيط الإقليمي
إن استعادة الأهوار لا يمكن أن تتحقق دون إعادة بناء المنظومة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة. ولذلك ينبغي تطوير النشاط الزراعي في الأراضي التي تم استصلاحها سابقاً، من خلال إنشاء مزارع نموذجية متكاملة تشكل نقاط جذب لعودة سكان الأهوار الذين نزحوا خلال فترات التجفيف.
كما ينبغي الاهتمام بالمواقع الأثرية التي ظهرت نتيجة انحسار المياه خلال فترة الجفاف، إذ تمثل هذه المواقع جزءاً مهماً من التراث الحضاري في جنوب العراق. ويتطلب ذلك توثيق هذه المواقع ودراستها قبل إعادة إغمارها بالمياه مرة أخرى.
إدارة ملوحة التربة وتحسين أساليب الري
تعد ملوحة التربة من أبرز المشكلات البيئية التي تواجه الأراضي الزراعية في جنوب العراق. ولذلك ينبغي اعتماد أساليب الري الحديثة بدلاً من الري السيحي التقليدي الذي يؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من المياه بالتبخر والرشح ويزيد من ملوحة التربة.
إن استخدام تقنيات الري الحديثة يسهم في تحسين كفاءة استخدام المياه وتقليل الحاجة إلى عمليات غسل التربة، الأمر الذي يدعم استدامة الإنتاج الزراعي في المناطق المحيطة بالأهوار.
تحسين إدارة المياه الملوثة
تمثل مياه الصرف الصحي والمياه الصناعية غير المعالجة أحد أهم مصادر التلوث في النظام المائي في العراق. ولذلك ينبغي تطوير نظام متكامل لإدارة المياه الثقيلة ومنع تصريفها مباشرة إلى المسطحات المائية.
ويشمل ذلك السيطرة على ما يطرح إلى نهري نهر دجلة ونهر الفرات من مياه الصرف الصحي ومياه البزل الزراعي غير المعالجة، لما لذلك من تأثير مباشر في تدهور نوعية المياه في النظام النهري وفي الأهوار المرتبطة به.
الاستنتاج
إن استعادة أهوار جنوب العراق تمثل مشروعاً بيئياً وإقليمياً متكاملاً يتطلب تبني سياسات تخطيطية مستدامة تعتمد على الإدارة المتكاملة للموارد المائية والبيئية. فالأهوار ليست مجرد مسطحات مائية، بل هي منظومة بيئية وثقافية تمثل جزءاً أساسياً من الهوية الحضارية لجنوب العراق. ولذلك فإن دمج استراتيجيات استعادتها ضمن سياسات التخطيط الإقليمي والبيئي يشكل خطوة أساسية نحو تحقيق التنمية المستدامة وضمان التوازن بين الإنسان والبيئة.
ـــــــــــــــــ
*معماري أكاديمي