اخر الاخبار

عمدة مدينة غراتس، ثاني أكبر مدن النمسا، الشيوعية ألكه كار تعيش حياة الناس البسطاء وتبني شققا سكنية، بدلا من تحقيق مكاسب وظيفية وشخصية، استطاعت أن تقود الحزب الشيوعي النمساوي في مدينتها إلى انتصار تاريخي في انتخابات مجلس البلدية عام 2021، واستطلاعات الرأي تقول انها ستحافظ على النجاح في انتخابات مجلس البلدية نهاية حزيران الحالي أيضا. لقد أصبحت النجاحات المحلية للحزب الشيوعي النمساوي مثالا للعديد من قوى اليسار في أوروبا، وهي لا تنحصر في غراتس، بل تمتد إلى مدن صناعية صغيرة في ولاية ستيريا العليا. ففي سالزبورغ، يشغل الحزب حاليًا منصب نائب رئيس البلدية، وقد عاد تمثيله في برلمان الولاية منذ عام 2023. وفي مدن أخرى مثل إنسبروك وسانت بولتن، تمكن أيضًا من استعادة مقاعد في السنوات الأخيرة نعم، يُحقق الحزب الشيوعي النمساوي نجاحات محلية كبيرة، لكنه وعلى الرغم من زيادة أصواته في انتخابات البرلمان الاتحادي، لم يستطع تجاوز العتبة الانتخابية في الانتخابات العامة الأخيرة.

 والآن، يسعى حزب اليسار الألماني إلى الاستفادة من تجربة الاشقاء النمساويين، وفي برلين التي ستشهد انتخابات برلمان الولاية، يسعى اليسار الألماني للاستفادة من التجربة، فهل تستطيع غراتس التي يبلغ عدد سكانها 300 ألف نسمة أن تُقدّم وصفةً لبرلين، المدينة العالمية التي يسكنها الملايين؟

محطات مهمة

 نشطت ألكه كار (65 عامًا) في مجال السياسة المحلية في مدينة غراتس طوال حياتها. تقول إنها قريبة جدًا من الناس هناك. عام 1983 انتمت إلى صفوف الحزب الشيوعي النمساوي. وعملت في سنوات (1985 - 2004 عضوة في لجنة المدينة الحزبية. وفي سنوات (2005 - 2017) كانت عضو مجلس بلدية المدينة. وفي هذه الأثناء أصبح الشيوعي النمساوي أقوى حزب في المدينة. منذ 2021، انتخبت كار عمدة لثاني أكبر مدن النمسا. لا زالت تعيش في حي غريس العمالي، أحد احياء مدينة غراتس، الذي ينحدر أكثرية سكانه من بلدان أخرى، وتعتبر كار هذا شيئا رائعا، وتحس بعلاقة وثيقة بالحي وسكانه. وكان هدفها دائمًا القيام بشيء ما حيث تعيش وتعمل. فوجدت أنها في السياسة المحلية تكون أقرب إلى الناس، حيث يمكن تلمس ما تقوم به، ويمكنها من تقديم شيء ملموس في البرلمان المحلي، او إلى المواطنين شخصيا وبشكل مباشر.

ولأنها تعيش مثل أي مواطن آخر من ذوي الدخل المتوسط او المنخفض، فهي تفهم الناس جيدا. وبهذا الصدد تقول: " أنا أيضا أمتلك شقة مستأجرة فقط. أقول ما أفكر به وأحاول أن أكون صادقة مع الناس، يشعر الناس بذلك. وليس لديهم شعور بأن الذي أمامهم موظف حكومي أو سياسي، بل مجرد إنسان. الناس يقولون لي ذلك بأنفسهم. وأعتقد أن هذا يخلق الثقة في السياسة أيضًا، ويمكن القيام بالأشياء بشكل مختلف.

إن للممارسة العملية علاقة مباشرة بهذا التطور، يحدث أحيانا ان ينتظر شخصيات اقتصادية دورهم، لان عمدة المدينة تستمع لمشاكل المواطنين عبر حوارات شخصية. وترى كار أن الأمر طبيعي، فالجميع يستطيعون الحصول على موعد. وان على عمدة المدينة ان يكون حاضرا من أجل الجميع.  وأن هناك اهتماما جديا برجال الأعمال والمشاكل والقضايا التي يطرحونها).  ومن الضروري توفر المعرفة واكتسابها في جميع المجالات وجميع الأوساط والمجموعات الاجتماعية. على عمدة المدينة معرفة المدينة من الداخل والخارج. وبالطبع تحديد الأولويات حسب أهميتها، فاذا فقد أحد المواطنين سكنه، فله الأولوية على مواطنه الآخر الذي يرغب في تقديم مشروعه وهذا تفضيل منطقي.

يقع مبنى بلدية مدينة غراتس، ذو التصميم الرائع، في قلب المدينة القديمة، محاطاً بواجهات تاريخية ومطاعم ومتاجر فاخرة. في الطابق الثاني، تُعلّق شمس مقصوصة على باب زجاجي، كُتب عليها بخط الأطفال: "مكتب رئيس البلدية".

خلف هذا الباب، يقود الحزب الشيوعي النمساوي مجلس بلدية المدينة . وفي مقر الحزب، توجد أسطوانة على الرف كُتب عليها: "شيوعيون من أجل المستقبل". وبجوار المدخل لافتة كُتب عليها: "بداية المنطقة الشيوعية"، وأسفلها رمز المطرقة والمنجل. كان النازيون الجدد قد علقوها كتحذير عند مدخل المدينة. بعد فوز الحزب الشيوعي النمساوي في الانتخابات. نقلها الشيوعيون إلى مبنى البلدية.

إن الهدف الذي يسعى إليه الحزب واضح. لكن هل نجح الحزب الشيوعي النمساوي في الحفاظ على مصداقيته حتى وهو حزب حاكم؟ وهل يمكن لقوى يسارية أخرى أن تستفيد من هذه التجربة؟ لمناقشة هذه الأسئلة زار وفد من حزب اليسار في ولاية برلين بلدية غراتس في نهاية أيار الفائت.

تعيش كلا المدينتين أجواء حملات انتخابية. في برلين يسعى حزب اليسار إلى الفوز بمنصب حاكم الولاية، في حين يريد الحزب الشيوعي النمساوي تكرار انتصاره السابق، والاحتفاظ برئاسة البلدية. يتبنى كلا الحزبين سياسات لصالح العاملين، بعيدا عن التركيز على الامتيازات وخدمة رأس المال.  ويضعان ملف الإسكان في مركز الحملة الانتخابية. 

طبيعة ناخبي الشيوعي النمساوي

استقبلت رئيسة البلدية الوفد البرليني، والذي ضم: الرئيسة المشاركة لحزب اليسار في ولاية برلين كيرستين وولتر، وعضو برلمان الولاية نيكلاس شينكر، ووزيرة الدولة في حكومة الولاية السابقة فينكه كريستوف. في البداية، خففت كار من المبالغة في التوقعات، وقالت، وبابتسامة خفية: " في البداية، صوّت الناس لنا على الرغم من المعارضة للحزب الشيوعي النمساوي، لكننا بدأنا نتجاوز هذه الأحكام المسبقة تدريجياً".

مع الزمن، نجح الشيوعيون في بناء الثقة، لا سيما فيما يتعلق بسياسة الإسكان الاجتماعية. تقول كار بفخر: "لدينا مساكن بلدية جديدة في كل منطقة". ليست مساكن اجتماعية، بل مباني عالية الجودة ذات واجهات خشبية وشرفات واسعة ومساحات مشتركة. بُنيت المئات منها خلال فترة ولايتها، وهناك المزيد قيد التخطيط. تقلصت قوائم الانتظار، لكنها لم تختفِ تمامًا".

في هذه الاثناء، لا تتجاوز إيجارات مساكن البلدية 40 في المائة من سعر السوق. وقد تحقق ذلك بفضل تحديد سقف للإيجار، ومبالغ لدعم تكلفة الايجار، وصندوق تأمين البلدية. وتقول رئيسة البلدية: "بالنسبة لجميع الشقق العامة البالغ عددها 12, ألف شقة، لا ينبغي ان تتجاوز تكلفة ايجارها ثلث دخل المستأجر على تكاليف السكن والمرافق الاخرى". وتتهم المعارضة اليمينية المحافظة والمتطرفة الحزب الشيوعي بإهدار أموال دافعي الضرائب والتسبب في مشاكل مالية للمدينة. لكن رئيسة البلدية ترفض ذلك، فالشقق مخصصة للسكن لا لتحقيق الارباح.

يستمع الرفاق الألمان باهتمام، لان ملف توفير السكن بأسعار معقولة ملف محوري في العاصمة الألمانية، اذ يُعتبر حزب اليسار الألماني، الحزب الوحيد الذي يدعم بوضوح الاستفتاء على مصادرة شركات المساكن الكبرى، ويبني شبكات للمستأجرين، ويحشد الجهود ضد شركات العقارات الكبرى. أما في غراتس، فيركز الحزب الشيوعي بشكل أكبر على التوسع البلدي، والإدارة الاجتماعية، وبناء علاقات طويلة الأمد. من الواضح ان هناك تباينات بين مساحة غراتس، التي لا تتجاوز مساحة أحد احياء برلين، يسكنها 300 ألف فقط، مقابل الملايين من سكان العاصمة الألمانية.  وبالتالي يصبح السؤال منطقيا بشأن : ما مدى إمكانية تطبيق نموذج غراتس الناجح في برلين؟

 المشتركات والتباينات

الضائقة المالية تمثل القاسم المشترك بين المدينتين، وهذا يؤثر على جميع القرارات السياسية. يقول عضو مجلس البلدية كروتزر: "كانت بعض التخفيضات سهلة بالنسبة لنا، مثل إلغاء السيارات الفاخرة لكبار المسؤولين. لكن عندما اضطررنا لتأجيل تجديد المدارس في الأحياء العمالية، كان ذلك مؤلمًا للغاية". والهدف هو ضمان عدم تسبب هذه التخفيضات بضرر للعاملين، وعدم تدني الخدمات العامة.

تُشير ألكا كار أيضًا إلى أنها تُوفّر المزيد من الموارد للمبادرات في مجلس البلدية، وفي المقابل لن تكون هناك ضيافة مبالغ فيها. وتقول: "حسن الضيافة مطلوب ومهم، لكن ليس بالضرورة أن يكون باذخًا". لقد جرت، خلال فترة حكم الحزب الشيوعي النمساوي، عدة عمليات إعادة تخصيص مفردات الميزانية. وتم توسيع صندوق "غراتس تُساعد" لمساعدة المحتاجين، بينما خفضت المدينة تمويل الأحزاب السياسية. وهنا أيضًا: التخطيط الذكي في ظل ظروف ليست سهلة.

يعتقد نيكلاس شينكر من حزب اليسار الالماني أن هذه الرؤية الأساسية تنطبق أيضاً على برلين. "المهم هو وجود بوصلة واضحة، وإذا لزم الأمر، سنتخلى عن المشاريع التي تركز على الهيبة والتباهي وكذلك العروض المقدمة للأثرياء".

من الواضح أن قيادة الحزب الشيوعي النمساوي تتعامل بوعي مع نمط حكمها كنموذج بديل للنظام السياسي القائم في البلاد. وتؤكد كار أن الجانب الإنساني لدى السياسيين أهم من الخبرة: "الشخصية والدافع هما الأساس، بهذه الطريقة نتجنب المفاجآت غير السارة". كما تشدد على الشفافية الكاملة في التواصل، سواء مع الجمهور أو الأطراف الأخرى: "نخوض معركتنا بشفافية، دون اللجوء إلى أساليب عدوانية مفرطة".

يُلزم الحزب الشيوعي النمساوي ممثليه في البرلمانات والإدارات كافة، بالاحتفاظ براتب عامل فني، والتبرع بالجزء الأكبر من رواتبهم لصناديق المساعدة الاجتماعية للمحتاجين في الحالات الملموسة، وتعد هذه الممارسة عاملا أساسيًا في نجاح الحزب. تقول كار: "أتقاضى 2300 يورو من مجموع راتبي البالغ 9260 يورو شهريا، ولا أعاني من الجوع". يُؤشر تحديد سقف الرواتب إلى العديد من الناخبين بأن ممثلي الحزب الشيوعي النمساوي لا يعيشون في عالم مختلف عن عالمهم. كما أن رئيسة البلدية مقتنعة بأنه كلما ازداد الحزب الشيوعي النمساوي مصداقية وقوة، كلما ضعف حزب الحرية النمساوي اليميني المتطرف. ويؤكد روبرت كروتزر: "تحديد سقف الرواتب هو سلاحنا الأقوى ضد حزب الحرية النمساوي؛ وهذا يؤثر على ناخبيهم".

يخطط حزب اليسار في برلين أيضاً لفرض سقف ملزم على رواتب ومخصصات البرلمانية، رغم أن هذا الأمر مثار نقاش وجدل داخل منظمات الحزب في جميع انحاء المانيا. لقد اثارت بعض الأصوات داخل حزب اليسار شكوكا بشأن التقارب الشديد مع أسلوب الحزب الشيوعي النمساوي. إلا أن أعضاء الوفد لا يرون أي خطر بهذا الشأن. تقول كيرستين وولتر: "لقد نجح الحزب الشيوعي النمساوي في غراتس بشكلٍ مثير للإعجاب في معالجة قضايا رئيسية كأزمة السكن. ويسعدنا أن ندرس ذلك عن كثب، تماماً كما نفعل مع المشاريع اليسارية الناجحة الأخرى". وتضيف أن التبادل العالمي مهم بالنسبة للسياسة الطبقية المعاصرة، سواء نظرنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية أو بلجيكا أو النمسا أو السويد. ومن المعروف ان حزب العمل البلجيكي، صاحب النجاحات الانتخابية المميزة يتبنى مثل هذه الضوابط أيضا. 

في فيينا تجربة تاريخية

سياسة الإسكان التي ينفذها الحزب الشيوعي النمساوي في مدينة غراتس لها جذور تاريخية، وتعود إلى تجربة "فيينا الحمراء"، حين شُيِّدت العديد من مشاريع الإسكان البلدية خلال فترة ما بين الحربين العالميتين. وإلى الآن يعيش قرابة 60 في المائة من سكان العاصمة النمساوية فيينا في مساكن مدعومة أو مبانٍ بلدية، وتدير بلدية المدينة قرابة 220 ألف شقة سكنية. لقد نظم الرفاق النمساويين لضيوفهم الألمان جولة راجلة، تقدمها مسؤول منظمة فيينا للحزب الشيوعي، للتعرف على هذه التجربة التاريخية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يُجسِّد مبنى مكون من ستة طوابق في مُجمع "لاسال هوف" بوضوح الطموح السائد آنذاك لإنشاء مساكن حديثة، عالية الجودة، وبأسعار معقولة. حينها، كانت هذه المباني تُعتبر معاقل اشتراكية. وحتى اليوم، يضم المبنى مكتباً لرابطة سجناء معسكرات الاعتقال النازي السابقين.

أولى الوفد الزائر اهتمامًا خاصًا بمجمع "ألترلا" السكني. بُني المجمع في سبعينيات القرن العشرين، ويبلغ عدد سكانه قرابة 8 آلاف نسمة، بالإضافة إلى متاجر ومدارس وأماكن للتجمعات الاجتماعية. وتُعدّ المسابح السبعة الموجودة على أسطح المباني الشاهقة رمزًا مميزًا. ذهبت عضوا الوفد الألماني كيرستين وولتر ووينكه كريستوف للسباحة. وقالت وولتر: "لا ينبغي أن يقتصر الأمر على توفير سقف يحمي الناس، بل يجب أن تتوفر لهم أيضًا مساحات لحياة كريمة، وللتواصل الاجتماعي، وللعمل التطوعي". فالإسكان العام لا يقتصر دوره على الحد من الفقر، بل يُسهم في تحسين جودة الحياة. وقد تكون المسابح على أسطح المباني فكرةً مثيرةً للاهتمام في برلين أيضًا. وبسبب التقشف وتقليص الخدمات الاجتماعية، „أصبحت المسابح أقل شيوعًا في برلين، ولا يستطيع الكثيرون الذهاب بسهولة إلى بحيرة أوالى البحر". فهل سيصبح نموذجّ فيينا هو الخيار؟

شيوعيو غراتس يتقدمو في استطلاعات الرأي

تمنح استطلاعات الراي، لحد الآن، الشيوعيين في غراتس 27 – 30 مقعدا في انتخابات مجلس البلدية المقبل، هذا يعني أنهم يحافظون على نجاح الانتخابات السابقة، ويعد هذا التقييم انجازا بالنسبة لجزر يسارية في اوروبا الرأسمالية. وعلى الرغم من ذلك لا تبالغ رئيسة البلدية في توظيف استطلاعات الراي في الدعاية الانتخابية، وتقول إنها غير متشبثة بالمنصب.

 نظمت خيمة انتخابية مقابل مبنى البلدية، تحت شعار: "المساعدة بدل الكلام". داخل الخيمة تدور حوارات بين ناشطي الحزب وسكان المدينة، تتجاوز الأحاديث أوضاع المدينة لتمتد إلى الشأن العام. تقول الناخبة الشابة فيلون: " سيفوز الحزب الشيوعي النمساوي بسهولة".

تُمثل بلدية غراتس بقيادة الشيوعيين ثقلاً موازناً لحكومة تحالف اليمين المحافظ والمتطرف في الولاية، وينبغي أن تبقى كذلك. يقول أحد الناخبين: "إنها تكتسب زخماً أيضاً من خلال الحملة الانتخابية المثيرة للجدل لحزب الحرية النمساوي" اليمني المتطرف. مع ذلك، فإن مرشحي اليمين لا قيمة لهم. " وان على كار ان لا تخشى شيئاً، لكنها لن تحصل على صوتي على أي حال؛ فأنا رأسماليٌّ أكثر من اللازم". 

بنايات متهالكة

 تشير فيوليت أيضًا إلى مشاكل مستمرة في مجمع سكني تابع للبلدية في حي ليوبولدشتات: أكثر من مئة شقة متضررة من العفن، لكن مالك العقار، شركة فينر فونين المملوكة للمدينة، يُلقي باللوم على المستأجرين ويرفض إجراء التجديدات اللازمة. ويدافع السكان، بدعم قوي من الحزب الشيوعي النمساوي، عن حقوقهم. ومع ذلك، يمكن استخلاص دروس لسياسة الإسكان في برلين. يقول النائب نيكلاس شينكر: "برنامج الإسكان البلدي لدينا مُستوحى من أيام مجد فيينا الحمراء". ينبغي الآن أن يبدأ عهد جديد في برلين أيضًا: "يجب أن يكون عمال البناء الذين يشيدون هذه الشقق قادرين في نهاية المطاف على تغطية تكاليف السكن فيها".

كيف تنظر فينكه كريستوف، التي كانت وزيرة دولة في حكومة ولاية برلين وشهدت رفض المحكمة الدستورية الاتحادية لمقترح حزب اليسار بوضع سقف أعلى للإيجارات، إلى هذا الوضع؟: "لدينا إطار قانوني مختلف في ألمانيا، لكن تجارب غراتس وفيينا تُظهر أنه حتى على المستوى السياسي المحلي، يمكن تغيير الوضع، حتى إذا كانت نقطة الانطلاق سيئة". وهي متحمسة لاستغلال الخيارات المتاحة بالكامل، دون انتظار حلول من الحكومة الاتحادية، التي تشن حاليا هجمة لقضم المكتسبات الاجتماعية. فهل سيكون هذا كافيًا للفوز في برلين، أو في غراتس ثانية في نهاية حزيران الحالي؟

درس غراتس الأهم

ستُجرى انتخابات برلمان ولاية برلين في 20 أيلول المقبل، الوضع مختلف تمامًا؛ فالمنافسة محتدمة بين مختلف الأحزاب، ويملك حزب اليسار فرصةً ليصبح القوة الأبرز في معسكر يسار الوسط. وكان الحزب قد احتل الموقع الأول في برلين في الانتخابات البرلمانية الاتحادية المبكرة، والتي حقق فيها حزب اليسار نتائج جيدة وخرج من الأزمة التي عاشها في السنتين الأخيرتين التي سبقت الانتخابات المبكرة.

خلال الزيارة، وقف وفد برلين على شرفة مبنى بلدية غراتس، وأطل على الساحة الرئيسية أسفلها. سأل أحدهم: "وهل تُلقى هنا خطابات اليسار؟" ضحك الحضور. أجابت كيرستين وولتر بجدية: "لقد حققنا نجاحات، وارتكبنا أخطاءً أيضًا، في حكومة برلين السابقة. والآن علينا أن نثبت أننا تعلمنا من أخطائنا".

عاد الوفد الألماني إلى برلين، بعد عدة أيام أمضاها في غراتس، التي تستمر فيها الاستعدادات للانتخابات. ودرس غراتس الأهم لا يمكن تلخيصه في وثيقة سياسية: السكن الميسور لا يتحقق بين عشية وضحاها، وكذلك الثقة. كلاهما ينمو ببطء، عامًا بعد عام. في نهاية حزيران الحالي، سيتضح ما إذا كان سكان المدينة يرغبون في مواصلة هذا المسار، وبعد بضعة أشهر، سيتضح ما إذا كان سكان برلين مستعدين له أيضًا.