مع انطلاق موسم تسويق الحنطة في منتصف شهر نيسان من العام الحالي 2026، وبدء عمليات الحصاد في مختلف المحافظات، أعلنت وزارة التجارة تهيئة (78) مركزاً تسويقياً لاستلام محصول الحنطة من الفلاحين، مؤكدة كذلك توفير الكوادر الإدارية والفنية والمستلزمات المختبرية اللازمة لإنجاح عملية التسويق. إلا أن المتابع للمشهد على أرض الواقع يلاحظ أن المشكلة التي رافقت مواسم التسويق السابقة ما زالت تتكرر، بل ربما تتفاقم في بعض المناطق.
فطوابير الشاحنات المحمّلة بالحنطة تمتد لمسافات طويلة أمام السايلوات ومراكز الاستلام، في مشهد بات مألوفاً للفلاحين. وخير مثال على ذلك ما شهدته محافظتا النجف وكربلاء، حيث أعلن محافظ النجف، خلال زيارة لأحد السايلوات، عن تعثر أو توقف عمليات الاستلام في إحدى الليالي، ووجّه بمحاسبة المسؤولين عن ذلك. وقد عُزيت أسباب التوقف، بحسب ما أُعلن، إلى الظروف الجوية. وفي مقطع فيديو آخر، أشار رئيس اتحاد الجمعيات الفلاحية في النجف إلى وجود عراقيل ومشكلات تعترض عملية استلام محصول الفلاحين، وهو ما يتكرر أيضاً في محافظة كربلاء وغيرها من المحافظات المنتجة.
إن استمرار هذه المعوقات يحمّل الفلاح أعباءً إضافية لا مبرر لها، إذ يؤدي التأخير في تفريغ الشحنات إلى ارتفاع أجور النقل والحراسة والمناولة، فضلاً عن الوقت الضائع الذي يتحمله الفلاح على حساب جهده وتكاليف إنتاجه. ويحدث كل ذلك على الرغم من اعتماد نظام الحجز الإلكتروني المسبق لتنظيم عمليات التسويق، الأمر الذي يطرح تساؤلاً مشروعاً: أين تكمن المشكلة الحقيقية؟
وزارة التجارة أعلنت أن لديها (78) مركزاً أو مخزناً لاستلام الحنطة، بطاقة خزنية إجمالية تبلغ نحو (6) ملايين طن. لكن عند التمعن في الأرقام تتضح الصورة بشكل أكثر دقة. فبحسب ما أكدته تقارير إعلامية، من بينها قناة السومرية وجريدة الصباح، فإن المخزون المتبقي لدى وزارة التجارة من محصول العام الماضي يبلغ نحو (3.5) ملايين طن، ما يعني أن الطاقة الخزنية المتاحة فعلياً لا تتجاوز (2.5) مليون طن فقط.
وفي المقابل، تتوقع وزارة التجارة أن يبلغ إنتاج الحنطة للموسم الحالي نحو (4.5) ملايين طن. غير أن العديد من المختصين والجهات الزراعية يذهبون إلى أن الإنتاج الفعلي قد يصل إلى (6.5) ملايين طن أو أكثر، نتيجة عدة عوامل إيجابية، منها التوسع في استخدام تقنيات الري الحديثة، ووفرة الأمطار خلال الموسم، وتحسن مستوى الخدمة الزراعية المقدمة للفلاحين، فضلاً عن اعتماد أصناف محسنة من البذور ذات الإنتاجية العالية وتوفير الأسمدة اللازمة.
ومن الطبيعي أن تؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى زيادة الإنتاجية وارتفاع كميات الحنطة المسوقة، وهو أمر إيجابي ومطلوب. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: أين سيتم خزن هذه الكميات الإضافية؟
هل ستُترك الحنطة في العراء كما حدث في بعض المواسم السابقة؟ أم ستلجأ الدولة مجدداً إلى استئجار مخازن من القطاع الخاص لاستيعاب الفائض؟ وفي كلتا الحالتين فإن الأزمة تبدو متوقعة سلفاً، لأن الطاقة الخزنية المتاحة لا تتناسب مع حجم الإنتاج المتوقع، خصوصاً إذا صحت التقديرات التي تشير إلى إنتاج يتجاوز (6) ملايين طن.
إن هذا الواقع يخلق ضغطاً كبيراً على السايلوات والمخازن المتوفرة، ويؤدي إلى ازدحامات واختناقات إدارية وفنية متكررة، كما يفتح الباب أمام ممارسات غير سليمة قد تنشأ بسبب ضعف الرقابة أو استغلال بعض ضعاف النفوس للظروف الاستثنائية التي ترافق مواسم التسويق. وفي نهاية المطاف، يبقى الفلاح هو المتضرر الأول من هذه التعقيدات، إذ يتحمل كلفاً إضافية تؤثر في ربحية النشاط الزراعي، وقد تنعكس مستقبلاً على قراراته المتعلقة بالتوسع في الإنتاج أو الاستمرار بزراعة المحاصيل الاستراتيجية.
إن معالجة هذه المشكلة لا ينبغي أن تكون موسمية أو آنية، بل تستدعي رؤية استراتيجية متكاملة تشترك في إعدادها الوزارات والجهات المعنية، وفي مقدمتها وزارات الزراعة والموارد المائية والتجارة والتخطيط. فالمطلوب وضع دراسات دقيقة تأخذ في الحسبان الخطط الزراعية المعتمدة، والمساحات المزروعة، والتطور الحاصل في استخدام التقنيات الحديثة، والزيادة السكانية، وحجم الطلب المتوقع على الحبوب، فضلاً عن تقدير الإنتاج الفعلي بشكل علمي بعيداً عن التخمينات.
كما أن من الضروري إعداد خطط تسويقية وخزنية طويلة الأمد تتجاوز الارتباكات التي تتكرر سنوياً، وذلك من خلال التوسع في إنشاء السايلوات والمخازن الحديثة وزيادة الطاقة الخزنية بما يتناسب مع التطور الحاصل في القطاع الزراعي. فليس من المنطقي أن تشجع الدولة الفلاح على زيادة الإنتاج، ثم تواجه هذا النجاح بأزمة تسويق أو نقص في الخزن.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية إعادة النظر في سياسة استيراد الحنطة، والعمل على إعطاء الأولوية للمنتج المحلي متى ما كان قادراً على تلبية الاحتياجات الوطنية من حيث الكمية والنوعية، بما ينسجم مع أهداف تحقيق الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الخارج.
ومن القضايا المهمة التي تستحق المعالجة أيضاً ملف البذور المصدقة. فمع الزيادة الكبيرة في إنتاجية الدونم الواحد نتيجة استخدام التقنيات الحديثة والأصناف المحسنة، أصبح من الضروري إعادة النظر في الكميات المعتمدة للاستلام. إذ لا يبدو منطقياً الاستمرار باستلام (700) كيلوغرام فقط للدونم وفق الغلة المحددة مسبقاً، في حين أن إنتاجية العديد من الحقول تجاوزت الطن الواحد للدونم. إن استلام كامل الكميات المنتجة من البذور المصدقة سيؤمن مخزوناً أكبر من البذور للموسم المقبل، ويسهم في تقليل الحاجة إلى الاستيراد، فضلاً عن تشجيع الفلاحين على الاستمرار في اعتماد التقنيات الحديثة التي أثبتت نجاحها في رفع الإنتاجية.
إن نجاح الموسم الزراعي لا يُقاس فقط بحجم الإنتاج، بل بقدرة الدولة على إدارة هذا الإنتاج وتسويقه وخزنه بكفاءة. لذلك فإن تكرار مشكلات التسويق عاماً بعد آخر يستدعي وقفة جادة ومراجعة شاملة للسياسات والإجراءات المتبعة، بما يضمن حماية المنتج المحلي وإنصاف الفلاح الذي يبقى الحلقة الأساسية في معادلة الأمن الغذائي الوطني.
ــــــــــــــــــــــ
*مهندس زراعي استشاري