لا تزال الدولة، حتى الآن، لم تستجب بشكل كامل للمطالب المشروعة للفلاحين، هذه الشريحة المنتجة والفاعلة في عملية إنتاج الغذاء، وفي مقدمة ذلك محصول الحنطة الذي يمثل ركناً أساسياً في منظومة الأمن الغذائي الوطني، وهو الهدف الذي تؤكد عليه الدولة ضمن برامجها الحكومية وخططها الاستراتيجية.
فالفلاح ينتظر ما يقارب ستة أشهر، منذ مرحلة البذار وحتى الحصاد، ويبذل خلال هذه الفترة جهوداً كبيرة ومضنية، فضلاً عن تحمله أعباء مالية متزايدة لتوفير مستلزمات الإنتاج المختلفة، من وقود وأسمدة وبذور ومبيدات، إلى جانب أجور استئجار المكائن الزراعية والحصاد والسقي والنقل بالشاحنات. ورغم كل هذه التكاليف والجهود، فإنه يواجه اليوم جملة من التحديات، أبرزها:
1. خفض حجم الخطة الزراعية.
2. خفض سعر شراء الحنطة من 850 ألف دينار إلى 500 ألف دينار للطن.
3. عدم صرف المستحقات المالية المتأخرة للأعوام السابقة.
وفي الوقت ذاته، يواجه الفلاحون، شأنهم شأن بقية المواطنين، ارتفاعاً مستمراً في تكاليف المعيشة، الأمر الذي دفعهم إلى اللجوء للتظاهر ورفع مطالبهم المشروعة، والتي تمثلت في:
1. إعادة تسعير طن الحنطة إلى 850 ألف دينار.
2. صرف المستحقات المالية المتأخرة للأعوام السابقة.
3. رفع سقف الغلة المعتمد للدونم، والذي حددته وزارة التجارة بـ(750 كغم للدونم)، بما ينسجم مع نجاح الموسم الزراعي الحالي وارتفاع معدلات الإنتاج.
4. شمول جميع الفلاحين والمزارعين بعمليات التسويق، سواء كانوا داخل الخطة الزراعية أم خارجها.
وبعد معاناة طويلة واجهها الفلاحون خلال تحركاتهم الاحتجاجية، انتقلت مطالبهم عبر مجلس النواب إلى مجلس الوزراء. وجاء القرار الأخير بتحديد سعر طن الحنطة للمشمولين بالخطة الزراعية بـ 700 ألف دينار، فيما حُدد السعر بـ 500 ألف دينار للطن بالنسبة لغير المشمولين بالخطة الزراعية، من دون الاستجابة لبقية المطالب التي ما تزال محل انتظار ومتابعة من قبل الفلاحين.
وفي خضم هذه التطورات، طُرحت دعوات تدعو إلى تصدير الحنطة إلى دول الجوار بأسعار مرتفعة. وهي دعوات تثير العديد من التساؤلات بشأن دوافعها وأهدافها، وما إذا كانت تمثل رأياً فردياً أم توجهاً أوسع قد يؤثر في فلسفة العملية الزراعية وأهدافها الاقتصادية والاجتماعية والوطنية، ولا سيما في ظل الحاجة إلى تعزيز الأمن الغذائي المحلي وضمان استقرار السوق الداخلية.
إن المطلوب اليوم من الدولة هو مواصلة احتواء القطاع الزراعي ورعايته، والعمل على الحفاظ على استمرارية النشاط الزراعي بوصفه أحد أهم القطاعات المنتجة في البلاد. كما أن دعم الفلاح وتحسين مستوى معيشته وتشجيعه على الاستمرار في مهنته يمثلان خطوة أساسية نحو تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الريف، والحد من الهجرة إلى المدن، وتعزيز التنمية المستدامة.
وتلبية المطالب المشروعة للفلاحين لا ينبغي النظر إليها باعتبارها استجابة لفئة محددة فحسب، بل باعتبارها استثماراً وطنياً في الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية. فاستمرار الفلاح في العطاء والإنتاج يتطلب توفير الخدمات الأساسية له، وفي مقدمتها المياه والطاقة والسكن والرعاية الصحية والتعليم والثقافة، فضلاً عن تسهيل حصوله على وسائل وتقنيات الزراعة الحديثة بشروط ميسرة تساعده على تطوير عمله وزيادة إنتاجيته.
إنها دعوة مخلصة للحفاظ على هذه الثروة البشرية الوطنية التي يعتمد عليها البلد في إنتاج الغذاء وتأمين احتياجات المجتمع من المحاصيل الزراعية المختلفة. كما أن من الضروري إعادة الاهتمام بالمحاصيل الحقلية الاستراتيجية الصيفية، وفي مقدمتها الذرة الصفراء والشلب، من خلال دعم زراعتها وتسهيل تسويقها، لما تمثله من أهمية اقتصادية في تنمية الإنتاج الزراعي وتنويعه وتعزيز الأمن الغذائي الوطني.
كل الاحترام والتقدير لفلاحينا ومزارعينا الذين يواصلون العمل والإنتاج رغم الصعوبات والتحديات. ويبقى الأمل معقوداً على أن يظل دعم الريف العراقي وتطويره، اقتصادياً واجتماعياً وخدمياً، هاجساً وطنياً دائماً لدى الدولة ومؤسساتها، انطلاقاً من إيمانها بالدور المحوري الذي يؤديه الفلاح في بناء الاقتصاد الوطني وتحقيق الأمن الغذائي.
ــــــــــــــــــ
*خبير زراعي