اخر الاخبار

لم يعد الاقتصاد العراقي يحمل بداخله مضامين النمو الحقيقية، لا من حيث حجم الناتج المحلي، ولا من حيث تنوع فروعه الانتاجية، وان نسبة النمو التي كما كان يتوقعها صندوق النقد الدولي لهذا العام والبالغة 3،6 في المئة قد تتراجع بشكل ملحوظ، كما أعلن الصندوق، لأن الاقتصاد العراقي لهذ العام سيشهد انكماشا بنسبة 6،8 في المئة، بسبب الظروف السياسية والحرب في الشرق الاوسط بين إيران من جهة، والولايات المتحدة واسرائيل من جهة اخرى .

نمو الناتج المحلي

لم تعلن وزارة التخطيط لغاية تاريخه مقدار الناتج المحلي لعام 2025، غير أن ثمة تقارير تشير إلى وصوله إلى ما يقارب ال.270 مليار دولار والبعض الآخر يشير إلى 264 مليار دولار وهو أقل بكثير عما كان عليه الحال عام 2024. حيث كان الناتج المحلي الإسمي حسب وزارة التخطيط 286،5 مليار دولار بما فيها عائدات النفط البالغة 95،5 مليار دولار تقريبا، ووفقا للاقتصاد المقارن فان الناتج المحلي التركي لعام 2025 (1،6تريليون دولار) وبنسبة نمو بلغت 3،6 في المئة، والمعروف أن عدد سكان تركيا يبلغ حوالي 90 مليون نسمة اي بالضبط ضعف نفوس العراق، أي أن الناتج القومي التركي مقسوما على 2 وهم نفوس العراق البالغ 45 مليون نسمة، فان الناتج المحلي العراقي كان عليه ان يبلغ 800 مليار دولار، سيما وان مساحة تركيا هي أقل بكثير من ضعف مساحة العراق  وأن في العراق خامات مجزية لتحقيق صناعة تساهم في زيادة الناتج المحلي العراقي، كما ان تركيا لا تصدر النفط بل هي دولة مستوردة للنفط والغاز، فهل يقوم المسؤول العراقي بإجراء مقارنة لناتج بلده ببلدان دول المنطقة ومنها إيران الإسلامية، على سبيل المثال، فهي في أيام السلم والحصار تنتج كل الخيرات وتصدر للعراق ما قيمته 7 مليار دولار تقريبا سنويا. كما ان العراق استورد من تركيا عام 2025 ما قيمته 12 مليار دولار حسب هيئة الإحصاء المركزية التركية. اي أكثر من استيراداتنا من إيران.

اقتصاد الفقاعة

يمكن تشبيه اقتصادنا بالبالون او الفقاعة لاعتماده ومنذ عام 2003 بشكل أساسي على الإيرادات السنوية النفطية، وأن حركة الأسواق العراقية بما فيها أسواق إقليم كردستان تعتمد على الرواتب والاجور، والنفقات التشغيلية الحكومية، فأي تأخير يصيب مصادر الصرف الحكومي يؤدي إلى توقف التدفق النقدي إلى الاسواق، بالتالي توقف مجمل النشاط الاقتصادي وحدوث الكساد، والسبب هو الغياب السافر لدور القطاع الخاص الذي يعمل بدوره في كل بلدان العالم على تدفقات نقدية مستمرة للأسواق اما عن طريق الرواتب والأجور او مشترياته لمواجهة عمليات الانتاج . وكثيرا ما ترى أسواق الجملة خاملة لو اصاب التأخير توزيع رواتب او أجور من يعمل في الدولة او لصالح دوائرها. أو أن سوق العمل يتعرض لمزيد من الاختلال لو تأخرت الدولة في تسديد مستحقات المقاولين، كما يشكوا الآن المقاولون العراقيون وعلى لسان نقيبهم.

غياب الإنتاج في بلادنا

الانتاج وفقا لعلم الاقتصاد، هو خلق المنافع، او تحويل المواد الخام إلى سلع يحتاجها المجتمع، وهي عملية مركبة، تبدأ بالمواد الاولية وتنتهي بالتسويق، الذي بخلق المنافع المكانية للسلعة والزمانية والحيازية لها، وكلها عوامل تدر نقدا بعد التصنيع إلى الاسواق مما يساعد على الاستهلاك واعادة الطلب ومن ثمة اعادة الانتاج، والانتاج اذا كان ركيزة كل اقتصاد، فان الاهتمام به وتنويعه اصبح اليوم، الهم والشغل الشاغل، لكل دول العالم، وان التنمية الاقتصادية أيا كانت لابد لها من دراسة الانتاج وعوامل تكوينه، ودراسة الانتاجية للفرد المواطن، ودراسة ساعات العمل وربطها بالتقدم الصناعي والزراعي والسياحي، ومن قبله التقدم العلمي وما يقدمه للإنتاج من وسائل واكتشافات تساعد على زيادة الوحدات المنتجة مقابل وقت اقصر، والتقدم الرقمي يقدم اليوم للإنتاج ما يفتح له ابوابا لم تكن إلا في عالم الخيال، والسؤال الذي يطرح اليوم في العراق كل ثانية، اين نحن من الانتاج بعد الانقلاب عليه بعيد عام 2003، بدءا من محاربة القطاع العام الانتاجي، الذي كان يسد بشكل عام 80 بالمئة من الاحتياجات المصنوعة، وأكثر من 90 بالمئة من الحاجات الزراعية، واليوم يشاهد المراقب دون عناء توقف مقصود لمكائن وقدرات هذا القطاع، مقابل تحول مدخولات منتسبيه من التمويل الذاتي إلى الخزانة المركزية بعد ان كانت تلك الشركات تدفع للدولة من فائض أرباحها، ففي عام 1987 وعلى سبيل المثال، قامت الشركة العامة لتجارة المواد الغذائية بتمويل الخزينة المركزية بمبلغ 136 مليون دينار من ارباحها لعام 1986، وكان سعر الدينار العراقي آنذاك 3،3 دولار امريكي، واليوم الكثير من شركات القطاع العام تشكل عبئا في الرواتب والاجور ونفقات الدوام دون انتاج على وزارة المالية، يقابل ذلك عدم نمو قطاع خاص يسد ما كان ينتجه القطاع العام، واقتصر النشاط الاقتصادي لهذا القطاع على السياحة، دون انتاج حقيقي، سيما وانه يقدم خدمات رفاه تعمل على تضييع العملة وتميل إلى الاستهلاك المظهري، كالمطاعم، الكافيهات ومحلات اللهو الاخرى، وربما خدمات فندقية تكرس مظاهر الغلو الكمالي، كما وأن الإسكان آخذ هو الأخر ينحى منحى الإسكان المظهري الذي يقوم على بناء المجمعات السكنية غالية الثمن وبكثافة تعدت المعقول ودون تخطيط مسبق يأخذ بنظر الاعتبار قدرة العاصمة او مراكز المحافظات على الاستيعاب، وقدرة دوائر الخدمات على مواجهة هذا السكن العشوائي الذي يعود بالفائدة على الرأسماليين الجدد، ويسبب الضرر لطالب السكن من الفقراء. 

الاستيراد المشوه

منذ العام 2003، والاستيراد هو السيد في تلبية الحاجات، وهو النشاط غير المنضبط، والذي تجاوز كل قواعد وأصول سلم الحاجات الاجتماعية، وتجاوز كل اساسيات المواصفة العالمية او المحلية، اضافة إلى تجاوزه في الكثير من الحالات ما استقرت عليه قواعد وزارة الصحة، وما يطلبه مختبر الصحة المركزي من مواصفات لا تلحق الضرر بالمواطن المستهلك. وظل الاستيراد ماضيا في تعدياته بتشجيع من الدولة ليحارب اي انتاج محلي بطرق متعددة يقف في مقدمتها افتتاح المولات، التي، تعرض المستورد وتبشر بميزاته دون ان تلقي اهتماما لمصنع اهل البلاد، وهذا هو عين الاقتصاد المشوه، وحسب ما يعلن اليوم، فإن حجم الاستيراد السنوي ناهز ال 85 مليار دولار، مقابل ناتج قومي انتاجي، دون عائدات النفط، لا يتجاوز ال 160 مليار دولار، اي أن الاستيراد حال دون انتاج 50 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي، اي اقتصاد مشوه هذا. والغريب ان البنك المركزي يبذر العملة الصعبة دون (وجع گلب) على سلع ربما الكثير منها مخالف لسلم الاولويات السلعي، لذا ترى الأسواق على سبيل المثال عامرة بالسيارات الفارهة، وعيارات اللعب النارية ومواد انشائية يعجز عن اقتنائها 95 بالمئة من العراقيين، عليه فإن الحكومات مطالبة برفع التشوه عن اقتصاد بلادنا والعودة إلى تشجيع الانتاج، وتقليم جدي لأظافر الاستيراد، وان تعيد النظر بواقع السياسة الاستهلاكية وما تسببه من ضياع مجاني للعملة الاجنبية، وان يترك البنك المركزي سياساته الحالية ويعمل على غربلة المصارف، لأنها كانت واجهات للتلاعب بالعملة، ولم تظهر لغاية تاريخه بمظهر المساهم في عملية التنمية الصناعية او الزراعية، وربما ساعدت في انحراف السياسة الاسكانية.