اخر الاخبار

لا تُولد الحكومات العراقية في هذا الزمن المضطرب، من رحم البرامج بقدر ما تُولد من هندسة التوازنات، ولا تأتي بوصفها مشروعًا وطنيًا مكتمل الإرادة، وإنما بوصفها تسوية مؤقتة بين قوى متصارعة، لكل منها حساباتها، وخطوطها الحمراء، وأذرعها، ومصالحها، ورعاتها الإقليميون والدوليون. ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا يبدأ من شكل المنهاج الوزاري الذي قُدِّم إلى مجلس النواب، بل من البيئة التي أنتجت هذا المنهاج، ومن طبيعة القوى التي ستجلس حول طاولة الحكومة المقبلة، ومن مقدار الحرية المتاحة لرئيس الوزراء المكلف وهو يحاول أن يقود دولة تتنازعها إرادات متعددة.

المنهاج الوزاري الذي قدمه علي فالح كاظم الزيدي يبدو، للوهلة الأولى، أكثر تماسكا من كثير من البرامج السابقة. فيه لغة حديثة نسبيًا، وفيه إشارات إلى الحوكمة، والتحول الرقمي، والاقتصاد المنتج، وإصلاح المصارف، وصندوق الأجيال، والسيادة، وحصر السلاح، والطاقة، والزراعة، والذكاء الاصطناعي، والهوية الرقمية. وهي مفردات لم تكن مألوفة بهذا الاتساع في برامج الحكومات العراقية الأولى بعد 2003. بيد أن القراءة العميقة تكشف سريعًا أن الوثيقة كُتبت بعقل إداري حذر، لا بعقل سياسي يريد خوض معركة تأسيس الدولة.

فالبرنامج يتحدث عن حصر السلاح بيد الدولة منذ البداية، لكنه لا يقترب من السؤال الأخطر: كيف يمكن لحكومة محاصصاتية أن تواجه القوى المسلحة التي ساهمت أصلًا في تشكيلها أو في منحها الغطاء السياسي؟ وكيف يمكن لرئيس وزراء جاء نتيجة توازنات معقدة داخل الإطار وخارجه أن يذهب بعيدًا في تفكيك بنية النفوذ المسلح من دون أن يدخل في مواجهة مع القوى التي صنعت أكثرية البرلمان نفسها؟

هنا تبدأ النار الأولى.

فالحكومة المقبلة ستكون مطالبة أمريكيًا وغربيًا وعربيًا بإثبات أنها قادرة على حماية الدولة العراقية من الانهيار المالي والأمني، وقادرة على ضبط السلاح، ومنع تهريب الدولار، وتأمين الاستثمارات، وضبط الحدود، وإبعاد العراق عن لعبة المحاور، وحماية المصالح الغربية والخليجية في المنطقة. وهذه ليست مطالب هامشية، بل شروط فعلية لاستمرار تدفق الدعم المالي والسياسي للعراق، وخاصة في ظل حساسية ملف الاحتياطي النقدي العراقي وعلاقته بالنظام المالي الأمريكي.

وفي المقابل، فإن القوى المسلحة، والفصائل، والتيارات المرتبطة بمحور المقاومة، لن تقبل بسهولة بأي مسار يُشعرها بأن الحكومة تتحول إلى أداة لتقليص نفوذها أو إعادة هندسة الدولة بعيدًا عنها. وهي تدرك أن أي إصلاح حقيقي للمصارف، والمنافذ، والتحويلات المالية، والجمارك، والاقتصاد الموازي، سيؤدي تدريجيًا إلى تقليص شبكات النفوذ التي تشكلت خلال العقدين الماضيين.

ومن هنا فإن حكومة الزيدي ستجد نفسها منذ اللحظة الأولى بين نارين:

نار الضغوط الأمريكية والدولية المطالبة بدولة منضبطة، ونار المنظومة المسلحة والسياسية التي تخشى أن يتحول الانضباط إلى بداية تقويض نفوذها التاريخي.

وهذا ما يفسر اللغة الرمادية في المنهاج. فهو يتحدث عن الحشد الشعبي بوصفه جزءًا من المنظومة الأمنية مع تطوير قدراته وتحديد مسؤولياته وفق القانون، من دون أن يحدد بوضوح أين يبدأ القرار العسكري للدولة وأين ينتهي القرار الفصائلي. ويتحدث عن حصر التواصل الدولي بالقنوات الرسمية، لكنه لا يجيب عن السؤال المعروف: هل تمتلك الدولة فعلًا احتكار العلاقات الخارجية أم أن هناك قنوات موازية ما تزال تتحرك فوق الجغرافيا العراقية؟

بل إن البرنامج في كثير من مواضعه يبدو وكأنه يحاول طمأنة الجميع دفعة واحدة: يطمئن واشنطن عبر الحديث عن اتفاقية الإطار الاستراتيجي، ويطمئن الخليج عبر الحديث عن الشراكات المتوازنة وطريق التنمية، ويطمئن طهران والفصائل عبر اللغة المرنة تجاه الحشد وعدم الذهاب إلى أي صيغة صدامية. وهذه المعادلة قد تمنح الحكومة فرصة للبقاء مؤقتًا، لكنها في الوقت نفسه تكشف حدود قدرتها على الحسم.

المشكلة الأعمق أن الحكومة المقبلة، مهما حسّنت الإدارة أو فعّلت الرقمنة أو طورت الخدمات، ستبقى أسيرة البنية التي أنتجتها ما لم تمتلك الجرأة على مواجهة سؤال الدولة نفسها. فالعراق اليوم لا يعيش أزمة خدمات فقط، ولا أزمة اقتصاد فقط، بل أزمة سيادة مركبة: سيادة القرار، وسيادة المال، وسيادة السلاح، وسيادة البيانات، وسيادة الحدود.

ولهذا فإن الحديث عن “اقتصاد منتج” يبقى ناقصًا ما لم يُفكك الاقتصاد الموازي الذي يلتهم الدولة من الداخل. والحديث عن “الحوكمة” يبقى ناقصًا ما لم تُواجه المحاصصة التي حوّلت المؤسسات إلى حصص سياسية. والحديث عن “التحول الرقمي” يبقى ناقصًا ما لم تتحول البيانات إلى أداة سيادية مركزية تراقب المال العام، والعقود، والمنافذ، والتحويلات، والجباية، والإنفاق. إن أخطر ما يواجه حكومة الزيدي ليس المعارضة السياسية، بل البيئة التي ستعمل داخلها. فكل خطوة إصلاحية حقيقية ستصطدم بشبكات مصالح مترامية: أحزاب، وفصائل، ومكاتب اقتصادية، ونخب مستفيدة، ومؤسسات مترهلة، واقتصاد ريعي، ومجتمع تعوّد على دولة الراتب لا دولة الإنتاج.

ولذلك فإن السؤال الذي سيلاحق هذه الحكومة منذ يومها الأول لن يكون: هل تملك برنامجًا؟ بل: هل تملك الإرادة والحرية لتنفيذ أي برنامج أصلًا؟

وهنا تكمن المعضلة العراقية الكبرى.

فالعراق، بعد أكثر من عقدين على 2003، ما يزال ينتج حكومات توافق أكثر مما ينتج دولًا. وما تزال الحكومات تُبنى على قاعدة منع الانفجار، لا على قاعدة بناء الجمهورية. ولهذا تبدو أغلب البرامج الحكومية متشابهة: لغة حديثة، عناوين صحيحة، وعود إصلاحية، ومصفوفات تنفيذ، ثم اصطدام تدريجي ببنية أعمق من قدرة الحكومة نفسها.

ولهذا فإن حكومة الزيدي، مهما امتلكت من كفاءات أو نوايا، ستبقى أمام اختبار تاريخي بالغ الخطورة: هل ستكون حكومة تدير التوازنات حتى نهاية الدورة السياسية، أم حكومة تمتلك شجاعة الانتقال من إدارة الدولة إلى استعادتها؟