طالما كانت الجامعات العراقية منارات شامخة للمعرفة، تخرّجت منها الأجيال التي بنت الدولة بمؤهلاتها العلمية وقيمها الأخلاقية. فهي ليست مجرد أماكن لتلقي العلم، بل هي محاضن للتربية وبناء الشخصية الإنسانية وترسيخ القيم الأخلاقية فيها. لكن، وللأسف، بدأت تطفو على السطح سلوكيات سلبية لم يعد السكوت عنها بالأمر الممكن من قِبل بعض الأساتذة الذين أساؤوا لهذه الأمانة العلمية والأخلاقية، وحوّلوا الوسط الأكاديمي إلى ساحة للاستغلال.
تتجلى هذه الظواهر في مواقف تخدش وقار المهنة؛ ففي بعض النشاطات الثقافية والمعارض الفنية، يبذل الطلبة جهوداً استثنائية ويقدمون لوحات وكتباً قيمة لنشر المعرفة، وبدلاً من أن تأخذ هذه الكتب واللوحات طريقها إلى المكتبات المركزية ومعارض الجامعات الفنية لتكون مرجعاً للجميع، يقوم بعض الأساتذة بالاستيلاء على الكتب المقدمة من قبل الطلبة لتدعيم مكاتبهم الشخصية. هذا "الاحتراف" في تقويض المعرفة لا ينبع إلا من عقول تخشى المنافسة وتفضل التباهي بما لا تملك. والأدهى من ذلك، هو السطو الأكاديمي على جهود الطلبة؛ حيث يتم تجيير البحوث العلمية والجهود الفكرية ونسبها للأستاذ من أجل نيل ترقيات علمية، مما يقتل روح الإبداع لدى الطالب ويجعل جهده هباءً منثوراً.
إن المسؤولية تقع اليوم على عاتق وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لتدارك هذا الانحدار، وذلك عبر خطوات حازمة:
تشديد الرقابة: كما توجد لجان لمتابعة انضباط الطلبة، يجب أن تكون هناك لجان رقابية دورية تتابع الأداء الأخلاقي والمهني لبعض التدريسيين.
المنصة الرقمية للشكاوى: تفعيل منصة رسمية وآمنة تتيح للطالب تقديم شكواه بخصوص أي ابتزاز أو استغلال.
الحماية القانونية: ضمان عدم تعرض الطالب لأي ملاحقة أو مضايقة (انتقام أكاديمي) بعد تقديم الشكوى، لكسر حاجز الخوف من "سلطة الدرجة".
إن إصلاح التعليم يبدأ من صيانة نزاهة الأستاذ وحفظ حق الطالب، فالعلم بلا أخلاق لا يبني وطناً.