اخر الاخبار

خلال السنوات الخمس الأخيرة، واجه العراق واحدة من أشد موجات الجفاف في تاريخه الحديث. هذا الجفاف لم يكن نتاج التغير المناخي وحده، بل جاء نتيجة تداخل عاملين رئيسيين: تصاعد آثار التغير المناخي عالميًا، والسياسات المائية لدول المنبع، وعلى رأسها تركيا، التي يأتي منها الجزء الأكبر من واردات العراق المائية عبر نهري دجلة والفرات.

المشكلة لا تكمن فقط في تراجع كميات المياه، بل في طبيعة الترتيبات المائية القائمة. فالاتفاقات الإطارية التي تحكم العلاقة المائية بين العراق وتركيا لم تكن في صالح الأخير، إذ لم تتضمن تحديد حصص مائية واضحة أو ملزمة، واكتفت بصياغات عامة فضفاضة حول “التعاون” و”الاستخدام المنصف”. وهناك فرق جوهري بين التفاوض على إطلاقات مائية مؤقتة لفترات محدودة، وبين اتفاق دائم يضمن استقرار هذه الإطلاقات، ويتيح للعراق تخطيطًا تشغيليًا صحيحًا لمشاريعه المائية والزراعية.

ولا يقتصر الأمر على أثر تذبذب الإطلاقات المائية على الزراعة أو مياه الشرب، بل يمتد ليشمل سلامة السدود العراقية نفسها. فالتغيرات المفاجئة في مناسيب المياه تُحدث ضغوطًا إنشائية على أجسام السدود، وتزيد من مخاطر الإجهاد والتشققات، وهو جانب بالغ الأهمية غالبًا ما يُغفل في النقاش العام، رغم كونه مسألة أمن وطني.

ومن منظور القانون الدولي للمياه، يبرز مبدأ لا يجوز المساس به، وهو الحد البيئي الأدنى (Minimum     Environmental Flow).  فهذا الحد ليس موضوعًا للتفاوض أو المساومة، لأنه يمثل حقًا أصيلًا للنظام البيئي النهري. فالأضرار البيئية لا يمكن تعويضها لاحقًا بزيادة الإطلاقات، لأن البيئة تحتاج إلى استدامة مستمرة لا إلى “تعويض مؤقت”. وهذا المبدأ أكدته مختلف الاتفاقيات الدولية، ومنها اتفاقية المجاري المائية الدولية لعام 1997، التي شددت في مادتها السادسة على ضرورة مراعاة حماية النظم البيئية ضمن مفهوم الاستخدام المنصف والمعقول.

في المقابل، تتبنى تركيا توجهًا استراتيجيًا واضحًا يتمثل في جعل جنوب الأناضول “سلة الغذاء” للمنطقة. ورغم الجفاف والشح المائي الإقليمي، تبقى تركيا نسبيًا أغنى بالموارد المائية مقارنة بدول الجوار. وما يُقتطع من حصة العراق المائية لا يختفي، بل يعود إليه بصورة غير مباشرة عبر تصدير المنتجات الزراعية والحيوانية إلى السوق العراقية. وهنا تتجسد فكرة “المياه الافتراضية” التي طرحها الباحث البريطاني John Anthony Allan ، إذ يخسر العراق المياه أولًا، ثم يدفع ثمنها مرة أخرى عند استيراد السلع التي استُخدمت تلك المياه في إنتاجها.

في هذا السياق، تبرز بعض الطروحات التي تدعو إلى استخدام “الضغط الاقتصادي” كورقة تفاوضية على تركيا. إلا أن هذه الطروحات تبدو غير واقعية عند تمحيصها وفحصها بموضوعية. فالاعتمادية الاقتصادية تسير في اتجاه واحد: استفادة تركية واضحة مقابل تضرر السوق العراقية، التي تفتقر إلى بدائل حقيقية من حيث الجودة والسعر. كما أن ربط الحصص المائية باتفاقات قصيرة الأمد، خاضعة لتقلبات سوق النفط، لا يمثل حلًا مستدامًا لأزمة هي بطبيعتها طويلة الأمد.

وقد صرّح وزير الموارد المائية العراقي، المهندس عون ذياب عبد الله، بشكل واضح بأن تركيا تطرح معادلة “النفط مقابل المياه”، وهي معادلة تتعارض صراحة مع مبادئ الأمم المتحدة ومع اتفاقيات المياه الدولية، التي ترفض تحويل الموارد المائية العابرة للحدود إلى سلعة سياسية أو اقتصادية أو أداة مساومة اقتصادية.

وبعد إسقاط هذه الطروحات، يتضح أن المشكلة لا تكمن في غياب أوراق الضغط، بقدر ما تكمن في طبيعة الموقع التفاوضي للعراق نفسه ضمن منظومة تقاسم المياه العابرة للحدود. فوفق مناهج تحليل دبلوماسية المياه، فإن مساحة المناورة المتاحة للعراق محدودة للغاية. فهو دولة مصب، وتوازنه في عناصر القوة التقليدية – العسكرية، التكنولوجية، وحتى القوة الناعمة – أقل من جاره التركي. لذلك، لا يمتلك العراق أدوات ضغط مباشرة، ولا يملك سوى المرجعيات القانونية والمؤسسات الدولية كمسار واقعي للدفاع عن حقوقه المائية. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية توظيف أهداف التنمية المستدامة، واتفاقيتي المياه الدوليتين: اتفاقية الامم المتحدة لاستخدام المجاري المائية الدولية للاغراض غير الملاحية لعام 1997، واتفاقية حماية واستخدام المجاري المائية العابرة للحدود والبحيرات الدولية لعام 1992. وتكتسب الاتفاقية الأخيرة أهمية خاصة، نظرًا لديناميكيتها العالية على الساحة الدولية، واعتمادها إطارًا مؤسسيًا فاعلًا يضم اجتماعات دورية للأطراف ولجانًا فنية وقانونية قادرة على التعامل بمرونة مع المتغيرات. فانضمام العراق إليها في اذار 2023 يُعد خطوة إيجابية، رغم كونها اتفاقية إطارية وغير ملزمة، إلا أنها توفر دليلًا عمليًا للتفاوض وصياغة الاتفاقات الثنائية والمتعددة الأطراف، مما يتطلب من صانع القرار العراقي ان يأخذها على محمل الجد ولا يترك تنفيذها لوزارة الموارد المائية فقط، ليس لأن الموارد المائية منظومة معقدة مترابطة ومتداخلة باعمال القطاعات الاخرى وتعني عدة اصحاب مصالح، بل كونها إدارة المياه في العراق تتوزع أيضاً بين عدة وزارات قطاعية كالزراعة والاعمار والإسكان والبلديات العامة والبيئة وأمانة بغداد، ناهيك على تقاسم صلاحياتها الادارية.

وفي المقابل، تواصل تركيا الترويج لسردية استخدام العراق لأساليب ري متهالكة وغير حديثة مما يزيد من فاقداته المائية لاسيما أن الزراعة تستهلك أكثر من 75 في المائة من المياه، كما تستند تركيا إلى الخلافات الجوهرية حول المفاهيم الأساسية لإدارة المياه، مثل مفهوم “الاستخدام الأمثل”، لتبرير سياساتها المائية. وقد قدمت أنقرة على أساسه “خطة المراحل الثلاث” في ثمانينيات القرن الماضي، والتي رفضها العراق آنذاك باعتبارها تدخلًا في شؤونه الداخلية المرتبطة بإدارة موارده المائية إلا أنه عاد العراق بعد أكثر من 40 سنة ليوقع اتفاقية التعاون الإطارية في مجال المياه والتي في جوهرها تقوم على تبادل عائدات النفط مقابل المياه.

في المحصلة، فإن أزمة المياه بين العراق وتركيا ليست أزمة فنية بقدر ما هي أزمة سياسية واقتصادية في جوهرها. فالفلسفة التفاوضية التركية تقوم على استخدام المياه كأداة استراتيجية، دون قطع التعاون أو تحويله إلى التزام قانوني مؤسسي مستدام، وهو ما أبقى المفاوضات المائية لأكثر من نصف قرن في دائرة الدوران دون اتفاق حاسم. وبالتالي فإذا لم يُعد بناء الموقف التفاوضي العراقي على أساس القانون الدولي للمياه، وحماية البيئة، والاستدامة طويلة الأمد ويكون ضمن إطار مؤسسي متماسك تشترك فيه الدولة بأكملها، فإن الجفاف الحالي لن يكون استثناءً عابرًا، بل مقدمة لأزمة أعمق تهدد الأمن المائي والغذائي، وتمتد بتداعياتها إلى الاستقرار الاجتماعي والسياسي في العراق.